20 مارس,2019

ملامح شخصية الإمام الحسن (ع)

اطبع المقالة اطبع المقالة

إن الذي يتتبع سيرة الإمام الحسن(ع)يحصل له قطع بأنه قد توفرت له تربية وإنشاء روحي وفكري،بصورة لم تتسن إلا له ولأخيه الإمام الحسين(ع)،بعد النبي الأكرم(ص)والإمام علي(ع)والسيدة الزهراء(روحي لها الفداء).

حيث صارت بصمات الوحي والإعداد الإلهي طابعاً مميـزاً لشخصيتهما في شتى الملامح والعناصر والمنطلقات،فإنهما تلقيا أرقى ألوان التـربية الإسلامية على يد النبي(ص)والإمام أمير المؤمنين والسيدة الزهراء(ع).

وهكذا عايش الإمام الحسن(ع)مرحلة الإعداد الإلهي من أجل تحمل أعباء الدعوة لرسالة الله،بشكلها ومضمونها.

ثم إننا نود أن ندرس شخصية الإمام الحسن السبط(ع)والتعرف عليها من خلال قراءة بعض النواحي في هذه الشخصية الإسلامية العظيمة،فمن خلال تلك الدراسة المتأنية في تلك المواقف،والتأمل فيها يمكننا أن نتعرف على شخصيته المباركة.

هذا وسوف نتعرض لشيء يسير من سيرته(ع) فيكل من الناحية الروحية،والعلمية،والأخلاقية.

الناحية الروحية:

لقد خلف الإعداد الأصيل للإمام(ع)كياناً روحياً يسمو به إلى أعلى الدرجات،فكان تقربه إلى الله سبحانه وتعالى وانشداده إليه أمراً يهز القلوب،ويخشع له الوجدان.

فعن الإمام الصادق(ع)قال:إن الحسن بن علي(ع)كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم.

وقال(ع)في رواية أخرى:إن الحسن بن علي(ع)حج خمساً وعشرين حجة ماشياً،وقاسم الله تعالى ماله مرتين،وقيل ثلاث مرات.

وذكر الفتال النيسابوري في الروضة:إن الحسن(ع)كان إذا توضأ ارتعدت مفاصله واصفر لونه،فقيل له في ذلك،فقال:حق على كل من وقف بين يدي رب العرش،أن يصفر لونه وترتعد مفاصله.

وعن علي بن جذعان وأبي نعيم في حلية الأولياء وطبقات ابن سعد:إن الحسن(ع)خرج من ماله مرتين،وقاسم الله ماله ثلاث مرات حتى أنه كان ليعطي نعلاً ويمسك نعلاً،ويعطي خفاً ويمسك خفاً.

وكان(ع)إذا بلغ باب المسجد يرفع رأسه،وهو يقول:

إلهي، ضيفك ببابك،يا محسن قد أتاك المسيء،فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم.

وكان(ع)إذا ذكر الموت بكى،وإذا ذكر القبر بكى،وإذا ذكر القيامة والعرض على الله يشهق شهقة يغشى عليه منها.

وكان(ع)إذا قرأ القرآن ومر بآية فيها:- (يا أيها الذين آمنوا)قال:لبيك لبيك اللهم لبيك.

أما صدقاته وإنفاقه في سبيل الله سبحانه وتعالى،فيكفي أنه قاسم الله ماله ثلاث مرات،وأخرج من ماله من أجل الله سبحانه مرتين.

وهنا نتوصل إلى معرفة مقدار العلاقة التي كانت تربط الإمام الحسن السبط(ع)بالله سبحانه وتعالى،وكيف ينبغي للإنسان المؤمن الذي يقتدي بالإمام الحسن السبط أن تكون علاقته مع الله تعالى.

وعلى أي حال هذه العلاقة التي كانت بين الإمام(ع)وربه،هي عبادة الأحرار،الذين عبدوا الله عز وجل لأنهم وجدوه أهلاً للعبادة،فليست عبادة عبيد،ولا عبادة تجار.

الناحية العلمية:

يعتبر العقل إحدى الركائز الأساسية في الشخصية الإسلامية،ومن المعلوم أن المعصومين(ع)قد تسنموا قمة التسلسل في درجات الشخصية الإسلامية،لخضوعهم للإعداد الإلهي المباشر،في شتى عناصر الشخصية ومكوناتها.

وعلى هذا يكون الإمام السبط(ع)قد توافر له من النشاط الفكري في شتى مجالات الحياة ما لم يتوفر لغيره من الناس ما عدى المعصومين(ع).

والسر في ذلك يعود لطبيعة التلقي الذي ييتوافر للأئمة(ع)،فالإمام إما أن يتلقى من الرسول(ص)مباشرة،أو يتلقاه بالوساطة عن طريق الإمام الذي قبله.

ويشهد للسعة المعرفية عند الأئمة(ع)،أن التاريخ لم يحدثنا أنه قد توقف أحدهم في مسألة عرضت عليه،أو أنه قد أشكل عليه أمر من الأمور،أو سئل ولم يتمكن من الإجابة.

هذا ولنذكر شيئاً من الجانب العلمي للإمام الحسن(ع):

كتب له الحسن البصري،يسأله عن القضاء والقدر،فأجابه(ع):أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره،أن الله يعلمه فقد كفر،ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر،إن الله لم يطع مكرهاً،ولم يعص مغلوباً،ولم يهمل العباد سدى من المملكة بل هو المالك،لما ملكهم،والقادر على ما عليه أقدرهم،بل أمرهم تخيـيراً ونهاهم تحذيراً،فإن ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صاداً،وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم،بأن يحول بينهم وبينها فعل،وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبراً ولا اُلزموها كرهاً،بل من عليهم،بأن بصرهم وعرفهم،وحذرهم،وأمرهم ونهاهم،لا جبراً لهم على ما أمرهم به فيكونوا كالملائكة،ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه،ولله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين.

فلاحظ كيف أنه(ع)يوضح بعبارة موجزة قضية تعتبر من أكثر القضايا الفكرية تعقيداً وعمقاً،حتى أنها لشدة عمقها قد ضل فيها الكثيرون من رجال الفكر،كما نشأت عنها تيارات متطرفة كالأشاعرة والمعتـزلة حول التفسير العقائدي السليم.

بينما نراه(ع)يتحدث بمنطق يكشف عن عمق وأصالة في الفهم والمعرفة الإسلامية،مما يعني ارتباطه(ع)بمنابع الرسالة الصافية،ونهله من مفاهيمها الأصيلة.

وقيل له(ع):ما الزهد؟…قال:الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا.قيل:فما الحلم؟…قال:كظم الغيظ وملك النفس،قيل:ما السداد؟…قال:دفع المنكر بالمعروف،قيل:فما الشرف؟..قال:اصطناع العشيرة وحمل الجريرة،قيل:فما النجدة؟…قال:الذب عن الجار،والصبر في المواطن،والإقدام عند الكريهة،قيل:فما المجد؟…قال:أن تعطي في الغرم،وأن تعفو عن الجرم،قيل:فما المروءة؟…قال:حفظ الدين وإعزاز النفس،ولين الكنف،وتعهد الصنيعة،وأداء الحقوق،والتحبب إلى الناس،قيل:فما الكرم؟…قال:الابتداء بالعطية قبل المسألة وإطعام الطعام في المحل،قيل:فما الدنيئة؟…قال: النظر في اليسير ومنع الحقير،قيل:فما اللؤم؟…قال:قلة الندى وأن ينطق بالخنى،قيل:فما السماح؟…قال:البذل في السراء والضراء،قيل:فما الشح؟…قال:أن ترى ما في يديك شرفاً وما أنفقته تلفاً،قيل:فما الإخاء؟..قال:الإخاء في الشدة والرخاء،قيل:فما الجبن؟…قال:الجرأة على الصديق والنكول عن العدو،قيل:فما الغنى؟…قال:رضى النفس بما قسم لها وإن قل،قيل:فما الفقر؟…قال:شره النفس إلى كل شيء،قيل:فما الجود؟…قال:بذل المجهود،قيل:فما الكرم؟..قال:الحفاظ في الشدة والرخاء،قيل:فما الجرأة؟…قال:مواقفة الأقران،قيل:فما المنعة؟…قال:شدة البأس ومنازعة أعزاء الناس،قيل:فما الذل؟…قال:الفرق عند المصدوقة،قيل:فما الخرق؟…قال:مناواتك أميرك ومن يقدر على ضرك،قيل:فما السناء؟….قال:إتيان الجميل وترك القبيح،قيل:فما الشرف؟…قال:موافقة الإخوان وحفظ الجيران،قيل:فما الحرمان؟…قال:تركك حظك وقد عرض عليك،قيل:فما السفه؟….قال:اتباع الدناة ومصاحبة الغواة،قيل:فما العي؟….قال:العبث باللحية وكثرة التنحنح عند المنطق،قيل فما الشجاعة؟…قال:موافقة الأقران والصبر عند الطعان،قيل:فما الكلفة؟…قال:كلامك فيما لا يعنيك،قيل:وما السفاه؟…قال:الأحمق في ماله المتهاون بعرضه،قيل:فما اللؤم؟…قال:إحراز المرء نفسه وإسلامه عرسه.

وقد سئل(ع)في يوم عن السياسة،فأجاب:

هي أن ترعى حقوق الله،وحقوق الأحياء،وحقوق الأموات.فأما حقوق الله فأداء ما طلب،والاجتناب عما نهى.

وأما حقوق الأحياء:فهي أن تقوم بواجبك نحو إخوانك،ولا تتأخر عن خدمة أمتك،وأن تخلص لولي الأمر ما أخلص لأمته،وأن ترفع عقيرتك في وجهه إذا ما حاد عن الطريق السوي.

وأما حقوق الأموات فهي أن تذكر خيراتهم،وتتغاضى عن مساوئهم،فإن لهم رباً يحاسبهم.

الناحية الأخلاقية:

ونحاول في هذا المورد ذكر بعض النماذج الأخلاقية من سجايا الخلق الحسن للمعصومين(ع)المتمثلة في شخص الإمام السبط(ع)،والغاية من ذكر هذه النماذج،لتكون مثالاً يحتذى به،ويتخذ منهجاً يسار عليه.

تواضعه:

مر على جماعة من الفقراء،قد وضعوا على وجه الأرض كسيرات من الخبز،كانوا قد التقطوها من الطريق،وهم يأكلون منها فدعوه لمشاركتهم في أكلها،فأجاب دعوتهم قائلاً:- (إن الله لا يحب المتكبرين)،ولما فرغ(ع)من مشاركتهم،دعاهم إلى ضيافته،فأغدق عليهم من المال وأطعمهم وكساهم.

وورد أنه كان جالساً في مكان،وعندما عزم على الانصراف،دخل المكان فقير فحياه الإمام السبط(ع)ولاطفه،ثم قال:إنك جلست على حين قيام منا،أفتأذن لي بالانصراف؟…

فأجاب الرجل:نعم يا ابن رسول الله.

هكذا هو الخلق الحسن الذي ينبغي على المؤمن أن ينهجه في تعامله مع الناس،حتى يكون قدوة صالحة يقتدى به.

إحسانه لمن أساء إليه:

روي أنه وجد شاة له قد كسرت رجلها،فقال لغلام له:من فعل هذا؟…

فقال الغلام:أنا.

فقال له(ع):لم ذلك.

فقال الغلام:لأجلب لك الهم والغم.

فتبسم(ع)،وقال له:لأسرك،فأعتقه وأجزل له في العطاء.

وروي أن شامياً غذاه معاوية بالحقد على أهل البيت(ع)،رأى الإمام السبط راكباً،فجعل يلعنه،والحسن(ع)لا يرد عليه،فلما فرغ الرجل،أقبل الإمام(ع)عليه ضاحكاً وقال:

أيها الشيخ،أظنك غريباً،ولعلك شبهت؟فلو استعتبتنا أعتبناك،ولو سألتنا أعطيناك،ولو استرشدتنا أرشدناك،ولو استحملتنا أحملناك،وإن كنت جائعاً أشبعناك،وإن كنت عرياناً كسوناك،وإن كنت محتاجاً أغنيناك،وإن كنت طريداً آويناك،وإن كان لك حاجة قضيناها لك،فلو حركت رحلك إلينا،وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك،لأن لنا موضعاً رحباً،وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً.

فلما سمع الرجل كلامه بكى،ثم قال:أشهد أنك خليفة الله في أرضه،الله أعلم حيث يجعل رسالته،كنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي،والآن أنت وأبوك أحب خلق الله إلي.

ثم استضافه الإمام السبط(ع)حتى وقت رحيله،وقد تغيرت فكرته،وعقيدته ومفاهيمه عن أهل البيت(ع).

وفي هذا التصرف منه(ع)درس تربوي في كيفية التعامل مع الطرف الآخر حتى لو كان خصماً،وكيفية التعامل معه.

وهذا النحو من المعاملة مستفاد من القرآن الكريم في قوله تعالى:- (ادفع بالتي هي أحسن وإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)

سخاؤه:

وتعتبر هذه الصفة من أبرز الصفات التي تميز بها الإمام الحسن(ع)،فكان المال عنده غاية يسعى من خلالها إلى كسوة عريان،أو إغاثة ملهوف،أو وفاء دين غريم،أو إشباع جوع جائع.

وقد قيل ذات مرة:لأي شيء لا نراك ترد سائلاً؟

قال(ع):إني لله سائل،وفيه راغب،وأنا أستحي أن أكون سائلاً،وأرد سائلاً،وإن الله عودني عادة،أن يفيض نعمه علي،وعودته أن أفيض نعمه على الناس،فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة.

وجاءه أعرابي يوماً من الأيام سائلاً،فقال(ع):أعطوه ما في الخزانة،فوجد فيها عشرون ألف دينار،فدفعها إلى الأعرابي،فقال الأعرابي:يا مولاي،ألا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي،فأنشأ الحسن(ع):

نحن أناس نوالنـا خضل يرتع فيه الرجـاء والأمـل
تجود قبل السؤال أنفسنا خوفاً على ماء وجه من يسل

لو علم البحر فضل نائلنا لغاص من بعد فيـضه خجل

واشترى الإمام السبط(ع)بستاناً من أناس من الأنصار بأربعمائة ألف درهم،ثم بلغه أن أهله باعوه لأنهم محتاجون للمال،فرد البستان عليهم،دون مقابل.

وأظن أنه صار بمقدورنا أن نتعرف على شخصية الإمام الحسن(ع)من خلال هذه السجايا الكريمة التي احتوتها شخصيته المباركة.

السلام عليك يا أبا محمد الحسن السبط يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حياً،وجعلنا الله ممن ينال شفاعتك غداً إن شاء الله تعالى.