18 يناير,2019

مسؤولية يزيد عن قتل الحسين بن علي(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

تـتجدد الذكرى المؤلمة لواقعة الطف الأليمة، ويتجدد معها ذكر مجموعة من الشخصيات، التي سطرت أسمائها في التأريخ، فهذا المعسكر الحسيني، قد سطر أبطاله أسمائهم في التأريخ، وحفروها بالذهب، وهناك وقف المعسكر الأموي، ليسطر أفراده أسمائهم، لكن بالذل والعار والخزي والشنار. فشتان بين المعسكرين.

وبتجدد هذا الحدث، وعود هذه الذكرى، يتجدد ذكر شخصيتين، ارتبطتا به، وهما شخصية الحسين بن علي بن أبي طالب(ع)، وهو الإمام المعصوم، والسبط الثاني للمصطفى محمد(ص)، ويزيد بن معاوية، شارب الخمر، الفاسق الفاجر، حفيد أبي سفيان، وابن ميسون، وهند، وكفى به أن يكون أبوه معاوية.

وهاتان الشخصيتان، عندما تذكران، ويتكرر ذكرهما، تذكران أيضاً على طرفي نقيض، فيذكر أبو عبد الله(ع) على أنه بطل باسل، وصاحب حمى وغيرة، وأنه أبي الضيم، بينما يذكر يزيد على أنه فتاك غدار، لم يعرف لله ولا لرسوله ولا لأوليائه إلاً ولا حرمة.

شبهة أم دفاع:

وبتجدد هذه المناسبة الاليمة، تطلع علينا بين الفينة والأخرى مجموعة من الأبواق المستأجرة، التي تسعى إلى تبرئة يزيد بن معاوية من مسؤولية قتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب(ع).

ولست هنا بصدد الحديث عن الشخصية الحقيقية ليزيد بن معاوية، بل سأحاول أن أجيب عن هذه الشبهة، التي صارت تـثار بين فينة وأخرى، وصار يطلع علينا بها بين حين وآخر شخص رافعاً عقيرته.

وحاصل الشبهة المذكورة هو: إن المسؤول عن قتل الحسين بن علي بن أبي طالب(ع)، إنما هو عبيد الله بن زياد، فهو الذي حرض على قتل الحسين وعبأ لذلك جيشاً دون إيعاز من يزيد، بل إن يزيد قد غضب على ابن زياد حينما سمع بقتله للحسين بن علي(ع).

ويمكن تعضيد ذلك من خلال عدم إطلاع يزيد على مجريات الأحداث، وما الذي عزم عليه ابن زياد، وذلك لبعد الفاصلة بين الشام، التي كانت تمثل العاصمة الأموية، وبين الكوفة، وعدم وجود الرسائل الموجبة للتعرف يوماً بيوم، على ما يحدث في الحاضرة الإسلامية المترامية الأطراف.

الأدلة المثبتة لخلاف ذلك:

كان ما ذكرناه، يمثل أقصى ما يمكن ذكره لتبرئة ساحة يزيد من عملية قتل الإمام الحسين(ع).

لكن الذي يقرأ التأريخ، ويلحظ أوراقه يجد الأمر على خلاف ذلك، إذ يجد أن أول يد قد تلوثت بدم ابن بنت رسول الله(ص) هي دم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ويمكننا أن نقيم على ذلك عدة أدلة، تثبت تورط يزيد في قتل الإمام الحسين(ع).

الدليل الأول: تنصيب عبيد الله بن زياد:

إن التاريخ يحدثنا عن أن عبيد الله بن زياد كان والياً على البصرة أيام معاوية فحسب، وقد ذكر المؤرخون أن يزيد كان واجداً عليه، حتى هم بعزله عن ولايتها. لكن التأريخ ينقل لنا بعد ذلك أن يزيد قد ضم إلى ولاية عبيد الله مضافاً إلى البصرة، ولاية الكوفة، بحيث صار والياً على العراقيـين.

وهذا يستدعي طرح سؤال، وهو: ما هو المنشأ لتنصيب يزيد عبيد الله والياً على الكوفة؟…

وعند الإجابة، لا نرى إلا جواباً واحداً نص عليه المؤرخون، وهو قضية الإمام الحسين(ع)بعد أن أبى البيعة وسافر إلى مكة المكرمة، وبعد أن كاتبه أهل الكوفة يسألونه الخروج على يزيد بن معاوية، فتناهى ذلك لمسامع يزيد بأن الكوفة تـتهيأ للثورة على الخلافة الأموية بقيادة الحسين(ع) وأن النعمان بن بشير وهو والي الكوفة آنذاك، ضعيف أو يتضاعف، فعندها أرسل ابن زياد ضاماً إليه ولاية الكوفة مضافاً إلى ولايته على البصرة، ليضرب على أيدي الناس بيدٍ من حديد.

ويشير لهذا الذي ذكرناه، ما ذكره الطبري في تأريخه، فإنه بعدما ذكر أن اثني عشر ألفاً من أهل الكوفة قد بايعوا مسلم بن عقيل رسول الحسين(ع)، قال: قام رجل ممن يهوى يزيد بن معاوية إلى النعمان بن بشير، فقال له: إنك رجل ضعيف أو متضعف، قد فسد البلاد. فقال له النعمان: إن أكون ضعيفاً وأنا في طاعة الله أحب إلي من أن أكون قوياً في معصية الله، وما كنت لأهتك ستراً ستره الله.

فكتب بقول النعمان إلى يزيد، فدعى يزيد مولى له يقال له سرجون، وكان يستشيره، فأخبره الخبر، فقال له: أكنت قابلاً من معاوية لو كان حياً، قال: نعم، فاقبل مني فإنه ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد، فولاها إياه، وكان يزيد عليه ساخطاً، وكان همّ بعزله عن البصرة، فكتب إليه برضائه وأنه ولاه الكوفة مع البصرة، وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده[o1] .

إن هذا النص التأريخي يوضح أن منشأ تنصيب يزيد لعبيد الله بن زياد على الكوفة، إنما هو قضية الحسين(ع)، ولولا ذلك لما كان يزيد يقدم على مثل ذلك، خصوصاً وأنه قد كان واجداً عليه، وهمّ بعـزله، مما يكشف لنا بوضوح، أن هذا التنصيب كان لأجل أن يتصدى ابن زياد لهذه المشكلة الخطيرة.

على من تلقى المسؤولية:

وهذا يجرنا إلى فرض احتمالات، يمكننا بعد دراستها، أن نستكشف مدى مسؤولية يزيد في هذا الموضوع الخطير، وهل صحيح أن عبيد الله بن زياد قام بهذا العمل الإجرامي الكبير مستقلاً برأيه دونما مشورة منه ليزيد، ودون إذن له في ذلك.

الاحتمال الأول:

أن يكون يزيد بن معاوية قد فوض لعبيد الله وأعطاه صلاحية الممارسة لتمام الخيارات، والتي منها قتل الإمام الحسين(ع) إذا ارتأى ذلك.

ومن الواضح أنه بناءاً على هذا الاحتمال بعد رفع اليد عن بعده، إلا أنه لا يبرئ ساحة يزيد، ويخليها عن المسؤولية، وذلك لأنه لا يخفى على يزيد أن أحد الخيارات التي ربما تبناها ابن زياد هي قتل الإمام الحسين(ع)، بل لعل هذا الخيار هو أقرب الخيارات، بملاحظة أن الحسين(ع) قد شرع في الثورة، وأن محاربته قد تستوجب قتله، خصوصاً بعد أن صار بقائه يشكل خطراً على دولة بني أمية.

وهذا يعني أنه لو كان يزيد منـزهاً عن دم الحسين(ع) لكان عليه أن ينبه عبيد الله بن زياد، ويمنعه عن اللجوء إلى هذا الخيار، في حين أن التأريخ لم يحدثنا عن شيء من ذلك، بل لا نجد له أثراً، وإنما الموجود على عكس ذلك.

الاحتمال الثاني:

أن يكون قد أمره بالمراجعة إليه واستشارته في خصوص الأمور الخطيرة، والتي تكون تبعاتها بالغة الأهمية.

ومع كون هذا الاحتمال هو الاحتمال المتعين، فإنه يثبت الإدانة ليزيد، لا أنه ينفيها عنه، وذلك لأن ابن زياد لو امتـثل واستشار يزيد في الأمور الخطيرة، فليس شيء أخطر من قتل الإمام(ع) والذي ليس له سابقة في الإسلام، وهل يخفى على ابن زياد ما يترتب على مثل هذا العمل من مضاعفات، خصوصاً وهو مطلع على موقعه الديني والاجتماعي!!!

فمن المحتم أن لا يستقل ابن زياد بهذا الإجراء الخطير، وحينئذٍ إن كان ابن زياد قد استشار يزيد في قتل المولى الحسين(ع)، فأمضى يزيد ذلك، فقد ثبتت شراكة يزيد في قتل الإمام(ع). وإن لم يكن قد أمضاه على ذلك، لكن ابن زياد قد استقل بذلك الفعل، وأن يزيد قد غضب منه بعد قيامه بهذا العمل الشنيع، كما يزعمون، فهذا ما لا نجد عليه دليلاً من التأريخ، بل الدليل على خلافه، إذ ما معنى أن يغضب يزيد على ابن زياد، والحال أنه قد أقره على الولاية، ولم يعزله عنها[o2] . مع أن ذلك هو أدنى ما ينبغي عمله من قبله، وقد أقدم على مثل هذه العملية الإجرامية، والوحشية.

الاحتمال الثالث:

أن يكون يزيد قد أمر ابن زياد بأخذ الحيطة والحذر، على أن يستشيره في كل صغيرة وكبيرة، وأن يـبعث إليه بتفاصيل الأخبار.

والظاهر أن هذا الاحتمال هو المناسب للاعتبارات العقلائية، بعد الإلتفات إلى خطورة هذه القضية وما يترتب عليها من تبعات، فالمطمئن به أن يزيد حين ولى ابن زياد على الكوفة أمره بأن يستشيره في كل ما يتصل بقضية الإمام الحسين(ع)، وأن يـبعث إليه بتفاصيل الأخبار، وهذا المعنى يؤكده التاريخ، فقد جاء في تأريخ الطبري: إن عبيد الله بن زياد لما قتل مسلماً وهانئاً بعث برؤسهما مع هانئ بن أبي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي إلى يزيد بن معاوية وأمر كاتبه أن يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من مسلم وهانئ…….اكتب أما بعد:

فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه وكفاه مؤنة عدوه، أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن مسلماً بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي، وإني جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حتى استخرجتهما وأمكن الله منهما، فقدمتهما وضربت أعناقهما، وقد بعثت إليك برؤسهما مع هانئ بن أبي حية الهمداني والزبير بن الروح التميمي، هما من أهل السمع والطاعة والنصيحة، فليسألهما أمير المؤمنين عما أحب من أمر، فإن عندهما علماً وصدقاً وورعاً، والسلام.

فكتب إليه يزيد: أما بعد فإنك لم تعد أن كنت كما أحب، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، فقد أغنيت وكفيت، وصدقت ظني بك ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت فاستوص بهما خيراً.

وأنه قد بلغني أن الحسين بن علي قد توجه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح واحترس على الظن وخذ التهمة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إليّ في كل ما يحدث من الخبر والسلام عليك ورحمة الله وبركاته[o3] .

وقد عين هذا النص التاريخي الاحتمال الثالث، وأن يزيد لم يفوض الأمر إلى عبيد الله بن زياد، بل أمره بأن يكتب إليه عن شأن الحسين(ع): بكل ما يحدث، ومن الواضح أن ذلك ليس لغرض التعرف على الأخبار فحسب، وإنما لغرض التصدي لمعالجتها كما هو شأن كل من هو في موقع يزيد.

وقد كان ابن زياد على دراية بأنه ليس مفوضاً إليه الأمر، ويشير إلى ذلك أنه حينما بعث برأس هانئ ومسلم، برر قتل هانئ، لأنه لم يكن مأموراً بقتله، وإنما أمر بقتل مسلماً فقط، فبرره على أنه قد آوى مسلماً في داره، فلو كان الأمر إليه، وهو مفوض فيه، فلا معنى لأن يقوم بعملية التبرير كما لا يخفى.

وهناك قرينة أخرى تؤكد عدم ثبوت التفويض إلى ابن زياد، وهي بيانه للوسيلة التي توصل من خلالها إلى العثور على مسلم بن عقيل، رغم أن ذكر ذلك ليس لازماً لولا أنه يعلم أن يزيد يطلب منه التفصيل ولا يكتفي بالإجمال.

ولا أقل من أن المستفاد من هذا التعبير والتفصيل الذي ذكره ابن زياد، كونه كان يشعر بتعلق إرادة يزيد بذلك، كما أن من المحتمل قوياً أنه كان يريد أن يعبر عن إخلاصه ليزيد وأنه لم يأل جهداً في سبيل معالجة هذه القضية المستعصية والخطيرة.

هذا ومما يستفاد من المكاتبة أيضاً، متابعة يزيد لقضية حركة الإمام(ع) وأنه لا يقصر قنواته في خصوص عبيد الله بن زياد، بل له قنوات أخرى توصل إليه الأخبار، وهذا ما يكشف عنه قوله: وأنه بلغني أن الحسين بن علي قد توجه نحو العراق، فإن هذا الخبر لم يكن في مكاتبة ابن زياد، كما أن مساق الخبر يؤكد أن الخبر لم يكن من الرسولين.

والأهم من ذلك، الأوامر التي أصدرها يزيد لابن زياد، وأمره أن يقوم بتنفيذها، وذلك بأن يضع المناظر والمسالح وأن يأخذ على الظنة والتهمة، وأن يقتل من يقاتله، فنراه أنه لم يأمره بالمقاتلة فحسب، بل يأمره بقتل من يقاتله.

وهذا يعني أن الإمام الحسين(ع) متى قاتله، فإنه مأمور بقتله، وإلا كان عليه أن يستـثني الإمام(ع). بل إن القدر المتيقن من هذا الأمر هو قتل الإمام الحسين(ع)، إذ أن الحديث إنما هو عن الحسين(ع)، فهو الذي توجه إلى العراق.

بل من المحتمل قوياً أن يقاتل عبيد الله بن زياد، لأن مقصد الحسين(ع) هي الكوفة، ومن المستحيل أن يقوم ابن زياد بتسليمها إياه طواعية، ومن دون قتال، إذ أن ذلك منافٍ لإرادة يزيد، وما دعاه إلى تنصيب ابن زياد إلا من أجل المحافظة على الكوفة حتى لا تخرج عن الهيمنة الأموية، وتكون في يد الحسين.

ولا ريب في إطلاع يزيد وعبيد الله ابن زياد، بأن مجئ الإمام الحسين(ع) إلى الكوفة إنما هو من أجل هذا الغرض.

——————————————————————————–

[o1]تاريخ الطبري ج 4 ص 258، الكامل في التاريخ ج 3 ص 267-268، تهذيب التهذيب ج 2 ص 302، البداية والنهاية ج 8 ص 164، كتاب الفتوح لابن أعثم من أعلام القرن الرابع الهجري ج 5 ص 61، كنـز الدرر وجامع الغرر ج 4 ص 85، الأخبار الطوال ص 231.

[o2]الكامل في التأريخ ج 3 ص 319-320، اتأريخ الطبري ج 4 ص 387.

[o3]تاريخ الطبري ج 4 ص 285، مقتل الخوارزمي ج 1 ص 308.