18 يناير,2019

تأملات في الخطاب الحسيني يوم عاشوراء(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

لا زال حديثنا مستمراً حول الخطاب الذي ألقاه الإمام الحسين(ع) صبيحة يوم عاشوراء في العسكر الأموي الذي كان مجتمعاً لحربه، وقد تقدم الكلام منا حول بعض المضامين التي تضمنها ذلك الخطاب، ونشير لبعضها الآخر بمقدار ما يستع له هذا المجال إن شاء الله تعالى.

ويحكم، أهؤلاء تقصدون وعنا تـتخاذلون:

لا يخفى أن هذه الكلمات الصادرة من الإمام الحسين(ع) تشير إلى أعظم ردة في حياة الإنسان، إذ ينقلب فيها الإنسان على نفسه، فيحب عدوه ويعادي وليه، وهو بمعنى أن ينسى الإنسان نفسه.

لأن نفس الإنسان حب وبغض، يحب أولياءه ويبغض أعدائه، فإذا نسى الإنسان نفسه، نسى من يجب أن يحب، ومن يجب أن يـبعض، وأعظم من ذلك أن ينقلب عنده الحب والبغض، فيحب عدوه ويبغض وليه.

وهذه الحالة هي التي يعاقب الله سبحانه وتعالى الذين ينسونه، فينسيهم أنفسهم، قال تعالى:- ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم).

والذين خاطبهم الإمام الحسين(ع) يوم عاشوراء، كانوا من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ونسوا حبهم وبغضهم، فأحبوا بني أمية، وكان عليهم أن يعادوهم، لما جنت أيديهم من الظلم والعصيان، وقاتلوا أولياءهم الذين أمر الله تعالى المسلمين بمودتهم وأتباعهم في آيات محكمات من كتابه العزيز، فلاحظ قوله تعالى:- ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، وقوله تعالى:- ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة وهم راكعون).

ولا يخفى على المتأمل في هذا الخطاب، والمدقق في هذه الكلمات، مدى الألم النابع من قلب الإمام(ع) إشفاقاً على هؤلاء لهذه الحالة التي وصلوا إليها من البؤس، وليس لأن الإمام الحسين(ع) قد فقد نصرتهم له في محنـته، وجهاده ضد الطغاة والظلمة.

يا عبيد الأمة وشذاذ الأحزاب(الآفاق):

بعدما تعرض(ع) لبيان المواصفات التي يمتلكها هؤلاء القوم المستعدين لقتاله، والساعين لنصرة أعدائهم على أوليائهم، عمد إلى بيان أن هذه الصفات إنما هي صفات العبيد، فأشار إلى أن الذي صدر منهم إنما هو أخلاقية العبيد، لأن العبيد ولائهم لمن يشتريهم، فليس لولائهم أصل ثابت، فمن يشتريهم من سوق النخاسة يستحق ولاءهم، سواء كانوا يحبونهم أم كانوا يحقدون عليهم، فيتحول ولائهم من مولى إلى مولى في سوق النخاسة في لحظة واحدة، عندما يدفع المولى الجديد الثمن إلى المولى القديم، وعندما يدفع المولى القديم السوط إلى المولى الجديد.

فهم في ساعة واحدة ينسون ولاءهم وحبهم القديم، ليقدموا إلى المولى الجديد ولاءهم الجديد.

ثم أشار بقوله(ع): وشذاذ الأحزاب، إلى أن القاعدة تقضي بأن يكون ولاء الناس إلى أحزابهم، في السراء والضراء، وفي الهزيمة والانتصار.

لكن شذاذ الأحزاب، يشذون عن هذه القاعدة، فيكون ولائهم لغير أحزابهم، بل يكون ولائهم للمنـتصر دائماً، حقاً كان أم باطلاً.

وهذه حالة ولاء سياسية عائمة، لها مدلولات نفسية خطيرة، تكشف عن فقدان الأصالة والقيم في النفس، والتبعية المطلقة للمنـتصر والقاهر والانسلاخ الكامل من الذات والقيم.

فسحقاً لكم يا عبيد الأمة وشذاذ الأحزاب:

ولما بيّن(ع) حقيقة هؤلاء من خلال كونهم عبيداً، وأنهم شذاذ الأحزاب، عمد إلى الدعاء عليهم، بالبعد من رحمة الله سبحانه وتعالى، لأن السحق يعني البعد، والإمام(ع) ينطق هنا في هذا الدعاء عن سنن الله، ذلك أن لرحمة الله تعالى منازل في حياة الإنسان تنـزل عليه منها الرحمة، فإذا ابتعد الإنسان عن هذه المنازل ابتعد عن رحمة الله، وهذه سنة الله في عباده، ولنـتأمل في هذه السنة، إن بين رحمة الله الهابطة على الناس ومنازل هذه الرحمة علاقة متبادلة.

فالرحمة النازلة تُفعّل مواضع نزولها، فإذا نزل المطر على أرض اخضرت وأثمرت وأينعت وازدهرت وآتت أكلها، وهذا هو فعل الرحمة النازلة بمواضع نزولها.

ومواضع الرحمة تستـنـزل الرحمة، ولا تنـزل الرحمة على مواضعها إلا إذا كانت مؤهلة لنـزول الرحمة، وهذا التأهيل هو الطلب التكويني، لرحمة الله بلسان الاستعداد، ولابد من هذا التأهل والاستعداد لقبول الرحمة حتى تـنـزل الرحمة، وبعكسه الإعراض عن رحمة الله، فإنه يدفع الرحمة ويُـبعّدها.

ومن المعلوم أن الرحمة الإلهية نازلة لا تنقطع، ولكن هناك عوامل لاستقبال رحمة الله، تستـنـزل الرحمة، وعوامل لرفض رحمة الله.

وهذا المعنى الذي ذكرناه نراه جلياً واضحاً في دعاء العبد الصالح نبي الله نوح(ع) على قومه، قال تعالى:- ( وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً).

ولا يخفى أن هذا دعاء عجيب، ينطق فيه نوح(ع) بسنن الله في نزول الرحمة وانقطاعها، لقد نضب فيهم كل استعداد لقبول الخير، وكل استعداد بطلب الرحمة، قال تعالى:- (ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً) فعلى ماذا تنـزل رحمة الله؟…

إن لرحمة الله تعالى في حياة الإنسان منازل تنـزل عليها، فإذا انعدمت هذه المنازل ونضب معينها في نفس الإنسان، فلا يـبقى لرحمة الله تعالى موضوع في حياة الإنسان فيستحقون عندئذٍ البعد من رحمة الله.

فالإمام الحسين(ع) في يوم عاشوراء يدعو الله تعالى على هؤلاء، لأن هذه القلوب فقدت كل القيم التي هي منازل الرحمة في نفوسهم، فلم يـبق لنـزول رحمة الله تعالى موضع في نفوس هؤلاء وحياتهم، فيقول(ع): فسحقاً يا عبيد الأمة.

غدر قديم وشجت عليه أصولكم:

فإذا بلغ الإنسان إلى هذه المرحلة، فإن الشر الذي كان بالنسبة إليه بمثابة الحالة الطارئة والعارضة عليه، يتحول بالنسبة إليه إلى حالة أصيلة عريقة داخل النفس، وكما أن للخير عراقة وأصالة كذلك للشر عراقة وأصالة، وجذور الخير تمتد إلى الفطرة والعقل والضمير والقلب، وجذور الشر تمتد إلى الهوى، وعندما يتأصل الشر والهوى في النفس يفقد صاحبه كل منابع الخير في نفسه وتنضب في قلبه وضميره وعقله وفطرته كل جذور الخير وأصوله.

ويدخل عامل الوراثة في تأصيل حالة الخير وحالة الشر معاً، وينبغي هنا الإلتفات إلى أننا لا نقرر أن الوراثة عامل قهري في تأصيل الخير والشر، وإنما نقرر أن عامل الوراثة له دور هام في تأصيل الخير والشر.

فإن الوراثة تنقح الخير وتنقح الشر، ولكن من دون إجبار وقهر، ومن هنا فإن البشرية تنشطر إلى شطرين:

الشجرة الطيـبة، والشجرة الخبيثة، كل منهما شجرة، وللشجرة جذور وثمار وتتشابه الجذور والثمار في الشجرة، فإن الجذور أصل الشجرة والثمار فرعها، والشجرة واسطة في نقل الخصائص من الجذور إلى الثمار.

وكذلك الشجرة الطيـبة والشجرة الخبيثة، كل منهما ينقلان الطيب والخبيث من الأسلاف إلى الأبناء فيتعرق في كل منهما الخير والشر.

وبالتالي فهاتان الشجرتان تشكلان خطين في تاريخ البشر، خطاً صاعداً، مستمراً في

الصعود، وخطاً هابطاً مستمراً في السقوط، فالأسرة الإبراهيمية في صعود، والأسرة النمرودية في سقوط. والأسرة الموسوية في صعود، والأسرة الفرعونية في سقوط.

ثم إن قانون الوراثة ينقح هذا الصعود، وذلك الهبوط، فلا يخـتص فقط بنقل خصائص الخير والشر من الأسلاف إلى الأبناء، وإنما ينقحه ويصفيه ويفرز الشر عن الخير، ويفرز الخير عن الشر، وكلما يمرّ الزمن على هاتين الأسرتين تـتسع الفاصلة بينهما، حتى إذا خلصت نفوسهم عن الخير ونضب معين الخير في نفوسهم، نزل عليهم العذاب لأنهم لا يستحقون الرحمة، عندئذٍ وكما حدث في عهد النبي نوح(ع)، والذي حدث في عهد نبي الله نوح(ع) يحدث في أي وقت آخر فتنـتهي الأسر الخبيثة، وتسقط فتبدأ دورة جديدة من التاريخ.

والحاصل، إن قانون الوراثة ينقل خصائص الطيّب والخبيث من جيل إلى جيل وينقح الطيّب والخبيث معاً.

وإلى هذا القانون(قانون الوراثة) يشير المولى أبو عبد الله الحسين(ع) في هذه الكلمة التي نحن بصدد الحديث عنها: أجل والله غدر فيكم قديم، وشجت عليه أصولكم، وتأزرت عليه فروعكم، فكنـتم أخبث شجى للناظر وأكلة الغاصب.

فقوله(ع): وشجت، يعني اشتبكت، وتأزرت، يعني هاجت. وهو في هذه العبارة يشير إن هذا الغدر فيكم أصيل وعريق، ورثه الأبناء من الآباء، اشتبكت عليه أصولكم وتأزرت وهاجت وتنقحت عليه فروعكم، فأنتم أخبث ثمر للشجرة الخبيثة.

بقي أن نشير في الختام إلى أن قانون الوراثة الحياتية(البايولوجية) ليس من الضروري أن ينطبق على قانون الوراثة في القيم والسلوك والأفكار، فقد يتخالفان تماماً، والنماذج والشواهد على ذلك كثيرة يجدها المتـتبع.