20 مارس,2019

معنى الإرادة في الآية (1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

هذه هي النقطة الثالثة من نقاط البحث حول آية التطهير،وقد ذكرنا أننا نتحدث فيها حول،معنى الإرادة الواردة في الآية المباركة،وما هو المقصود منها.

أقسام الإرادة:

تنقسم الإرادة إلى قسمين:

1-الإرادة التكوينية.

2-الإرادة التشريعية.

الإرادة التكوينية:

الإرادة التكوينية كما يظهر من اسمها عبارة عن حقيقة الإرادة،والحمل الشائع لها،بمعنى أن ذات الباري سبحانه وتعالى أو الفاعل المريد من البشر له إرادة واقعية على انجاز عمل ما.

فالشخص له إرادة لتناول الطعام، ومنشأ هذه الإرادة هو تصور الشيء المراد والتصديق بالفائدة والنـتيجة،ووجود الميل والرغبة،ثم النية والعزم،وبعد ذلك الإندفاع وإرادة الشيء.

فهو عندما تخطر في ذهنه فكرة تناول الطعام يستحضر فائدة هذا العمل،من شبع أو لذة أو غرض صحي وطبي،ثم يصدّق على صحة ذلك،أي بتحقق من سلامة الفكرة،وتأتي النية والعزم على إثر هذه الرغبة النفسية،وحينما تبلغ الرغبة قمتها ويصل الشوق مداه فهو يريد الأكل.

فالإرادة أمر يظهر بعد المقدمات الخمس المذكورة التي بعضها جزء من المبادئ التصورية،والبعض الآخر جزء من الغايات.

وحقيقة الإرادة التكوينية أمر ممكن على الباري تعالى،ومن صفات تلك الذات المقدسة،فنقول:إن الله مريد،ولكن لا على تلك المقدمات التي ابتنت عليها إرادة البشر،إذ يلزم من ترتب الإرادة الإلهية على تلك المقدمات إنفعال ذاته المقدسة وتأثرها،وهو يعود إلى النقص،تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً،ولكن حقيقة الإرادة التي هي عين العلم وعين الذات،كما في تعبيرات المحققين،من صفات ذاته المقدسة.

وفي الإرادة التكوينية تـتعلق الإرادة بفعل المريد والطالب نفسه لا الغير،فالله يريد خلق العالم،أو إحداث زلزال،أو إفاضة الوجود على إنسان.

والشخص يريد أن يأكل،أو يمشي،أو يتعلم،أو……ولكن هناك تفاوت بين إرادة الله سبحانه وتعالى،وبين إرادة الإنسان،ففي الإرادة الأزلية للبارئ عز وجل،لا يتخلف المراد عن الإرادة،ولابد من تحقق كل ما أراده المريد،أما في الإنسان،فإن الإرادة والمراد قابلة للتفكيك،وقد يتخلف المراد عن الإرادة ولا يتحقق لعلة ما.

الإرادة التشريعية:

الإرادة التشريعية،هي إرادة شخص إنجاز عمل ما وفقاً لرضاه واختياره،كأن يريد الأب من ابنه أن يدرس،وحتى يـبلغ هذا الأمر مرحلة التطبيق والتنفيذ،فإنه يطوي مقدمات،فالأب تحكمه رغبة وشوق مؤكد لأن ينشغل ابنه بالدرس،أو يعيش هاجس المحافظة على ابنه من التسكع واللهو،وبالتالي الفساد،وصنع مستقبل جيد له،فهذه الرغبة تدفعه لإصدار أمر الإنشغال بالدراسة والنهي عن التسكع واللهو المنجر إلى الفساد.

هذه الرغبة الملحة وهذا الشوق المؤكد الذي يتبعه الأمر والنهي،هو ما نسميه بالإرادة التشريعية.وأما الإرادة التشريعية للبارئ سبحانه وتعالى،فهي الأوامر والنواهي الشرعية.

الإرادة التكوينية والتشريعية في القرآن الكريم:

لقد تضمنت الايات القرآنية الإرادتين،حيث ورد في بعض الآيات الإرادة التكوينية،كما ورد في بعضها الآخر الإرادة التشريعة،ونحن طلباً للإختصار نقتصر على ذكر بعض الأمثلة لذلك،وبإمكان القارئ العزيز بعد ذلك المتابعة:

ما يشير للإرادة التكوينية:

1-قوله تعالى:- (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد)[1].

فلفظة (يريد) في الآية تشير للإرادة التكوينية،والمعنى أن إرادة الله سبحانه وتعالى غير قابلة للتخلف،وأن كل ما يريده سبحانه متحقق لا محالة.

2-قال تعالى:- (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)[2].

وهذه الآية في غاية الوضوح على الإرادة التكوينية،وكيف أن الشيء يرتدي حلة الوجود،والمراد يكتسب نور التحقق بمجرد توجه العناية والرغبة الربانية إليه.

هذان النموذجان يشيران لوجود الإرادة التكوينية لله سبحانه وتعالى.

أما الآيات المشيرة للإرادة التكوينية للبشر:

1-قال تعالى:- (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون)[3].

2-قال تعالى:- (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم)[4].

وهنا نلحظ أن الإرادة التكوينية للبشر ورغبتهم لا تـتحقق دائماً،وبطبيعة الحال فهي ليست نافذة بالضرورة،ويستفاد كذلك من هذه الايات أن هذه الإرادة البشرية محكومة ومقهورة بالإرادة الأزلية للباري تعالى،وعندما تـتصطدم وتـتعارض الإرادتان،فإن ما يريده الله سبحانه هو ما سيجري ويتحقق لا ما يريده الناس.

الآيات التي تشير للإرادة التشريعية:

1-قال تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ولعلكم تشكرون)[5].

ومن الواضح أن الإردة في الاية الشريفة (يريد ليطهركم) تشريعية،بمعنى أن الهدف الإلهي من جعل هذه الأحكام هو تطهير الناس،إذن فالإرادة التشريعية هنا هي وضع أحكام الطهارة من غسل ووضوء وتيمم،والهدف هو طهارة الناس من الحدث والخبث،وبديهي أن البعض سيمتـثل لهذه الأحكام ويعمل بها،بينما سيعرض عنها آخرون ولا ينفذونها،أما لو كانت إرادة إلهية على نحو التكوين لما أمكن لأحد أن يتخلف عن تطهير نفسه.

وقد تقدم منا في معنى الإرادة التشريعة أنها تـتعلق بفعل الغير على ضوء إرادته وإختياره،وفي هذه الاية أضيفت إرادة الله سبحانه وتعالى إلى أفعال الناس،وغايتها أن يقوم المؤمنون وفق اختيارهم بالوضوء والغسل والتيمم،وكون الإرادة هنا تعلقت بفعل الإنسان،إذن لا ترديد أن الإردة في هذه الآية(يريد ليطهركم)إرادة تشريعية،لا تكوينية.

2-قال تعالى:- (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر…)[6].

ويتضح معنى الإرادة في هذه الاية بملاحظة ما قدمناه في الآية السابقة،حيث أنها مثلها،تشريعية أيضاً،وأنها بصدد وضع قانون الصيام وضوابطه المختلفة المتعلقة بالسفر والحضر أو الصحة والمرض بما يخفف على المضطرين،ولا يوقعهم في العسر والمشقة،ويجعل الصيام مفروضاً على الجميع،دون مراعاة للحالات الخاصة،إذن الإرادة في الآية تتعلق بتشريع الأحكام والفروض،وليست هذه الإرادة إلا الإرادة التشريعية بعينها.

الإرادة في آية التطهير:

بعد هذا الشرح والتوضيح للإرادة وبيان قسميها،وذكر بعض الأمثلة لهما من القرآن الكريم،نعود للتعرف على الإرادة الواردة في آية التطهير،فهل هي إرادة تكوينية،أو أنها إرادة تشريعية؟…

اختار جمع من علماء العامة وكبار مفسريهم أن الإرادة الواردة في الآية الشريفة إرادة تشريعية.

ويرجع اختيارهم لهذا الرأي بناء على ما أفترضوه من كون المخاطب في الآية هن زوجات النبي(ص)،أو ما هو أعم من الزوجات وأهل البيت،وذلك لوقوعها في سياق الآيات التي كانت تحث الزوجات وترغبهن بأعمال معينة وتحدد لهن تكاليفهن تجاه الرسول(ص)،فافترضوا أن التطهير المشار إليه في الآية هو محصلة امتثالهن وقيامهن بما أمرن به.

وعلى هذا يكون الغرض من هذا التشريع في الآية هو تطهير زوجات الرسول(ص)وأهل بيته(ع)وتنـزيههن عن الذنب وعصيان النبي(ص).

ومن الواضح أن هذا التطهير تطهير تشريعي يعقب العمل الذي يقوم به المكلف وفق اختياره ورغبته،لا أنه تطهير تكويني سيتحقق بإرادة الله سبحانه،وبصرف النظر عن فعل ورغبة المكلف.

الرأي الصحيح:

لكن الصحيح عدم تمامية هذا القول المذكور عن هؤلاء،بل الحق هو أن الإرادة الواردة في الآية الشريفة،إرادة تكوينية،ويدلنا على ذلك عدة أدلة:

الأول:إن القاعدة العقلائية المتبعة في المحاورات والخطابات،هي اتباع الظهور،ولذا متى ما أريد ملاحظة معنى كلمة معينة،فإن المرجع هو الظهور النوعي العقلائي.

ولا ترفع اليد عن هذا الظهور إلا مع وجود قرينة صارفة للفظ عن معناه الظاهر فيه،فما لم تكن هناك قرينة مؤدية هذا الغرض،يـبقى اللفظ على حاله من جهة الظهور.

وحينما نتأمل الاية الشريفة نجد أن الإرادة الواردة فيها ظاهرة في الإرادة التكوينية،وذلك لشيوع استعمالها في القرآن الكريم في المعنى التكويني،بحيث يمكننا القول أن المعنى المقابل وهو المعنى التشريعي،لم يستعمل في القرآن الكريم إلا نزراً يسيراً،حيث استعملت فيه في ثلاثة موارد فقط،مقابل استعمالها في الإرادة التكوينية في مائة وخمسة وثلاثين مورداً.

وعليه فلو شككنا في أن استعمالها هنا في أي المعنيـين،فإن المحكم هو الظهور،وهو قاضٍ بحمل اللفظ على ظاهره،نعم لو كان في البين قرينة صارفة له عن ذلك الظهور لحملناه على ما دلت عليه القرينة.

وبالجملة مقتضى الأصل هو كون الإرادة في الاية هي الإرادة التكوينية،لا التشريعية،لغلبة الإستعمال في هذا المعنى كما ذكرنا.

الثاني:لقد تقدم منا عند توضيح الفرق بين الإرادتين،من أن الإرادة التكوينية يـتعلق الفعل فيها بالمريد نفسه،لا بغيره،بينما الإرادة التشريعية تـتعلق الإرادة فيها بفعل الغير.

وحينما نأتي نتأمل آية التطهير نجد أن المريد هو الله سبحانه وتعالى،وأن المراد هو إذهاب الرجس والتطهير،وهما أعني الإذهاب والتطهير في الآية متعلقان بالله،وهما من فعله وعمله،إذ يرجع الضمير في (ليذهب)وفي (يطهركم)إلى الله عز وجل،وهو فاعل هذين الفعلين.

وبناءاً على هذا الأساس لابد أن يقال:إذا تعلقت الإرادة على فعل المريد فهي إرادة تكوينية،ولما كان المريد هنا هو الله تعالى،فهذه الإرادة تكوينية،وليست تشريعية،لأن الإرادة التشريعية تتعلق بفعل الغير،لا بفعل المريد.

استفسار:

قد يقول قائل:إنه لا فرق بين الإرادة الواردة في هذه الآية وبين الإرادة التي وردت في آية الوضوء،مع أنكم حكمتم في آية الوضوء،بكون الإرادة تشريعية،وهنا تحكمون بكون الإرادة تكوينية،والظاهر أنها على نفس الشاكلة،إذ أنه كما أن الإذهاب والتطهير في آية التطهير من فعل المريد وهو الله،فكذلك في آية الوضوء،لأن فاعل(ليطهركم)ضمير يعود إلى الله تعالى.

والجواب:

لا ريب من أحد في أن الله سبحانه وتعالى في آية الطهارة في مقام تشريع ووضع قوانين الطهارات الثلاث،واشتراطها في الصلاة.

هذا ويقتضي التناسب في الوضع والتقنين،أن يكون المقصود من التطهير هو رفع وإزالة القذارات العالقة أو الخارجة من جسم الإنسان،وما يتبعها من بلوغ الطهارة الواقعية والمعنوية،ومن الواضح،بل البديهي أن إزالة هذه القذارات ورفع تلك النجاسات هو فعل الإنسان المكلف لا فعل الله تعالى.

ومن قرينة صدر الآية يتضح أن غرض الله سبحانه هو سن ووضع قانون الطهارة حتى يتمكن الناس ويعرفوا كيفية تطهير أجسامهم وإزالة القذارات عن أبدانهم،وبهذا نعلم أن إرادته سبحانه ليست سوى تشريع هذا القانون،مما يعني أن هذه إرادة تشريعية كما سبق وذكرنا،فتكون مختلفة عن الإرادة الواردة في آية التطهير بشكل واضح.

الدليل الثالث:إن المتأمل في الايات محل البحث الواردة في زوجات النبي(ص)وآية التطهير النازلة في خصوص الخمسة،يجد أن آيات زوجات النبي(ص)قد اشتملت على الإرادة التكوينية،لكنها الإرادة التكوينية البشرية،وهذه تعتبر قرينة تؤكد كون الإرادة في آية التطهير تكوينية،لأنها تكون من نفس الإرادة التي وردت الآيات التي سبقتها ومن نفس النوع،نعم هي تختلف عنها من جهة أن تلك إرادة بشرية،والإرادة التكوينية في آية التطهير إلهية،فالمريد في آية التطهير هو الله تعالى،بينما المريد هناك هن نساء النبي(ص).

الدليل الرابع:يتفق جميع المسلمين سواء القائلين بأن الإرادة في آية التطهير تشريعية،أم القائلين بأنها تكوينية،بأن آية التطهير تشكل امتيازاً وخصوصية،كما أنها تعتبر تشريفاً ونوعاً من التفوق والفضل لأهل البيت(ع).

ومع قولنا بأن الإرادة في الآية تشريعية،يلزم من ذلك تحديد القوانين التي وضعها الشارع المقدس في هذه الآية؟…

فهل هي قوانين غير الحث على طاعة النبي(ص)والتوجه للآخرة،والإهتمام بها،والإعراض عن الدنيا،وعدم ارتكاب الفواحش والمعاصي؟…

وهل هذه التكاليف تشكل برنامجاً لأهل البيت(ع)ونساء النبي(ص)خاصة،أو أنها أحكام وتشريعات تشمل كافة المسلمين والمسلمات؟…

فإن قيل بكونها عامة تشمل كافة المسلمين والمسلمات،فأين التكريم والتشريف إذن؟…وأين التفوق والفضل؟…

فمن يقول بكون الإرادة في الاية تشريعية،عليه أن يلتـزم بمخالفة إجماع المفسرين واتفاق العلماء على أن في الاية خصوصية وفضيلة ما لأهل البيت(ع).

والنـتيجة أن حمل الإرادة في الاية على كونها إرادة تشريعية،يلغي أية مزية وخصوصية لأهل البيت(ع)،لأنه يعود شأنهم كشأن غيرهم من التكليف بالأحكام السابقة التي ثبت وجوبها على الجميع.

——————————————————————————–

[1] سورة الحج الآية رقم 14.

[2] سورة يس الآية رقم 82.

[3] سورة الصف الآية رقم 8.

[4] سورة المائدة الاية رقم 37.

[5] سورة المائدة الآية رقم 6.

[6] سورة البقرة الاية رقم 185.