15 ديسمبر,2018

قاعدة إتباع عموم العلة

اطبع المقالة اطبع المقالة

قد يستدعي الموقف أحياناً تجاوز حدود الموضوع المذكور في الآية وتوسيع دائرة الحكم لما هو أعم.

وكما ذكرنا في القاعدة السابقة نـتجاوز حدود الزمان والمكان ومورد النـزول لصالح عموم اللفظ، فهنا نـتجاوز اللفظ نفسه تبعاً (لعموم المناط)كما يصطلح عليه الفقهاء والمفسرون، والمقصود بـ(المناط) العلة التي أنيط بها الحكم وارتبط بها، فإذا عرفنا أن علة الحكم المذكور في الآية هي أوسع من المفردة التي جاءت موضوعاً في الآية، فمن الحق حينئذٍ أن نوسع دائرة الحكم بسعة تلك العلة المذكورة.

والحقيقة أن هذه القاعدة تشكّل تطبيقاً من تطبيقات اعتماد الظهور أيضاً، وذلك أن احتواء الكلام الخاص بموضوع معين على علة عاماً يكفي في إضفاء ظهور جديد للكلام في ذلك المعنى العام.

نماذج للقاعدة:

هذا ويمكن أن نذكر مجموعة من الأمثلة من القرآن الكريم، لتوضيح الفكرة التي نحن بصدد الحديث عنها.

منها: قوله تعالى:- ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينـتهن) فرغم أن النهي قد تعلق بـ(الضرب بالأرجل) إلا أن التوضيح الذي ذكرته الآية الشريفة سبباً لهذا النهي، وهو قوله:- ( ليعلم ما يخفين من زينـتهن) يجعلنا نعرف عدم اختصاص النهي بحالة الضرب بالأرجل، بل عموميته لكل حالات التعريف بالزينة المخفية، وبكل صورها وهذا هو معنى( عمومية المناط).

ومنها: قوله تعالى:- ( ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) فرغم أن النهي قد أنصب على حالة (الخضوع بالقول) إلا أن المناط المذكور في الآية تعليلاً لهذا النهي، وهو قوله تعالى:- ( فيطمع الذي في قلبه مرض) يجعلنا ندرك أن مقصود الآية هو النهي عن كل حالات الإغراء والإثارة التي توجب طمع من في قلبه مرض.

ومنها: قوله تعالى:- ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) فهو واضح في أن علة النهي عن إتباع إخبار الفاسقين هو التورط في ظلم الآخرين نـتيجة الجهل بالحقيقة، وإتباع الأقاويل الكاذبة، مما يعني أن الإسلام يرفض كل صور العدوان على الآخرين، واعتماد الأوهام والظنون والجهالات في حقهم.

والنـتيجة التي نـتحصل عليها من الآية المباركة ليس فقط حرمة إتباع خبر الفاسق، بل حرمة إتباع كل جهل، واقتفاء كل وهم، وهذا هو معنى(عموم المناط).

ومنها: قوله تعالى:- ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام)، فإننا نستطيع أن نفهم من الآية تبعاً لقاعدة (عموم المناط) أن اقتراب كل أنواع النجاسات من المسجد الحرام هو أمر منهي عنه، وليس خصوص المشركين.

قاعدة إتباع عموم الفكرة:

قد يحصل أحياناً أن تـتعرض الآية الشريفة نموذجاً على سبيل المثال لا على سبيل الحصر والتعيـين، وحينئذٍ لا يجوز التقيّد بالنموذج المذكور، بل لابد من إتباع عموم الفكرة المقصودة.

نماذج وأمثلة للقاعدة:

منها: قوله تعالى:- (وأعدّوا لهم ما أستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله) فهل يجب التقيّد برباط الخيل في الحرب، أو أن المقصود كل المعدات العسكرية، والوسائط النقلية اللازمة؟…

لا يخفى أن الصحيح هو الثاني، وأن المذكور في الآية الشريفة إنما ذكر على نحو المثال لغاية تقريب الفكرة التي وقع الكلام بصدد بيانها.

ومنها: قوله تعالى:- (وأذن في الناس يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) فهل المقصود هو حالات المشي إلى الحج على الأرجل(رجالاً)، أو على الإبل الهزيلة(ضامر)، أو أن المقصود هو مختلف صور السعي إلى الحج، وبكل الوسائط النقلية المتوفرة؟…

وهنا أيضاً لا يتصور أن المراد هو خصوص المعنى الأول، بل المراد هو المعنى الثاني، لكن الخطاب قد وقع بنحو المثال لما كان مألوفاً ومتعارفاً في تلك العصور والأزمنة، فلا خصوصية لما ذكر حتى يتصور الاقتصار عليه.

وعلى هذا يتضح، أن مما لا ريب ولا شك فيه أن القرآن الكريم، ذكر هذه المفردات على اعتبار أنها نماذج لما سواها من المفردات المماثلة حسب كل زمان، وكل مكان حيث تعرف أنه لا توجد خصوصية مقصودة لهذه النماذج دون سواها.

والنـتيجة أننا حين نريد استخلاص فكرة أو حكم من الآية القرآنية، فلابد أن نـنظر إلى دائرة الفكرة ولا نتقيّد بدائرة اللفظ.

ويمكننا أن نضرب مثالاً آخر لاستخدام قاعدة(عموم الفكرة) من خلال المناظرة التي جرت بين الإمام الكاظم(ع) وبين هارون الرشيد، فقد جاء فيها:

قال له الرشيد: كيف قلتم إنّا ذرية النبي(ص) والنبي لم يعقب، وإنما العقب للذكر لا الأنثى، وأنتم ولد الابنة ولا يكون ولدها عقباً له.

فقرأ له الإمام الكاظم قوله تعالى:- ( ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين).

وهنا سأله الإمام (ع) عن عيسى هل له أب؟…

فقال الرشيد: ليس لعيسى أب.

فقال(ع): إنما ألحقناه بذراري الأنبياء(ع) من طريق مريم، وكذلك أُلحقنا بذراري النبي(ص) من قبل أمنا فاطمة[o1] .

موارد عدم جريان القاعدة:

ومن الطبيعي أن تجاوز دائرة اللفظ إلى دائرة الفكرة، إنما يصح فيما إذا لم تكن المفردة المذكورة باللفظ مقصودة بالذات، ومعنية بالشخص، وإلا فإن الواجب حينئذٍ التقيد بها.

فإذا قال القرآن الكريم:- ( فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم)[o2] .

فإننا لا نستطيع أن نحمل هذه المفردات على أساس المثال والنموذج، وبدلاً من إطعام المساكين أو كسوتهم، نذهب لإطعام مجموعة من الأقرباء والأرحام مثلاً، أو توزيع الكسوة على الجيران، ومن ماثلهم، وبدلاً من عتق عبد من العبيد، نذهب لإطلاق سراح بعض السجناء، أو الأسرى، أو ما شاكل ذلك.

إن المفردات المذكورة في الآية الشريفة لتفيد هذا الحكم، لم تذكر على سبيل المثال، وإنما ذكرت لخصوصية خاصة بها، ولا يوجد في سياق الآية أية قرينة على حذف هذه الخصوصية والسماح بإلغائها.

الميـزان في معرفة الموضوع:

هذا والميـزان في معرفة ما إذا كان الموضوع الخاص قد ذكر على سبيل المثال، أو ذكر على سبيل الاختصاص والحصر، هو مراجعة ظهور الجملة ومجموعة ما تحتف به من قرائن، فإذا تكوّن لنا ظهور في عمومية الفكرة أمكن استفادة حكم عام من الكلام اعتماداً على قاعدة حجية الظهور القرآني.

——————————————————————————–

[o1]الاحتجاج للطبرسي ج 2 ص 164.

[o2]سورة المائدة الآية رقم 89.