23 أبريل,2019

من ينشأ في الحلية

اطبع المقالة اطبع المقالة

من ينشأ في الحلية

 

س: مولانا العزيز ما هو تفسير هذه الآية المباركة، وهي قوله تعالى:- (أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ

 

ج: لقد وردت الآية المباركة في سياق بعض الآيات التي تتحدث عن واقع وثقافة جاهلية كانت موجودة عند العرب حال بعثة النبي الأكرم محمد(ص) إليهم، إذ كانوا يعتقدون أن لله تعالى أولاداً، وهم البنات، ويكون لهم الذكور، قال تعالى:- (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين* وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم)، فإن المقصود من قوله تعالى:- (ضرب للرحمن مثلاً) الأنثى، وإنما استعمل التعبير بقوله(ضرب للرحمن)، وفي غيرها استعمل التعبير بالأنثى، بلحاظ المنسوب إليه، فإنه في تلك الآيات كانت النسبة للأب، ولذا عبر بالأنثى، وهنا كانت النسبة لله سبحانه وتعالى، فعبر بما نسبوه له عز وجل بالباطل، مع أنهن لسن بنات الله تعالى، وإنما هن بناتهم.

 

ولذا كانوا يظنون أن الملائكة أناثاً وهم بنات الله سبحانه وتعالى، ويساعد على ذلك ما جاء بعدها وهي قوله تعالى:- (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون). وعليه فالآية الشريفة بقرينة السياق تتحدث عن النساء، وتقدم صفتين توجدان عند غالبية النساء، وهما:

 

الأولى: علاقة المرأة بالزينة والتزين والتجمل، وأن ذلك يعدّ جزءً من حياتها لا يمكنها الانفكاك عنه، وهو ما ذكره تعالى بقوله:- (ينشأ في الحلية)، فإن المقصود من الحلية الحلي والزينة، وأدوات التجمل، من الحلي ذهباً وفضة، وملابس، وما شابه ذلك.

نعم هناك قول، أن المقصود بالحلية في الآية الشريفة اللهو، والظاهر عدم مخالفته للقول الأول، لأن ما تضمنه القول الأول من  موجبات حصول اللهو وتوفره خارجاً، فتأمل.

 

الثانية: فقدان الأهلية والقدرة على المواجهة والمجابهة، وهو ما يشير له تعالى بقوله:- (وهو في الخصام غير مبين)، أي لا يملك القدرة والاستطاعة في مقابل الخصم، سواء  كانت المواجهة بدينة، أم كانت المواجهة فكرية.

وهل أن هاتين الصفتين تشيران إلى ذم للمرأة، وبالتالي يتأكد ما يذكره بعض الحداثيـين من ذكورية الدين، وعدم عنايته بالمرأة بل استنقاصه لها؟

 

للإنصاف، ليس فيهما ما يشير لذلك من قريب أو بعيد، بل غاية ما يراد من ذكرهما في الآية هو بيان الفرق بين البيئة التي تنشأ فيها المرأة عن البيئة التي ينشأ فيها الرجل، فإن المرأة تنشأ عادة في بيئة مملوءة بالليونة واليسر، وتنحصر اهتماماتها غالباً في البحث عن الزينة والتجمل، ولا تملك القدرة على الخصام، لا البدني ولا الفكري، فليست ذات قوة جسدية يمكنها أن تخوض بها حروباً أو قتالاً، وليست ذات حجة وقدرة على المحاجة والإثبات في مقام الاحتجاج.

 

ومن الواضح أن ما ذكرناه ليس مأخوذاً على نحو الموجبة الكلية، بل هو مأخوذ بنحو الموجبة الجزئية، وهو يمثل الغالبية والأكثرية الساحقة، ولذا لا يمنع أن يكون هناك من النساء من تمتلك القدرة الفكرية على المحاججة والخصام والمواجهة، وإقامة الحجة والبرهان، والتغلب على الرجال، كما أن من بين النساء من تكون بعيدة تماماً عن العناية بالزينة والتجمل.

والحاصل، إن الآية الشريفة التي وردت في السؤال غايتها بيان الفرق بين الرجل والأنثى من خلال استعراض بعض الصفات التي تختص بالنساء غالباً، ولا يوجد ذلك عند الرجال.

 

وقد جعل بعضهم الموضوع في الآية الشريفة الأصنام التي كان يعبدها المجتمع القرشي، وكانوا يعمدون لتـزيينها بالذهب والفضة، وهي لا تملك القدرة على الجواب، ولا الدفاع عن نفسها حال الاحتجاج والخصام.

ولا يوجد في البين ما يساعد عليه، خصوصاً وأن قرينية السياق تساعد على ما ذكرناه، والظاهر أنها محرزة، فلا مجال للمناقشة في ثبوتها منع الصغرى، بأن وجود الآية محل البحث في هذا المورد مرجعه للترتيب القرآني، والله سبحانه وتعالى العالم.