18 يناير,2019

مسؤولية يزيد عن قتل الحسين بن علي(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

الدليل الثاني: النصوص الدالة على تعلق إرادة يزيد بقتل الحسين:

هناك عدة نصوص دلت على تعلق إرادة يزيد بقتل الإمام الحسين(ع) إذا لم يـبايع، حتى لو لم يقاتله الإمام(ع)، وإليك بعض تلك النصوص:

النص الأول: ذكر المؤرخون أنه حينما مات معاوية وتسلم يزيد مقاليد الحكم كان شغله الشاغل هو بيعة الإمام الحسين(ع) ومجموعة من الشخصيات.

ومبرر هذا الاهتمام واضح لمن له أدنى إطلاع على ملابسات الأحداث إبّان حكم معاوية بعد صلحه للإمام الحسن(ع).

ونكتفي في المقام بذكر النصوص المعبرة عن هذا الاهتمام البالغ، وما هي السياسة التي عزم يزيد على ممارستها إذا رفض الحسين بن علي(ع) البيعة.

في تأريخ اليعقوبي أن يزيد: كتب إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو عامل المدينة، إذا أتاك كتابي هذا فأحضر الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث لي برؤسهما، وخذ الناس بالبيعة فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، والسلام[o1] .

ولا يخفى صراحة هذا النص في أن السياسة التي رسا عليها يزيد بن معاوية تجاه الإمام الحسين(ع) هي التصفية الجسدية، إذا لم يـبايع، وإن الوليد ليس له خيار آخر، فإما أن يـبايع الإمام(ع) ، وإما أن يقتل.

إشكالان وجوابهما:

وهنا قد يورد إشكالان على هذا النص:

الأول: إن بعض المؤرخين لم يذكر في المكاتبة التي أرسلها يزيد إلى الوليد الأمر بالقتل، وكل ما ذكر فيها هو الأمر بأخذ البيعة من الحسين، وجمع من الشخصيات، فقد ذكر الطبري مثلاً: وكتب إليه- أي إلى الوليد-في صحيفة كأنها إذن فأرة، أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليس فيه رخصة حتى يـبايعوا، والسلام[o2] .

والجواب عن هذا الإيراد، أولاً: بأنه لا منافاة بين النصين، إذ أن النص الذي نقله الطبري لم يشتمل على المنع من قتل الحسين(ع) إذا لم يـبايع، غايته أنه لم يذكر أن يزيد قد أمر الوليد بالقتل في حال عدم البيعة، وهذا لا ينفي وجود الأمر بذلك، وذلك لما ثبت في علم الأصول من أنه لا تعارض بين الخبرين إذا كان أحدهما مشتملاً على الزيادة وكان الآخر ساكتاً عنها، كما أن من الثابت في علم الأصول أن المقدم في مثل هذه الحالة هو الخبر المشتمل على الزيادة الغير المنافية للخبر الساكت عنها.

ثانياً: أنه ما معنى الأخذ الشديد الذي أمر به يزيد بحسب ما جاء في نص الطبري، هناك عدة احتمالات لهذا الأمر:

أولها: أن المراد من الأخذ الشديد هو أن يغلظ لهم القول، ويلح عليهم بالبيعة دون أن يرتب على عدم البيعة أي إجراء عملي.

وهذا مستبعد جداً، لأنه ما هو الملزم حينئذٍ للحسين(ع) بقبول البيعة والرضوخ لإصرار الوليد بعد أن لم يكن التغليظ القولي مستـتبعاً لأي إجراء عملي يستوجب الضغط على الحسين(ع)، وبالتالي قبول البيعة.

ومع عدم قبول الإمام(ع) للبيعة باعتبار عدم وجود الضاغط الموجب للقبول يكون الغرض من الأمر بالبيعة منـتفياً وغير متحقق، وهذا ما ينافي إرادة يزيد الشديدة في أن يـبايع الحسين(ع).

ومن الواضح أن الذي لديه إرادة شديدة بشيء لا يتوسل بوسيلة لا تحقق تلك الإرادة، بل لابد أن تكون الوسيلة متناسبة مع حجم الإرادة وطبيعتها، خصوصاً وأن يزيد يعلم أن الحسين(ع) كان رافضاً للبيعة وأن معاوية نفسه لم يتمكن من إرغام الحسين على قبول العهد ليـزيد كما جاء ذلك في كتب التأريخ[o3] .

فكل ذلك يوضح سقوط هذا الاحتمال، وأن يزيد لم يرد هذا المعنى من قوله، بحسب نقل الطبري: أما بعد فخذ حسيناً …..بالبيعة أخذاً شديداً.

ثانيها: أن يكون المراد من المر بالأخذ الشديد، هو أن يمارس الوليد مع الإمام الحسين(ع) ضغوطاً لا تصل حد القتل.

وهذا الاحتمال كسابقه أيضاً في السقوط، وذلك لأن الضغوط التي لا تصل حد القتل لا تعدو عن أحد هذه الوسائل التي يمكن أن يتوسل بها الوليد في مقام إنفاذ أمر يزيد. فهي إما مصادرة أموال الإمام(ع)، وهذا وإن كان يمثل ضغطاً، إلا أن ذلك لا يحسم المشكلة، بل يؤكدها، إذ أن مثل الحسين(ع) كما هو واضح من ملاحظة سيرته، لا يرضخ لمجرد هذا الضغط، وأن يزيد من أكثر الناس إطلاعاً على إباء الإمام(ع) وسمو نفسه.

على أن هذا النحو من الإجراء لم يكن مألوفاً، فمن البعيد أن يخطر في ذهن الوليد هذا المعنى.

أو أن يقوم الوليد بحبس الإمام الحسين(ع)كنوع من الضغط عليه، وهذا ما لا يمكن أن يقبله الهاشميون، وهم عشيرة الحسين(ع)، بل لا تقبله الأعراف السائدة آنذاك، إذ أن مكانة الحسين(ع) الاجتماعية والدينية تأبى ذلك.

وبهذا تظل المشكلة ثابتة، وغير محسومة، فلا يكون الغرض الأموي حينئذٍ متحققاً، وهكذا الحال لو فرض على الحسين(ع) الإقامة الجبرية، فإن المشكلة لا تحسم بذلك، وهذا ما يتنافى مع الغرض الأموي.

أو أن يستخدم الوليد أسلوباً آخر للضغط على الإمام الحسين(ع) من خلاله، وهو نفيه(ع) من المدينة.

وهذا من أضعف الاحتمالات التي يمكن أن تخطر في ذهن الوليد، إذ أن ذلك يعقد المشكلة أكثر، إذ يـبقى الحسين(ع) رافضاً للبيعة، ويـبقى النظام الأموي متوجساً من وجوده وموقعه، وما يمكن أن يتمخض عنه من تبعات.

والذي يؤكد ذلك هو حرص الوليد على عدم خروج الحسين من المدينة، ولذلك كان خروجه منها سراً.

ومن خلال ما ذكرنا يتضح أن الضغوط المتصورة غير حاسمة للمشكلة، بل قد تعقدها، إذ تظل قضية الإمام الحسين(ع) عالقة وقد تضفي عليها الأيام تعقيداً وحينها يكون حسمها مستعصياً، واتخذا خيار القتل وإن كان خياراً صعباً إلا أنه أيسر من وجود الحسين(ع) وإبائه البيعة، إذ أن ذلك ينذر بثورة قد لا يكون علاجها ميسوراً.

على أن يزيد حينما أمر الوليد بالأخذ الشديد لم يطلب من الوليد مراجعته في حين أن كل الضغوط قد لا تنـتج النـتيجة المطلوبة، وهي مبايعة الحسين(ع) ليزيد مما يعبر عن أن يزيد قد أعطى الوليد الصلاحية في اتخذا كل الخيارات بما فيها القتل، وإلا لأمره بالمراجعة حينما تفشل كل الضغوط.

فعدم أمره بالمراجعة يعبر عن أن يزيد قد حسم القضية، على أن يزيد لو كان متجافياً عن قتل الحسين(ع) حين رفض البيعة كان عليه أن يـبين للوليد الإجراء الذي يلزمه اتخاذه حين رفض الحسين للبيعة.

ثالثها: من الأمر بالأخذ، هو إعطاء الصلاحية الكاملة للوليد بأن تمارس مع الحسين تمام الخيارات حين رفضه للبيعة بما في ذلك القتل.

وهذا الاحتمال هو الاحتمال المتعين بعد سقوط الاحتمالين الأولين، ويمكن إبراز مجموعة من القرائن والمؤيدات على تعين هذا الاحتمال:

القرينة الأولى: هو أن مروان بن الحكم حينما أمر الوليد بقتل الحسين(ع) إذا رفض البيعة لم يعتذر إليه الوليد بأن ذلك ينافي ما أمر به يزيد، ولم يعتذر إليه الوليد بأن يزيد لم يأمر بذلك، بل اعتذر إليه بأن قتل الحسين(ع) حرام، وغير جائز شرعاً. وقد نقل غير واحد من المؤرخين نص الحوار الذي دار بينهما[o4] .

ويستفاد من هذا الحوار الدائر بينهما، أن خيار القتل لم يكن أمراً مستثنى من الأمر بالأخذ الشديد الذي أصدره يزيد، وهذا هو الفهم الذي فهمه الوليد ومروان من خطاب يزيد، وهما أعرف الناس بملابسات القضية وما تنطوي عليه شخصية يزيد.

القرينة الثانية: إن خيار القتل حال رفض البيعة، هو الذي تبادر إلى ذهن الحسين(ع) وعبد الله بن الزبير، حينما دعاهما الوليد.

وهذا ما يعبر عن أن الخيارات الأخرى موهومة، وأن طبيعة القضية وطبيعة السياسة الأموية تقتضيان تعين هذا الخيار دون غيره، ففي تاريخ الطبري:

فأرسل- أي الوليد-عبد الله بن عمرو بن عثمان……إليهما فوجدهما في المسجد وهما جالسان فأتاهما في ساعة، لم يكن الوليد يجلس فيها للناس، فقال: أجيـبا، الأمير يدعوكما، فقالا له: انصرف الآن نأتيه، ثم أقبل أحدهما على الآخر، فقال عبد الله بن الزبير للحسين: ظن فيما تراه بعث إلينا في هذه الساعة، فقال حسين: قد ظننت أرى طاغيتهم قد هلك، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشوا في الناس الخبر، فقال: وأنا ما أظن غيره.

قال: فما تريد أن تصنع، قال: أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه، فإذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثم دخلت عليه، قال: فإني أخاف عليك إذا دخلت، قال: لا آتيه إلا وأنا على الامتناع قادر، فقام فجمع إليه مواليه وأهل بيته، ثم أقبل يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد، وقال لأصحابه إني داخل فإني دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا عليّ بأجمعكم وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم[o5] .

فهذا النص يوضح أن الحسين، وكذلك ابن الزبير يعرفان أنه لا خيار ثالث إما البيعة أو القتل، ولذلك نجد أن الحسين(ع) قال للزبير: لا آتيه إلا وأنا على الامتناع قادر، وجمع فتيانه وذهب معهم إلى بيت الوليد، وأمرهم بالاقتحام بمجرد دعوتهم أو سماع صوت الوليد قد ارتفع، وهذا الاحتراز والحيطة لا مبرر له سوى معرفة الحسين أن خيار القتل هو الخيار المتعين في حال رفض البيعة، وهذا الهاجس كان متبلوراً في ذهن ابن الزبير أيضاً كما يعبر عنه قوله: فإني أخاف عليك إذا دخلت عليه، وقد أكد الحسين(ع) هذا الهاجس بجوابه، لابن الزبير والذي تقدم نقله.

ثم إن هذا الهاجس كان مستقراً في نفس ابن الزبير، فلذلك لم يذهب إلى الوليد، بل تحرز بأصحابه، ثم خرج بعد ذلك من المدينة سراً، وذهب إلى مكة المكرمة، وحينما دخلها قال: إني عائذ.

وجاء في تاريخ الطبري: وأما ابن الزبير فقال الآن آتيكم، ثم أتى داره فكمن فيها فبعث إليه الوليد، فوجده مجتمعاً في أصحابه متحرزاً فالح عليه بكثرة الرسل…فقال:لا تعجلوني، فإني آتيكم….فشتموه وصاحوا به يا ابن الكاهلية، والله لتأتين الأمير أو ليقتلنك….وخرج ابن الزبير من تحت الليل فأخذ طريق الفرع….وتجنب الطريق الأعظم مخافة الطلب وتوجه نحو مكة….ومضى ابن الزبير حتى أتى مكة، وعليها عمرو بن سعيد، فما دخل مكة قال: إنما أنا عائذ..[o6] .

ومما ذكرناه يتضح أن خيار القتل هو المتبادر في حال رفض البيعة، ويمكن تأكيد ما ذكرناه بما نقله الطبري عن أبي مخنف، قال: وحدثني عبد الملك بن نوفل عن أبي سعد المقبري قال:::: نظرت إلى الحسين داخلاً مسجد المدينة وهو يتمثل بقول ابن مفرّغ:

لا ذعرت السوام في فلق الصبح ولا دعيت يزيدا

يوم أعطي من المهابة ضيماً والمنايا يرصدنني أن أحيدا

وكذلك يمكن تأكيده بقول الإمام الحسين(ع) حينما خرج من المدينة سراً، فكان يقرأ قوله تعالى:- ( فخرج منها خائفاً يترقب)[o7] .[o8]

القرينة الثالثة على تعيـين الاحتمال الثالث: أن يزيد قد عزل الوليد بن عتبة عن المدينة في شهر رمضان[o9] من نفس السنة التي تولى فيها مقاليد الحكم، أي لم يمض على إقراره[o10] على الولاية من قبل يزيد أكثر من شهرين، حيث أن يزيد تولى مقاليد الحكم في نهاية رجب، وقد ورد في كتب التاريخ بما فيهم الطبري، أن يزيد قد أقرّ جميع ولاة أبيه معاوية على مناصبهم، فيا ترى ما هو منشأ ذلك؟…

إن من المحتمل قريـباً جداً، أن يكون منشأ العزل، هو نفسه المنشأ الذي دعا يزيد إلى عزل النعمان بن بشير عن الكوفة، حيث عرفت فيما تقدم أن السبب هو قضية الإمام الحسين(ع).

ومن الملاحظ أن الاعتذار الذي اعتذر به النعمان عن التصدي لقضية الإمام الحسين(ع) هو نفسه الاعتذار الذي اعتذر به الوليد، وهو أن مواجهة الإمام الحسين(ع) وقتله منافٍ للدين.

فالإنصاف أن منشأ عزل الوليد، إنما هو قضية الحسين(ع)، وإلا كيف تسنى ليزيد بهذه السرعة أن يطلع على عدم أهلية هذا الوالي المنّصب من قبل أبيه، وخلال هذه الفترة الزمنية القصيرة.

ويؤكد هذا الذي ذكرناه، بل يدل عليه، ضم ولاية المدينة إلى عمرو بن سعيد الأشدق مضافاً إلى ولايته على مكة، وهو الذي تـتوافق سريرته مع سريرة يزيد، وهو نفس الوسام الذي أعطاه من قبل لعبيد الله بن زياد كما عرفنا سابقاً.

والنـتيجة التي نصل إليها من هذا كله، أنه لا منافاة بين ما نقله اليعقوبي، وبين ما نقله الطبري، بل إن النقلين بينهما تمام الموائمة.

الإشكال الثاني على نص اليعقوبي وهو: أنه لو كان يزيد قد أمر الوليد بقتل الحسين(ع) إذا لم يـبايع، فلماذا لم يحتج عليه مروان بذلك، ولماذا قال له عندما لم يقتل الحسين(ع) حين رفض البيعة: عصيتني، ولم يقل عصيت يزيد، فلو كان يزيد قد أمر الوليد حقاً بقتل الحسين لكان المناسب أن يحتج مروان على الوليد بأن عدم قتل الحسين(ع) يخالف أمر يزيد.

والجواب عن هذا الإشكال: أن المقصود من قول مروان للوليد:عصيتني، هو أن الوليد لم يـبادر في قتل الإمام الحسين(ع) حين رفض البيعة وقبل أن يفشو موت معاوية ويأخذ الحسين(ع) لنفسه الحيطة والحذر.

وهذا المقدار لم يرد في رسالة يزيد إلى الوليد، ولذلك لا يمكن لمروان أن ينسب معصية الوليد إلى يزيد، إذ أن يزيد لم يأمر بهذه الكيفية الخاصة التي اقترحها مروان.

ومن هنا ناسب أن يقول مروان: عصيتني، ولأجل اتضاح ما ذكرناه، ننقل نص الحوار الذي دار بينهما كما جاء في الطبري:

فلما عظم على الوليد هلاك معاوية وما أمر به من أخذ هؤلاء الرهط بالبيعة فزع عند ذلك إلى مروان ودعاه فلما قرأ عليه كتاب يزيد….وقال: كيف ترى نصنع، قال: فإني أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة، فإن فعلوا قبلت منهم، وكففت عنهم، وإن أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم قبل يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموت معاوية وثب كل امرئ منهم في جانب وأظهر الخلاف والمنابذة. ثم إنه لما جاء الحسين إلى الوليد وأبا أن يـبايع قال مروان للوليد: والله لئن فارقك الساعة ولم يـبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يـبايع، أو تضرب عنقه. ثم لما خرج الحسين من مجلس الوليد، قال مروان للوليد: عصيتني، لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبداً[o11] .

ويظهر من سياق النص أن مراد مروان من قوله: عصيتني، هو أنك عصيتني في استـثمار هذه الفرصة، والذي يدل على ذلك أنه قال بعد قوله عصيتني: لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه.

وبالتأمل في النص الذي نقلناه عن الطبري يتضح أن مروان لم يخطر في باله أن الوليد لن يمتـثل أمر يزيد في قتل الحسين(ع)، فمروان حينما اقترح على الوليد بأن يقتل الحسين في أول فرصة سانحة، وقبل أن ينتشر خبر هلاك معاوية، فيأخذ الحسين(ع) لنفسه الحيطة والحذر، لم يـبدِ له الوليد أي معارضة، بل بادر في دعوة الحسين(ع) في ساعة لم يكن يجلس فيها للناس، وكأنه استجاب لمقترح مروان.

وحتى بعدما جرت المشادة الكلامية بين مروان والإمام الحسين(ع) في مجلس الوليد، لم يظهر على الوليد ما يكشف عن أنه متجافٍ عن قتل الحسين(ع) بنحو مطلق.

ومن هنا لا مبرر لأن يقول مروان أنك عصيت أمر يزيد، نعم هو عصى أمر مروان حيث لم يستثمر هذه الفرصة السانحة.

إن قلت: إن مروان قد اطلع بعد ذلك على أن الوليد لن يقتل الإمام الحسين(ع)، وبالتالي لن يمتثل أمر يزيد.

قلت: إن مروان إنما اطلع على ذلك بعد أن اعتذر الوليد عن قتل الحسين(ع) بأن ذلك غير جائز شرعاً، وحينئذٍ لا مجال لأن يجيـبه مروان بأن ذلك مخالف لأمر يزيد بعد أن اعتذر الوليد عن قتل الحسين(ع) بأنه مخالف لأمر الله جل وعلا، ولذلك سكت مروان وهو غير حامد، فقد جاء في تاريخ الطبري:

فقال مروان للوليد: عصيتني، لا والله لا يمكنك من مثله من نفسه أبداً، قال الوليد: وبخ غيرك يا مروان إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها، وإني قتلت حسيناً، سبحان الله أقتل حسيناً إن قال لا أبايع، والله إني لأظن امرءاً يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة، فقال مروان: فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت، يقول هذا له وهو غير الحامد له على رأيه[o12] .

فنرى هنا أن مروان قد استحى من جواب الوليد، فأظهر خلاف ما يـبطن، وحينئذٍ فلا مجال لأن يقول للوليد أنك خالفت أمر يزيد، إذ أن جواب الوليد كان حاسماً، وأن الرد عليه بأن ذلك مخالف لأمر يزيد يعني الخروج عن الدين، وهذا ما لا يسع مروان إظهاره، ولذلك أحجم عن الجواب، وهو غير حامد.

النص الثاني: ما ذكره الطبري عن بعض الرواة، قال: سمعت الحسين بن علي وهو بمكة، وهو واقف مع عبد الله بن الزبير…ثم التفت إلينا الحسين، فقال: أتدرون ما يقول ابن الزبير، فقلنا: لا ندري جعلنا الله فداك، فقال: قال: أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس، ثم قال الحسين(ع): والله لأن أقتل خارجاً منها بشبر أحب إليّ من أن أقتل داخلاً منها بشبر وأيم الله لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لأستخرجوني حتى يقضوا فيّ حاجتهم، والله ليعتدن عليّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت[o13] .

ويلاحظ من هذه النص الصراحة في أن الحسين(ع) كان عارفاً بما انطوت عليه الدولة الأموية، والتي على رأسها يزيد بن معاوية، وإن إرادتهم قد تعلقت بقتل الحسين(ع) حتى لو اختبأ في جحر هامة، وهو أبلغ تعبير عن مدى الإرادة الشديدة التي تنطوي عليها نفوس بني أمية وأنهم لا يتركونه وشأنه حتى ولو يخرج بالثورة عليهم، فمبرر عزمهم على قتله ليس أكثر من عدم البيعة ليـزيد.

ولذلك تجد أن الحسين(ع) أقسم بأن قتله حتمي وليس الخروج بالثورة على يزيد هو المبرر الوحيد لاستحلال دمه، ولذلك قال(ع) أنه عازم على الخروج حتى لا تهتك بقتله حرمة بيت الله الحرام، فهو يأبى أن يكون الكبش الذي يستباح به بيت الله الحرام، ولذلك فضل أن يقتل خارج الحرم ولو بشبر.

ومن الواضح أن هذا الجزم عند الإمام(ع) والذي كشف عنه بقسمه المتكرر لم ينشأ جزافاً، فهو صاحب القضية، ولذلك يكون أعرف الناس بملابساتها، ولا يناسب شأن الحسين(ع) ومقامه الديني أن ينسب إلى يزيد وإلى بني أمية شيئاً بغير علم.

——————————————————————————–

[o1]تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 241.

[o2]تاريخ الطبري ج 4 ص 250.

[o3]لاحظ تاريخ الطبري ج 4 ص 250، الكامل في التاريخ ج 3 ص 263، الامامة والسياسة ج 1 ص 189، كتاب الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 236-237-241.

[o4]تاريخ الطبري ج 4 ص 251، الكامل في التاريخ ج 3 ص 264، البداية والنهاية ج 8 ص 157-158.

[o5]تاريخ الطبري ج 4 ص 251، الكامل في التاريخ ج 3 ص 264، البداية والنهاية ج 8 ص 157-158.

[o6]تاريخ الطبري ج 4 ص 252-254.

[o7]سورة القصص الاية رقم 21.

[o8]تاريخ الطبري ج 4 ص 254، الكامل في التاريخ ج 3 ص 265، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 214، مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 272.

[o9]تاريخ الطبري ج 4 ص 254، الكامل في التاريخ ج 3 ص 265، الامامة والسياسة ج 2 ص 4، البداية والنهاية ج 8 ص 158.

[o10]تاريخ الطبري ج 4 ص 250.

[o11]تاريخ الطبري ج 4 ص 251،252، الكامل في التاريخ ج 3 ص 264، البداية والنهاية ج 8 ص 157-158.

[o12]تاريخ الطبري ج 4 ص 252، الكامل في التاريخ ج 3 ص 264.

[o13]تاريخ الطبري ج 4 ص 289، الكامل في التاريخ ج 3 ص 276، أنساب الأشراف للبلاذري ج 3 ص 375.