15 ديسمبر,2018

قاعدة تفسير القرآن بالقرآن

اطبع المقالة اطبع المقالة

تعتمد هذه القاعدة أساساً على أن القرآن الكريم هو بمجموعه كتاب واحد، ومن مصدر واحد، وبالتالي فهو يمثل رؤية واحدة للقضايا لا اختلاف فيها، كما قال تعالى:- ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)، ولما كان القرآن الكريم قد نزل نجوماً، أي بنحو متفرق ومتقطع، كان لابد من اعتماد كل آياته مهما تباعدت وتفرقت من أجل تكوين تفسير صحيح ورؤية واحدة غير مختلفة حول القضايا التي يتناولها عبر آيات متعددة ومتفرقة، لأن تلك الآيات ينظر بعضها للبعض الآخر، وهذا هو ما يسمى بـ(تفسير القرآن بالقرآن).

ويمكن أن يقال بأن القرآن الكريم يدعو إلى هذا المنهج، فلاحظ قوله تعالى:- ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم) حيث أن هذه الآية واضحة في عدم السماح بتبعيض القرآن الكريم وفهم معانيه على أساس النظرة التجزيئية لآياته وسوره.

وقد أكدت السنة الشريفة على هذا المنهج، فقد ورد في غير واحد من النصوص الصحيحة، أن القرآن يفسر بعضه بعضاً.

منهج العلامة الطباطبائي:

ويعتبر من أبرز رواد هذا المنهج المفسر الكبير العلامة الطباطبائي في تفسيره الرائع الميـزان، حيث يمثل تفسيره نموذجاً رائعاً لتفسير القرآن بالقرآن، وقد حاول أن يستدل على هذا المنهج ويـبين مشروعيته، فقال(ره):

حاشا أن يكون القرآن تبياناً لكل شيء ولا يكون تبياناً لنفسه، وقال تعالى:- ( هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) وقال تعالى:- ( إنا أنزلنا إليكم نوراً مبيناً) وكيف يكون القرآن هدى وبينة وفرقاناً ونوراً مبيناً للناس في جميع ما يحتاجون ولا يكفيهم في احتياجهم إليه وهو أشد الاحتياج[o1] .

توضيح قاعدة تفسير القرآن بالقرآن:

ومن أجل توضيح الفكرة نحاول أن نأخذ بعض النماذج لثلاث من حالات تفسير القرآن بالقرآن:

الأولى: القرائن المتصلة:

وهي أن نعمد لاكتشاف المعنى الكامل للآية إلى آية أخرى متصلة بها أو إلى جزء من نفس الآية، مثل قوله تعالى:- ( والشعراء يتبعهم الغاوون* ألم تر أنهم في كل واد يهيمون* وأنهم يقولون ما لا يفعلون) فقد اتصلت هذه الآيات العامة في دلالتها بآية أخرى لاحقة تقول:- ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً)[o2] .

فيستفاد حينئذٍ أن الحكم ليس بصورة كلية منطبق على كافة الشعراء، وإنما هناك قسم خاص من الشعراء لا يشملهم الكلام المذكور في الآية.

الثانية: القرائن المنفصلة:

وهي أن نعمد لاكتشاف المعنى الكامل للآية إلى آيات أخرى منفصلة عنها، وفي موضع آخر من القرآن الكريم لكنها تـتحدث عن نفس الموضوع والفكرة.

مثل قوله تعالى:- ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)[o3] .

فهي مطلقة من حيث دعوتها للجدال بالتي هي أحسن، لكننا نلاحظ آية أخرى وفي سورة أخرى تلقي ضوءاً على هذه الآية وتقدّم تفصيلاً فيها فتقول:- (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم)[o4] .

وستكون النـتيجة النهائية للآيتين أن منهج المنطق والبرهان والجدل بالتي هي أحسن هو المنهج المتعين مع طلاب الحقيقة، وليس مع الظالمين الذين لا ينفع معهم إلا منهج القوة والمواجهة.

ومثل ذلك حينما نقرأ قوله تعالى:- ( فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون)[o5] ، فإن النظر إليها بعيداً عن الآيات الأخرى التي تـتحدث عن نمط التعامل مع الكافرين يجعلنا نفهم الموقف الإسلامي على خلاف واقعه، حيث يجب في ضوء المفهوم الأولي لهذه الآية ترك الكافرين يعبثون ويفسدون ويفعلوا ما شاؤوا وعدم التعرض لهم بشيء بينما لا نجد الموقف الإسلامي يسمح بذلك، بل يدعو لمواجهة الضلال والانحراف ومقاتلة أعداء الله كما قال تعالى:- ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتـنة ويكون الدين لله)[o6] ، الأمر الذي يعني أن الآية يجب فهمها في ضوء باقي الآيات لتكوين رؤية واحدة متكاملة.

ومثل ذلك حين نقرأ قوله تعالى:- ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة)[o7] ، فإن الآية الأخرى من سورة النساء تكشف عن سبب هذا الختم فتقول:- ( بل طبع الله عليها بكفرهم)[o8] ، وبذلك تندفع شبهة الظلم والإضلال ونسبة ذلك إلى الله تعالى، لأن الإنسان نفسه هو السبب وراء ذلك.

الثالثة: قرينة السياق:

يُقصد بقرينة السياق، الجو المحيط بالآية فيما سبقها وما يلحقها من آيات مما يساعد على معرفة اتجاه الآية وطبيعة دلالتها.

مثال ذلك:

قوله تعالى:- ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون)[o9] ، فنحن نستطيع أن نكتشف المعنى المقصود بـ(الصبغة) من الجو الذي نزلت فيه الآية، والآيات التي سبقتها والتي تليها، حيث يقول عز من قائل:- ( وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين* قالوا آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون* فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم* صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون* قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون).

فإن نزول هذه الآية(صبغة الله) في سياق الحديث عن التوحيد الخالص لله تعالى المتمثل في الإسلام، يكشف عن أن المقصود بـ(صبغة الله) هو الإسلام والعبودية المخلصة لله تعالى، وهذا هو ما يصطلح عليه بـ(السياق).

ومثل ذلك حينما نقرأ قوله تعالى:- ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تـتبعوا خطوات الشيطان)[o10] ، فإن مطالعة الآيات التي سبقتها والسياق الذي جاءت فيه تلقي ضوءاً كافياً لمعرفة ما هو المقصود بـ(السلم) في هذه الآية، فلقد ابتدأت الآيات بالتالي:- (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله في قلبه وهو ألدّ الخصام* وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد* وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم وبئس المهاد* ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) ثم عقبت بعد هذا التقسيم للناس إلى قسمين بالقول:- ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تـتبعوا خطوات الشيطان).

إن مجئ الآية في سياق الحديث عن تقسيم الناس إلى منافق يتظاهر بالقول الجميل ويضمر العداء للإسلام، وإلى مؤمن صادق الإيمان مجاهد في سبيل الله، يلقي الضوء على المعنى المقصود بـ(السلم) في الآية الأخيرة، حيث يعرف أن المراد من السلم هو الإسلام الصادق، والانخراط في صفوف الأمة المسلمة بإخلاص بدلاً من السعي في الأرض بالفساد، وإهلاك الحرث والنسل، وإضمار العداء والخصام للمسلمين، وليس المقصود بالسلم المعنى الذي يقابل الحرب بحيث تصبح الآية دالة على وجوب الدخول في السلم على كل المؤمنين وحرمة دخول الحرب.

خاتمة:

وفي ختام الحديث عن هذه القاعدة ينبغي الإلتفات إلى أنه لكي يمكن العمل بهذه القاعدة لابد من الاستعانة بقاعدة الظهور القرآني التي سبقت الإشارة إليها فيما مضى.

——————————————————————————–

[o1]الميـزان ج 1 ص 11.

[o2]سورة الشعراء الآيات 234-237.

[o3]سورة النحل الآية رقم 125.

[o4]سورة العنكبوت الآية رقم 46.

[o5]سورة الزخرف الآية رقم 83.

[o6]سورة البقرة الاية رقم 193.

[o7]سورة البقرة الاية رقم 7.

[o8]سورة النساء الآية رقم 154.

[o9]سورة البقرة الآية رقم 138.

[o10]سورة البقرة الآية رقم 208.