18 يناير,2019

رسائل أهل الكوفة للإمام الحسين(ع)

اطبع المقالة اطبع المقالة

ذكر المؤرخون أن الكوفيـين كاتبوا الإمام الحسين(ع) بعد استشهاد الإمام الحسن(ع)، باذلين له الطاعة ويدعونه إلى القيام والنهضة ضد معاوية، فقد روى البلاذري أنه: لما توفي الحسن بن علي، اجتمعت الشيعة ومعهم بنو جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وأم جعدة أم هاني بنت أبي طالب، في دار سليمان بن صرّد، وكتبوا إلى الحسين كتاباً بالتعزية، وقالوا في كتابهم: إن الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممن مضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيـبتك، المحزونة بحزنك، المسرور بسرورك، المنـتظرة لأمرك، وكتب إليه بنو جعدة يخبرونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه، وحبهم لقدومه، وتطلعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه من يُرضى هديه ويُطمأن إلى قوله، ويُعرف نجدته وبأسه، فأفضوا إليهم ما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان والبراءة منه، ويسألونه الكتاب إليهم برأيه..[o1] .

وقد نقل الشيخ المفيد(ره) عن الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السير أنهم قالوا: لما مات الحسن(ع) تحركت الشيعة بالعراق، وكتبوا إلى الحسين(ع) في خلع معاوية، والبيعة له..[o2] .

وكان الإمام الحسين(ع) في كل ذلك يمتنع عليهم، ويطلب منهم الصبر إلى حين موت معاوية، فإذا حدث ذلك نظر في الأمر.

ما بعد معاوية:

نعم ما بعد رحيل معاوية، هل وصلت إلى الإمام الحسين(ع) رسائل من أهل الكوفة في المدينة المنورة، أو أنه لم يصله شيء من ذلك؟…

هناك ثلاث روايات يوحي ظاهرها أنه قد وصلت إلى الإمام الحسين(ع) رسائل في المدينة في الأيام التي أعلن فيها رفضه البيعة ليزيد بعد وصول نبأ معاوية.

لكن الثابت من قرائن تاريخية عديدة أن نبأ موت معاوية وصل إلى أهل الكوفة بعد خروج الإمام الحسين(ع) من المدينة المنورة، ووصوله إلى مكة المكرمة، أو لا أقل في طريقه إليها.

ومعنى هذا أنه لم تصل إلى الإمام(ع) وهو في المدينة في غضون أيام إعلانه رفض البيعة ليزيد إلى حين خروجه عنها، أية رسالة من أهل الكوفة تنبيء عن علمهم بموت معاوية، وعن دعوتهم الإمام(ع) إليهم، ولا من أهل مكة أيضاً، ولا من سواهما.

أول اجتماع للشيعة بعد موت معاوية في الكوفة:

روى الطبري قائلاً: فلما بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية أرجف أهل العراق بيزيد، وقالوا: قد امتنع حسين وابن الزبير ولحقا بمكة، فكتب أهل الكوفة إلى حسين.

وروى أيضاً عن أبي مخنف عن الحجاج بن علي عن محمد بن بشر الهمداني قال: اجتمعت الشيعة في منـزل سليمان بن صرّد، فذكرنا هلاك معاوية فحمدنا الله عليه.

فقال لنا سليمان بن صرّد: إن معاوية قد هلك، وإن حسيناً قد تقبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنـتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه!

قالوا: لا، بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه!

قال: فاكتبوا إليه.

فكتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، لحسين بن علي من سليمان بن صرّد والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتـزى على هذه الأمة فابتـزها وغصبها فيأها وتأمر عليها بغير رضى منها، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعداً له كما بعدت ثمود. إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله، والسلام ورحمة الله عليك[o3] .

رسل الكوفة إلى الإمام(ع):

وبعد ذلك سرحوا بالكتاب إلى الإمام الحسين(ع) مع عبد الله بن مسمع الهمداني، وعبد الله بن وال، وأمروهما بالنجاء، فخرجا مسرعين حتى قدما على الحسين(ع) بمكة لعشر مضين من شهر رمضان المبارك.

وقفة:

بعد ما قدمنا من الإشارة ولو إجمالاً إلى مسألة رسائل الكوفيـين إلى الإمام الحسين(ع) ينبغي لنا أن نقف مع هذه الرسائل إجمالاً، لأنها تمثل نقطة مهمة، في القضية الحسينية، حيث أنهم قد كتبوا إليه، ومع ذلك امتنعوا بعد ذلك عن الالتـزام له بما كتبوا به، ولم يفوا له بما الزموا أنفسهم به، فكيف يمكننا أن نعالج هذا.

موضوع رسائل أهل العراق:

إن الذي يلاحظ أن موضوع رسائل أهل العراق إلى الإمام الحسين(ع)، أمر غير واضح المعالم، ولم يحدثنا التاريخ بصورة دقيقة عن عدد هذه الرسائل وعن أصحابها.

نعم كل ما نعرفه أخبار مجملة تذكر وجود رسائل إلى الإمام(ع) من أهل العراق، وأن الإمام(ع) قد عرض خرجين مملوئين بالرسائل على الجيش الأموي وهو يحاججهم في أسباب قدومه، ولدينا نص يرويه بعض المؤرخين لواقعة كربلاء، وخلاصته:

أن بعضاً ممن التحق بالإمام الحسين(ع) وهم نافع بن هلال الجملي والعائذي وعمر بن خالد الصيداوي ومولاه، وقد وصف أولئك موضوع الرسائل للإمام الحسين(ع) فقالوا في جانب من كلامهم: يا ابن رسول الله، أما أشراف الناس فقد عظمت رشوتهم وملئت غرائرهم، وما كتبوا إليك إلا ليتخذوك سوقاً ومكسباً وهم غداً عليك إلباً واحداً[o4] .

أي أنهم سعوا لكي يظهروا بمظهر المعارض للسلطة، فكاتبوا الإمام(ع) لكي يفهموا السلطة بأهميتهم، من ناحية أخرى فإنهم كانوا يجارون الناس وتوجهاتهم خوفاً من احتمال انتصار الإمام الحسين(ع)، وتغير المعادلات السياسية التي كانت مضطربة في ذلك الوقت، وكان هناك أيضاً من يـبغض الجانبين معاً: الحسين والأمويـين، ويريد أن يوقع بينهما مثل الخوارج.

وهناك النفعيّون الذين يغازلون الطرفين معاً، وهم مع كل ريح يميلون، ومن الناس من راسله وهو يريد الخديعة والغدر به، وقد راسله الكثيرون من أهل الكوفة، من عامة الناس بتأثير حمى المراسلة ولغلبة العقل الجمعي عليهم.

ومن غير الكتب التي أرسلت من أمثال هؤلاء هناك كتب أرسلت للإمام من حزبه السري في الكوفة وشيعته المخلصين، والذين كانوا يراسلونه باستمرار، وقد ضمنوا ولاء الناس له ولأهل البيت(ع) وكان هؤلاء على علم مسبق بدوافع الجهات الأخرى في المراسلة، ولذلك فقد أعدوا للأمر عدته، وهيأوا الأجواء المناسبة لحركة مسلم بن عقيل، وحشدوا له المنافقين حوله من الذين سبق وأن راسلوا الإمام الحسين(ع)، وتعهدوا له بالنصرة كشبث بن ربعي الخارجي وحجار بن أبجر النصراني الذي دخل الإسلام على يد ابن زياد وغيرهم.

إذن كان الشيعة الموالون للإمام الحسين(ع) في الكوفة حزباً سرياً، وكان يتعاطف معه الكثيرون من أهل الكوفة وخاصة المستضعفون منهم، وقد تمكن أنصار الإمام(ع) من إحداث تيار من المساندة له(ع) قبل دخول ابن زياد إلى الكوفة، ذلك الدخول التي قلب موازين الصراع بشرائه للإشراف ووجهاء القوم، واستعماله العنف والإرهاب والخديعة وأخذه المبادرة بالهجوم على المعارضة.

والحاصل، فما يمكننا الوصول إليه هو أن الصادقين ممن كتب تلك الرسائل قليل، حيث كان الشلل النفسي ومرض ازدواج الشخصية وحب الدنيا وكراهية الموت قد تفشى في حياة هذه الأمة، وكان بدء نشوئه في السقيفة وتعاظم فيما بعدها.

دور المنافقين في موجة الرسائل:

لقد صار واضحاً من خلال ما قدمنا أن هناك تياراً ووجوداً قوياً للمنافقين والنفعيـين في مسألة الرسائل، حيث أن المنافقين قد ركبوا موجة الرسائل التي بعث بها أهل الكوفة إلى الإمام(ع)، فشاركوا فيها، أو كتبوا إليه مستقلين عن غيرهم يدعونه أيضاً إلى القدوم عليهم، مدعين الطاعة له والاستعداد لنصرته، وبذل المال والنفس والغالي والرخيص في سبيل حمايته ونصرته.

فقد روى السيد ابن طاووس(ره) أن الإمام(ع) بعد أن قرأ الكتاب الذي حمله إليه هاني بن هاني وسعيد الحنفي، سألهما قائلاً: خبراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي كتب به إليّ معكما؟…

فقالا: يا ابن رسول الله، شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعروة بن قيس، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن عمير بن عطارد[o5] .

هذا وقد أثبت نفس المعنى الشيخ المفيد(ره) لكنه خالف في أن هؤلاء المنافقين قد كتبوا للإمام(ع) رسالة مستقلة عن رسائل غيرهم، قال: ثم كتب شبث بن ربعي وحجار بن أبجرويزيد بن الحارث بن رويم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمرو التيمي: أما بعد، فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار فإذا شئت فأقبل على جند لك مجندة[o6] .

فهذا يكشف عن أن الرسائل التي وصلت للإمام(ع) لم تنحصر في خصوص الرسائل الواردة من قبل شيعته، بل كانت تتضمن رسائل النفعيـين وأصحاب القلوب المريضة والمنافقين.

ومن خلال ما ذكرنا يتضح أيضاً براءة الشيعة مما ينسب إليهم من تهمة المشاركة في قتل المولى الإمام الحسين(ع) أو التخاذل عنه، حيث يتضح أن شيعته الذين كاتبوه قد رموا في المعتقلات ومنعوا من الوصول إليه، وقد كانت حركاتهم ترصد، بل حتى أنفاسهم كانت مرصودة.

وإنما الذين تخاذلوا عنه وخذلوه هم هؤلاء النفعيـين والمرتزقة، وأصحاب النفوس المريضة، والمنافقين، فهم الذين كتبوا شيئاً، وأقدموا على أمر آخر لما رأوا أن ذلك يتنافى ومصالحهم.

بقي شيء:

هذا ويـبقى عندنا سؤال، ونحن في ختام الحديث عن براءة الشيعة من المدخلية في الجريمة النكراء، وهو: لماذا لم يـبادر الشيعة في الكوفة إلى السيطرة على الأوضاع فيها، حيث مما لا يمكن إنكاره اشتمالها على مجموعة من الكفاءات وذوي الخبرات العسكرية والسياسية والاجتماعية، الجديرة بالقيام بمثل هذا الأمر.

الحق أن الإجابة على هذا التساؤل يعدّ من أصعب ما يواجهه الباحث في قضية النهضة الحسينية المباركة.

نعم يمكننا أن نذكر بعض المحتملات والتصورات التي قد تشير إلى السبب، لكننا لا ندعي أنها هي السبب الحقيقي، بل إننا لا نجزم بذلك، فلعل الأسباب هي:

الأول: افتقار الشيعة في الكوفة إلى شخصية قيادية وعميد يرجع إليه في أمورهم وملماتهم، ويصدرون عن رأيه وقراره وأمره، خصوصاً في فترة ما بعد الإمام الحسن الزكي(ع).

نعم هناك وجهاء وأشراف متعددون من الشيعة في الكوفة، لكل منهم تأثيره في قبيلته، لكنهم لا تصدر عنهم مواقفهم إزاء الأحداث الكبرى المستجدة عن تنسيق بينهم وتنظيم يوحد بين تلك المواقف، وينفي عنها التشتت.

وقد ساعد على ترسيخ هذه الحالة السياسة التي مارسها معاوية في المجتمع الكوفي من خلال خلق الفرقة والتناحر بين القبائل والإرهاب والقمع والمراقبة الشديدة التي ترصد الأنفاس والاضطهاد المرير والقتل الذي تعرض له الكثير من الشيعة، ومن زعمائهم خاصة.

فهذا أدى إلى وجود منهج الحذر المفرط بين الناس طيلة تلك الفترة الزمنية التي تمتد إلى عشرين سنة.

ويشهد لما ذكرنا الرسائل التي وصلت إلى الإمام(ع) وهو في مكة حيث أنه لو كان لهم عميد لما كتبت الرسائل من خلال أشخاص متعددين، بل كتبت من خلال جهة واحدة تحكي عن واقع المجتمع ورأيه.

الثاني: انقسام الولاء في القبيلة الواحدة، حيث أنه لا يكون جميع أفرادها على منهج واحد في الانتماء، إذ تجد في القبيلة الواحدة من يكون منـتمياً للخط العلوي، ومن يكون منـتمياً للحزب الأموي، بل ربما كان المنـتمون للحزب الأموي أكثر من المنـتمين للخط العلوي.

ولا يـبعد أن تكون هذه المشكلة سبباً رئيساً منع زعماء القبائل من التحرك والثورة في وجه الحكم الأموي وضده علانية.

الثالث: الشلل النفسي وازدواجية الشخصية، والوهن المتمثل في حب الدنيا والسلامة، وكراهية الموت، في جلّ أهل الكوفة آنذاك خاصة، والأمثلة على هذا كثيرة، يجدها المتـتبع في الكتب التاريخية.

——————————————————————————–

[o1]أنساب الأشراف ج 3 ص 151-152.

[o2]الإرشاد ص 200.

[o3]الإرشاد ص 203، تاريخ الطبري ج 3 ص 277.

[o4]الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 553.

[o5]اللهوف ص 107.

[o6]الإرشاد ص 203.