20 مارس,2019

سند رواية أحمد بن إسحاق

اطبع المقالة اطبع المقالة

 

 

من الموانع التي توجب عدم القبول برواية التاسع من شهر ربيع المولود، المروية عن أحمد بن إسحاق القمي، ضعفها السندي، لكونها تعاني مشكلتين:

الأولى: ضعف رواتها الواقعين فيها، لأنها مروية عن ابن أبي العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن محمد بن حويج البغدادي.

فإن المذكورين لم يذكرا في كتب الرجال، ولم يتم التعرض لبيان حالهما، نعم ذكر الشيخ النمازي(ره) في مستدركاته، البناء على وثاقة البغدادي، بملاحظة متن الرواية محل البحث[1].

وهذا توثيق بملاحظة النصوص التي رواها، فإنه يستكشف حسن حال الراوي وجلالة قدره من خلال ما يرويه من النصوص، فلو كان من الذين يروون الأسرار الخاصة التي لا يعطيها المعصومون(ع) لكل أحد، بل يُخص بها الخواص من شيعتهم، كشف ذلك عن حسن حال، بل عن جلالة قدر، كما أن رواية الشخص لنصوص ذات مضامين عالية، يشير إلى مكانة خاصة تكشف ولو بطريق الإن عن حسن حال على أقل التقادير، والظاهر أن هذا ما أراده(ره).

وما أفيد وإن كان حسناً، إلا أنه لا يمثل قاعدة مطردة، بل يبدو أنه يحتاج النظر في كل مورد مورد، والظاهر أن مقامنا لا يصلح صغرى لهذه الكبرى، ذلك أن مضمون الخبر محل البحث هو إبراز البراءة من أعداء آل البيت(ع)، وهذا لا يعدّ من الأمور الخاصة التي لا يلقيها(ع) لكل أحد، بل هي من مقومات الانتماء للمذهب، ذلك أن الولاية لا تكون إلا بعد وجود البراءة، وعليه لا معنى لأنه يقال بأنه من الأسرار الخاصة.

اللهم إلا أن يكون نظره إلى أن الإفصاح عن تحديد اليوم الذي ينبغي أن يظهر فيه البراءة، وإبراز أنه يوم عيد وفرح وسرور، في زمان للتقية فيه مجال، يكشف عن خصوصية لمن ألقي إليه مثل هذا الموضوع، فتأمل جيدا.

وأما محمد بن أبي العلاء الهمداني الواسطي، فلم يذكر بشيء في المصادر الرجالية، إلا أنه يمكن إسراء ما ذكر في شأن يحيى لو قُبل، فيلتـزم بوجود موجب لوثاقته يتمثل في مضمون النص محل البحث الذي نقله، إلا أنه قد عرفت جوابه، فلا نعيد.

الثانية: إن صاحب زوائد الفوائد، وهو السيد ابن طاووس(ره)، لم يذكر طريقه إلى راوي الخبر، وهذا يجعل الخبر مرسلاً، فلا يدخل دائرة الحجية والاعتبار.

مصادر حديثية للخبر:

وقد يتغلب على هذه المشكلة وهي الضعف السندي من خلال ما جاء في كلام المحدث النوري(ره)، حيث أشار إلى مصدر آخر للرواية المذكورة، وهو كتاب المحتضر للشيخ حسن بن سليمان الحلي(ره)، فقد رواه عن خط علي بن مظاهر الواسطي، بإسناد متصل عن محمد بن علاء الهمداني[2].

وقد وصف المحدث المذكور(ره) علي بن مظاهر الواسطي بالفقيه الفاضل، وهذا يدل على جلالة وحسن حال، ويكشف عن وثاقة.

وكون الموثق من المتأخرين لا يمنع من قبول قوله، كما لا يخفى، لا للقول بحجية توثيقاتهم، وإنما لكون الموَثق ليس من القدماء، الذين يبعد عهدهم، وعصر وجودهم.

إلا أن ذلك لا ينفع، لأننا لو رفعنا اليد عن كون وصول الرواية إلى الشيخ الحسن بن سليمان بالوجادة، وبنينا على أنه لا مانع من حجيتها، وقلنا بأنه قد كان عارفاً بخط الشيخ علي بن مظاهر، ولم يعمل بحدسه، إلا أنه يبقى أن طريق الشيخ علي بن مظاهر لمحمد بن أبي العلاء الهمداني مجهولاً[3]، فإنه وإن نص على وجود سند متصل، إلا أنه لم يذكر، وهذا يجعله مجهولاً إلينا، فلربما لو اطلعنا عليه، لم يحكم بوثاقة من وقع فيه، خصوصاً مع وجود الاختلاف في المباني الرجالية.

وقد يعالج ذلك بملاحظة مصدر ثالث وهو كتاب دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري، من أعلام الطائفة في القرن الرابع، وقد روى الخبر مسنداً، قال: أخبرنا السيد أبو البركات بن محمد الجرجاني هبة الله القمي، واسمه يحيى، حدثنا أحمد بن إسحاق البغدادي، قال حدثنا الفقيه الحسن بن الحسن السامري، قال: كنت أنا ويحيى بن جريح البغدادي، فقصدنا أحمد بن إسحاق القمي، صاحب الإمام أبي محمد الحسن العسكري بمدينة قم، ثم ساق الحديث.

ووفقاً للمعروف من الرجوع للمصادر الرجالية، سوف يحكم بضعف الطريق المذكور، لأن الواقعين في سنده، وهم أبو البركات الجرجاني، وأحمد بن إسحاق البغدادي، والحسن بن الحسن السامري، لم يذكروا في كتب الرجال، فيكونوا مجهولين.

وهناك مصدر رابع قد ذكر الخبر المذكور مسنداً، وهو كتاب مصباح الأنوار للشيخ هاشم بن محمد، وهو من علماء الطائفة في القرن السادس[4]. وقد عبر عنه غواص بحار الأنوار في مقدمة بحاره أنه يروي من الأصول المعتبرة الخاصة والعامة.

وعلى أي حال، فطريق الخبر على ما في مصباح الأنوار، كالتالي، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد القمي بالكوفة، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن جعدويه القزويني، وكان شيخاً صالحاً زاهداً سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة صاعداً إلى الحج، قال: حدثني محمد بن علي القزويني، قال: حدثنا الحسن بن الحسن الخالدي بمشهد أبي الحسن الرضا(ع)، قال: حدثنا محمد بن العلاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن محمد بن جريح البغدادي، قالا، وساق الحديث.

ولن يكون حال هذا السند أفضل من سابقه، عند الرجوع للمصادر الرجالية، فسوف يقرر سقوطه عن الاعتبار.

والصحيح أنه لا مجال للبناء على رفع اليد عن هذا النص، لمجرد عدم تضمن المصادر الرجالية ذكراً لمن وقع في أسناده، وذلك لنكتة مهمة ينبغي الالتفات لها، وهي أن أغلب مصادرنا الرجالية، قد وضعت اعتماداً على الرواة الذين وقعوا في أسناد الكتب الأربعة فقط، وهي خصوص النصوص التي تضمنت بيان الأحكام الفرعية، ولم تتعرض للمصادر الحديثية التي تضمنت النصوص التفسيرية، أو النصوص العقدية، فلو أراد الباحث عرض نص ورد في تفسير آية قرآنية، لو لم يكن الواقعين في سنده ممن وقعوا في أسناد الكتب الأربعة، سوف يحكم بمجهوليتهم، وكذا لو كان الخبر يتضمن مطلباً عقدياً، وهذا ما يلمسه من يقرأ  كتابي الغيبة للنعماني، أو للطوسي، فإنهما على جلالتهما إلا أنهما يبتليان بالخدشة السندية في مروياتهما، لنفس السبب.

ولا ينحصر الأمر في خصوص الكتابين المذكورين، أو المطلبين الذين أشرت إليهما، بل يجري ذلك أيضاً في الكتب الأخلاقية، بل في العديد من الكتب الحديثية، ككتاب التوحيد، وكتاب الخصال، وكتب الأمالي وكتاب كمال الدين، وغيرها.

وبالجملة، إن السير على وفق المنهج المذكور، سوف يستوجب سقوط الكثير من النصوص الموجودة عندنا، ويستدعي رفع اليد عن كثير من مصادرنا الحديثية كما هو واضح.

علاج المشكلة بالمنهج الفهرستي:

ويمكن التغلب على المشكلة المذكورة من خلال ملاحظة أمرين:

الأول: النظر في المصدر الذي تضمن نقل الخبر المذكور، سواء كان خبراً عقدياً، أم كان خبراً تفسيرياً، أم كان خبراً أخلاقياً، أم غير ذلك، فلو وجدنا رواية نقلها شيخنا الصدوق(ره) في كتابه كمال الدين، أو كان مصدرها غيبة النعماني، أو غيبة الطوسي، فإن هذا يوجب الاعتناء كثيراً بالخبر المذكور، والعمد إلى التدقيق فيه قبل القيام برفع اليد عنه. نعم يستثنى من ذلك ما إذا أحرز أن غرض المؤلف من نقل النصوص في كتابه مجرد جمع التراث الروائي، دون نظر منه في محتواها، أو ملاحظة مصدرها الذي نقل عنه، كما يظهر ذلك في شأن شيخنا غواص البحار(ره).

والحاصل، لابد وأن يحرز ولا أقل يطمأن أن غرض ناقل الخبر من الخبر الذي قد نقله في كتابه كونه مورد اعتماد وقبول عنده، واستناد إليه، ويمكنننا ملاحظة هذا في العديد من المصادر الحديثية، كعلل الشرائع للصدوق، وتفسير العياشي، وكشف الغمة للأربلي(ره).

الثاني: نقاوة متونها بعدم اشتمالها على ما لا يمكن الالتزام من أمور مستغربة ومستنكرة، ومطالب ضعيفة، تخالف القاعدتين العقلية والشرعية، أو إحداهما، التي يعرض عليها الخبر حين نقد متنه. وتزداد مقبولية النص متى كان مشتملاً على بعض المداليل الواردة في بعض النصوص المعتبرة.

نعم لا يذهب عليك، أن ما ذكر ليس تصحيحاً سندياً للأخبار وفقاً للمنهج الرجالي، وإنما هو تصحيح فهرستي لها، والفرق بين المنهجين واضح، نعم هناك مشتركات موضع اتفاق بين الجميع وهو موجبات الوثوق العقلائية التي تكشف عن الوثوق النوعي.

وبناء على ما تقدم، سوف يدخل الكثير من النصوص الموجودة في المصادر الحديثية دائرة الحجية، والظاهر أن ما ذكرناه محط اتفاق الكل، لأنه لا ريب في حجية ما وثق بصدوره. نعم يبقى الكلام في الصغرى، أعني الأمرين الذين ذكرنا، هل يصلحان لإحراز الوثوق النوعي لترتيب أثر الحجية وعدمه.

طريق آخر لعلاج المشكلة الروائية:

هذا ويمكن أن يعالج المشكل الموجود لضعف أسناد العديد من الأخبار التي لم يرد رواتها في أحاديث الكتب الأربعة من خلال التفريق في وصف الراوي بين كونه ضعيفاً وكونه مجهولاً، ونقصد بالمجهول هو من لم يذكر في كلمات أهل الرجال بشيء أصلاً مدحاً ولا قدحاً، وليس المقصود به من تعارض فيه التوثيق والتضعيف، فإن كونه ضعيفاً يوجب الريب في صدور الخبر من المعصوم(ع)، فلا يستند إليه، بخلاف كونه مجهولاً، لأنه قد تكون هناك بعض الأسباب التي أدت إلى عدم ذكره، ككونه يعيش حالة من السرية والخوف والملاحقة من السلطة مثلاً، أو كون الموضوع الذي يتحدث عنه من المواضيع الخطيرة التي لا يخبر بها كل أحد وما شابه ذلك. بل من المحتمل جداً أن تكون هذه الأسماء الواقعة في أسناد مثل هذه النصوص وهمية، أو مكنى بها عن أشخاص حفاظاً على أنفسهم من ملاحقات السلطة.

نعم يبقى أن التوجيه المذكور أخص من المدعى، لأنه يتصور في خصوص النصوص العقدية، دون النصوص التفسيرية، والأخلاقية، فتأمل جيداً.

والحاصل، إن مثل هذه الأسناد بما عرفت تعدّ من المشكلات، وقد يتخذ كل فقيه طريقاً يختلف عن الآخر في التعامل معها، فتأمل.

مقبولية الخبر:

ثم إنه لو لم يقبل بما قدم ذكره من عرض، فإنه يمكن البناء على صدور الخبر محل البحث ولو وثوقاً، اعتماداً على تلقي الأصحاب إياه بالقبول، فإن نقله في العديد من المصادر بدءاً من زمان مولاي الإمام الهادي(ع)، ثم نقله بعد ذلك في عصر الشيخ الفقيه علي بن مظاهر الواسطي، وبعد ذلك ينقله الشيخ أبو البركات الجورجاني، لينقل في القرن الرابع من قبل الطبري في دلائل الإمامة، ثم في القرن السادس من قبل الشيخ محمد بن هاشم، حتى يكون نقله في القرن الثامن تقريباً على يد الشيخ حسن بن سليمان الحلي، شاهد على قبوله عندهم، واعتمادهم عليه، نظير ما ذكروه في مقبولة عمر بن حنظلة، بناءً على القول بضعفها السندي، كما فصل في محله في بحث تعارض الأدلة، من الأصول، وبحث الاجتهاد والتقليد من الفقه.

تطبيق المنهج الرجالي:

وقد لا يقبل ما ذكرناه، كونه معتمداً كثيراً على حجية الوثوق النوعي، وفيه أمران، التسليم بالكبرى، إذ قد يدعى أن الحجية للوثاقة، والصغرى، لأنه لو سلم بكبراه، قد يناقش في صغراه بدعوى عدم تحققه في المقام.

وعليه، لابد من العمد لتصحيح الخبر المذكور وفقاً للمنهج الرجالي، ويمكننا ذلك بأحد طريقين:

الأول: البناء على شهرة المصدر الذي نقلت الرواية عنه، وكونه متداولاً بين الأصحاب، فلا يحتاج إلى ملاحظة الطريق إليه، وهذا نظير ما يذكر في شأن الكافي مثلاً في عصرنا اليوم. ولما كان مصدر الرواية هو كتاب أحمد بن إسحاق القمي(ره)، وهو من الكتب المعروفة المشهورة، لم يحتج إلى ملاحظة الطريق إليه.

ولا يذهب عليك، أن الطريق المذكور، يقوم على تشكيل قياس منطقي من الشكل الأول، كبراه: إن كل كتاب مشهور بين الأصحاب، لا يحتاج إلى ملاحظة الطريق إليه. وصغراه، إن كتاب أحمد بن إسحاق الذي يعدّ مصدراً للرواية، كتاب مشهور، فيتحقق الغرض.

والإنصاف، تمامية الكبرى المذكورة، إلا أن الحديث في الصغرى، كما سيتضح عند الحديث عن الطريق الثاني، فأنتظر.

الثاني: أن يعمد إلى تطبيق نظرية التعويض، فقد تضمن سند الرواية أحمد بن محمد بن إسحاق القمي، ولو أمكننا أن نجد طريقاً معتبراً يوصلنا إلى أحمد، كان ذلك موجباً للبناء على حجية الخبر، مثلاً: لو وجدنا طريقاً للمحدث النوري(ره) يمر بواسطة الشيخ الطوسي لأحمد بن إسحاق كان ذلك كافياً للبناء على حجية الخبر المذكور، بل يكفي أن نجد طريقاً لشيخنا المحدث النوري(ره)، لأحمد بن إسحاق لتحقق الغرض.

وهذا التقريب لنظرية التعويض، أوسع دائرة مما بنى عليه بعض الأعاظم(ره)، كما لا يخفى.

وكيف ما كان، فإن الوجه المذكور، يعتمد على أن نجد طريقاً إلى جميع كتب ومرويات أحمد بن إسحاق حتى يمكن الاستناد إليه، وإلا فلو كان الطريق لكتبه فقط دون رواياته، كان ذلك مانعاً من الاستناد إليه، وعند الرجوع لكلام النجاشي والشيخ(ره) حال ترجمتهما لأحمد، نجد أنهما قد قصرا طريقهما إلى خصوص كتبه دون مروياته، وهذا يمنع من إمكانية الاستناد لطريقي النجاشي والشيخ(ره).

على أننا لو رفعنا اليد عن اعتبار الشرط المذكور، فإن ما ذكر في كليهما من كتب لا يتصور أن يكون مصدراً لمثل هذا النص.

ومنه يتضح أنه لا مجال للبناء على الطريق الأول، بعد عدم تصور أن يكون شيء مما ذكر له من كتب مصدراً لمثل هذا النص، فضلاً عن أن يكون المنقول منه مشهوراً.

وهذا يعني أن الخبر محل البحث من مرويات أحمد، وليس مما جاء في كتبه، ومن المتعارف أن يكون للراوي أخباراً يرويها لا يضعها في كتبه، لكونها لا تتوافق موضوعاً وموضوع الكتاب المؤلف.

وقد تحصل من جميع مما تقدم، أن الطريق لاعتبار الخبر المذكور منحصر في غير المنهج الرجالي، والله العالم بحقائق الأمور، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

خاتمة:

ثم إنه قد يقال بإمكانية الاستناد إلى الخبر المذكور اعتماداً على أحد أمرين:

الأول: كون الخبر مجبوراً بعمل الأصحاب، لعمل القدماء على طبقه.

الثاني: الاستناد إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن.

ويقوم الأمر الأول منهما على مقدمتين، كبرى وصغرى، أما الكبرى، وهي أن عمل المشهور بالرواية ضعيفة السند موجب لجبر ضعفها.

والصغرى، أن خبر أحمد بن إسحاق، مجبور لعمل الأصحاب به.

أما الكبرى، وإن منع من تماميتها بعض الأعاظم(ره)، والأستاذان الجليلان، إلا أن المحقق في محله خلاف ذلك، وأنه لا موجب للبناء على عدم تماميتها.

وأما الصغرى، فقد يؤكد تحقق الدعوى المذكورة، بما نسب للمفيد(ره) في كتاب مسار الشيعة، من قوله(ره): وفي اليوم التاسع منه، يعني: الربيع الأول يوم العيد الكبير، وله شرح كبير في غير هذا الموضع وعيّد فيه النبي(ص) وأمر الناس أن يعيّدوا فيه، ويتخذوا فيه المريس[5].

ولا يصغى لما جاء في بعض الكلمات من خلو نسخة مسار الشيعة المطبوعة من هذا الكلام، فإنه لا يتصور في مثل المحدث الجليل الشيخ النوري(ره) أن يدعي شيئاً على شيخنا المفيد(قده)، لم يصدر منه، بل الصحيح أن يلتـزم بوجود الاختلاف في نسخ الكتاب، وأنه ربما حذف منه بعض الشيء.

نعم لقائل أن يقول: بأنه كما يحتمل وجود النقص والحذف منه، يحتمل وجود الزيادة فيه.

وهذا وإن كان محتملاً، إلا أن الظاهر بعده، لأن وجود الخبر المذكور بأيدي الأصحاب وفي بعض المصادر، موجب إلى أن يكون الحديث عن ثبوت الكلام المذكور، لا عدمه.

وبالجملة، البناء على ثبوت الكلام المذكور، وصدوره من الشيخ المفيد ليس بعيداً. ويساعد على صدوره منه في الكتاب المذكور، نقل الكفعمي في مصباحه ذلك عنه أيضاً.

وقد يتمسك لكون الشهرة حاصلة للخبر المذكور لتوجب جبره، بقول الشيخ المجلسي(ره) أن المشهور بين الشيعة في الأمصارو الأقطار، أن يوم وفاة الرجل الاثني، هو يوم التاسع من شهر ربيع الأول[6].

على أساس أن التـزامهم بذلك نجم من خلال الاستناد إلى خبر أحمد المذكور، فيكون مجبوراً بهكذا شهرة مدعاة.

ونفس النكتة تجري في ما حكي عن الشيخ المفيد(ره)، من قوله: أن جمهور الشيعة يزعمون أن يوم وفاة الرجل الثاني، كانت في هذا اليوم.

على أساس أن ذلك يعود إلى استنادهم إلى رواية أحمد بن إسحاق، وهذا يجعلها مجبورة بعمل المشهور.

والإنصاف، أن البناء على إحراز الصغرى في المقام مشكل جداً، فإنه بعد البناء على وجود الكلام المذكور لشيخنا المفيد(قده) في كتابه مسار الشيعة، إلا أنه لا يلزم أن يكون منشأه الاستناد إلى خبر أحمد بن إسحاق، بل يمكن أن يكون منشأه استناده إلى ملاحظة الحساب الزمني الذي قضاه الرجلان في الخلافة بعد رسل الله(ص)، وأن ذلك يستوجب أن يكون موت الثاني منهما في أواخر شهر صفر، بل أوائل ربيع الأول، هذا أولاً.

ثانياً: إن الظاهر من كلمات السيد ابن طاووس(ره)، وجود نصوص قريبة من هذا المعنى في كلمات بعض أصحابنا كالصدوق(ره)، فيحتمل أن يكون المفيد(قده) قد استند إليها.

ولا ملازمة بين عدم وصولها إلينا، وعدم وصولها إليه، فإن من الممكن جداً ظفره بمصادر لم نظفر بها، وقع يده على نصوص لم نقف عليها.

نعم لو كان يكتفى في حصول الجبر، بمجرد موافقة مختار المشهور للخبر الضعيف، كما لعله يظهر من العلمين، المحقق النائيني والسيد البروجردي(قده).

ومثله يجري في الشهرة المدعاة في كلام العلامة المجلسي(ره)، مع أن ظاهر تعبيره يوحي أنها شهرة بين عوام المكلفين، وليست بين العلماء، فتأمل.

ثم إن هذا كله فرع احراز أن الشهرة الموجبة للجبر متحققة في المقام، والظاهر خلاف ذلك، إذ لم يوجد تصريح إلا في كلام الشيخ المفيد(ره)، ومن نقل عنه الخبر المذكور، وهذا لا يكفي للبناء على تحقق الشهرة الجابرة.

وأما الثاني، وهو الاستناد للقاعدة التسامح في أدلة السنن، فبعد البناء على تمامية دلالة نصوص من بلغ في ثبوت الاستحباب، يلزم تحديد موضوع خبر أحمد بن إسحاق، لأنه لو كان حدثاً تاريخياً، فلابد من تنقيح شمول القاعدة المذكورة للأحداث التاريخية، فلو بني على عدم الشمول، لن يصح الاستناد إليها، والمحقق في محله خلافاً لبعض الأعلام(ره)، القول بالشمول.

أما لو كان موضوعه حكماً فرعياً، كاستحباب الغسل، أو استحباب التوسعة على العيال، أو استحباب ادخال السرور على المؤمنين، واستحباب الإطعام، وأمثال ذلك، فلا ريب في شمول القاعدة إليه، بعد البناء على دلالة النصوص على ذلك.

وأما لو كانت تشير إلى مطلب عقدي، وهو اظهار البراء، فهل يلتـزم بالشمول، أو لا؟

ليس واضحاً من كلمات الأصحاب، بناءهم على شمول القاعدة لمثل هكذا موارد، والمسألة بحاجة إلى مزيد بحث وتأمل، ليس هذا وقتها.

[1] مستدركات علم الرجال ج 8 ص 229.

[2] مستدرك الوسائل ج 2 ب نوادر ما يتعلق بأبواب الأغسال المسنونة ح 4 ص 522.

[3] الوارد في المستدرك وكذا في كتاب المحتضر محمد بن علاء، وليس بن أبي العلاء. وهذا يستدعي وجود خلاف بين ما جاء في كتاب زائد الفوائد، وكتاب المحتضر، وأنهما شخصان وليسا شخصا واحدا.

إلا أنه بعيد جداً، والأقرب أن في البين خطئاً وقع فيه النساخ، وأن الموجود أحدهما، إما ابن العلاء، أو ابن أبي العلاء، وعلى كلا التقديرين، فكلاهما مجهول الحال.

[4] راجع ترجمته في كتاب أمل الآمل للشيخ الحر العاملي، وروضات الجنات للخونساري.

[5] مستدرك الوسائل ج 2 ص 522 باب نوادر ما يتعلق بأبواب الأغسال المسنونة.

[6] بحار الأنوار ج 31 ص 119.