18 يناير,2019

تأملات في الخطاب الحسيني يوم عاشوراء(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

لما أصبح الإمام الحسين(ع) يوم عاشوراء وبعدما صلى بأصحابه صلاة الصبح، عبأهم للقتال، بعدما خطب فيهم، وأخبرهم أن الله تعالى أذن في قتله وقتلهم، ثم عمد إلى خطاب القوم، فألقى فيهم خطبتين، جاء في إحداهما:…. سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً أقتدحناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيها.

وعندما نحاول التأمل في هذه الكلمات نجد أنها تنطوي على العديد من المضامين، لكننا نحاول أن نتعرض لمقتطفات منها بصورة موجزة.

سللتم علينا سيفاً في أيمانكم:

يتعرض(ع) في هذا المقطع إلى قسمين من أقسام الناس في خارطة الصراع، ذلك لأن الناس على خارطة الصراع ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، أو إلى ثلاث طوائف:

الأولى والثانية: هما طرفا الصراع، والثالثة الفئة المتفرجة على ساحة الصراع، المتخلفة عن الحق، وهي شريحة واسعة من المجتمع.

أما بالنسبة إلى الطائفتين الأولى والثانية، فهما يدفعان ضريـبة الصراع، التي هي تساقط الأيدي والرؤوس، وهي تعم طرفي الصراع على نحو سواء، فلا يخـتص ذلك بجانب الحق، أو بجانب الباطل، وهذه سنة الله تعالى في كل صراع، قال تعالى:- ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون).

وقال سبحانه:- ( إن يمسسكم الله بقرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس).

هذا ويتميز جانب الحق في هذا الصراع بتأيـيد الله تعالى وإسناده تعالى ونصره لهم في الصراع، وقد وعد الله تعالى المؤمنين بذلك، يقول عز من قائل:- ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)، وقال سبحانه:- ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي).

وهو ما يرجوه المؤمنون من الله سبحانه وتعالى في ساحة الصراع،:- ( وترجون من الله ما لا يرجون).

ولهذا الرجاء أثر في تطمين ودعم نفوس المؤمنين في ساحة المعركة، أما النصر الإلهي فهو الذي يقرر نـتيجة الصراع لصالح المؤمنين. هذا كله بالنسبة للفئـتين المتقاتلتين.

وأما بالنسبة للفئة الثالثة، فهي فئة معقدة، شديدة التعقيد، سهلة الانزلاق إلى جانب الباطل مكشوفة للعدو، وهذه الخصائص تجعل هذه الفئة معرضة للانزلاق إلى جانب الباطل في كل حال.

وهؤلاء هم الذين يخاطبهم الإمام الحسين(ع) في يوم عاشوراء، فقد غمد هؤلاء سيوفهم في أيام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، والإمام الحسن الزكي(ع)، وتخاذلوا عن نصرة الأمير في صفين، وعن نصرة الحسن الزكي(ع) بعد ذلك، حتى التجأ الإمام المجتبى(ع) لأن يهادن معاوية للإبقاء على من تبقى من شيعة أبيه أمير المؤمنين(ع).

فلما غمدوا سيوفهم عن نصرة الإمامين الهمامين(ع)، سلها معاوية وبعده ولده يزيد في وجه الحسين(ع) يوم عاشوراء.

ولم يطل الغمد بهذه السيوف، فإن ساحة الصراع ترفض المتفرجين والمتخلفين، ومن لم يقف مع الحق في ساحة الصراع وآثر العافية على ضرّاء القتال لابد أن يقف إلى جانب الباطل في وقت قريب، فإن مواقف أنصار الحق ثابتة وحصينة لا ينال منها العدو، ومواقف المتخلفين سهلة الانزلاق إلى جانب العدو، ومكشوفة لهم يسهل لهم الوصول إليها، وإغراؤهم واستمالتهم إليهم أو إرهابهم وإرعابهم على مثل هذا الانقلاب إلى جهة الباطل.

ومن هنا نقول: إن مواقع الناس في ساحة الصراع تؤول إلى موقعين في النتيجة النهائية، أما الوقوف إلى جانب الحق ولاء، وبراءة، وأما الوقوف إلى جانب الباطل من الولاء والبراءة، كذلك.

هؤلاء هم الذين يخاطبهم الإمام الحسين(ع) في ساحة كربلاء المقدسة، غمدوا سيوفهم عن أخيه الإمام الحسن المجتبى(ع)، من قبل، وهاهم يسلون سيوفهم عليه اليوم في كربلاء الشهادة.

فيقول(ع) لهم: سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم…والسيف: إشارة إلى القوة، وقد كان العرب قبل الإسلام أمة معزولة في الصحراء عن العالم، ضعيفة، لا قوة لها، ولا سلطان، ولا مال، فمكنهم الإسلام من القوة والمال، وحملهم رسالة التوحيد، وفتح لهام مشارق الأرض ومغاربها، وجعلهم سادة وأئمة وحكاماً على وجه الأرض.

والشام كانت يومئذ مركزاً لهذا السلطان الذي جاء به الإسلام إلى العرب، وكانت تبسط نفوذها السياسي والعسكري على أجزاء واسعة من آسيا وأفريقيا. فيقول المولى الحسين(ع) لهم في كربلاء يوم عاشوراء: إن الله هداكم بجدي محمد رسول الله(ص) ورزقكم به هذا السلطان الواسع على وجه الأرض، وجعلكم أئمة وسادة في الأرض به، فهذا السلطان(السيف) لنا في أيمانكم…ولكنكم تخاذلتم من نصرة أبي وأخي من قبل وغمدتم سيوفكم عن نصرتهم، وها أنتم اليوم تسلون السيف الذي جعله رسول الله(ص) في أيمانكم، بوجه ابن بنت رسول الله وتقاتلون به.

وقد كان أحرى بكم أن تقاتلوا بهذا السيف معاوية بن أبي سفيان من قبل إلى جانب أبي وأخي، ويزيد بن معاوية إلى جانبي.

وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدونا وعدوكم:

هذه العبارة يخبر فيها (ع) عن نار، لكن ما هي هذه النار التي يتحدث عنها المولى(ع) في يوم عاشوراء؟… ومن اقتدحها؟…وأين اقتدحها؟…

الظاهر أن هذه النار هي انفجار النور الهائل في جزيرة العرب، وكانت تحمل إلى البشرية وهجاً ساطعاً أنار قلوب الناس وعقولهم في الشرق والغرب، ودخل كل بيت، وبهذا النور أذهب الله عن الناس ظلمات الجاهلية، فتحول هذا النور إلى إيمان وإخلاص وعطاء ويقين، وقيم وتضحية، وصلاة، ودعاء، وإلى مدارس للعلم، ومساجد للعبادة، انتشرت على وجه الأرض، وإلى ثورات وحركات للمظلومين على الظالمين، كما أحرقت هذه النار عروش الطغاة والجبابرة في فارس والروم ومصر، وكسرت الأغلال والقيود من معاصم الناس وأقدامهم وأطلقتهم من أسر الظالمين.

واقتدح رسول الله(ص) هذه النار في جزيرة العرب، ثم عمت الدنيا كلها، فلم يمض على هذه القدحة خمسون سنة، حتى كانت هذه النار تنير مشارق الأرض ومغاربها.

اقتدحها رسول الله(ص) في هذا الوسط الجاهلي من جزيرة العرب، ولم ينـتخب لهذه الدعوة طبقة معينة، وإنما فجر كوامن الفطرة والعقل في نفوس من استجاب منهم لهذه الدعوة، وجعل منهم قوة هائلة هزمت جيوش الفرس والروم وأطاحت بعروش كسرى وقيصر.

فكما أن المهندس يستخرج من الصخرة المعتمة الباردة، النور والحرارة، وكما يستفاد من الخشب المعتم البارد، النور والحرارة، كذلك فجر رسول الإنسانية محمد(ص) كوامن الفطرة والعقل والضمير في نفوس هؤلاء الناس الخاملين في الجزيرة، فجعل منهم قمماً في الصلاح والتقوى والقوة والصمود والإيمان والخشوع، استطاعوا فيما بعد أن ينشروا هذه الدعوة على وجه الأرض، ويكونوا سادة وأئمة وقادة للبشرية، بعد أن كانوا منـزوين عن الحضارات في رقعة صحراوية غير ذات زرع.

لكنه، لم يمض على رحيل رسول الله(ص) الذي اقتدح هذه النار فيهم ليحرق بها عروش الظالمين، خمسون سنة، حتى حرق الناس بهذه النار أبيات آل رسول الله(ص)، فحرقوا بها باب علي وفاطمة(ع)، وحرقوا بها خيام الحسين(ع) في كربلاء الشهادة.

فأي حق أضاعه هؤلاء الناس؟…وكيف ردوا لرسول الله(ص) الجميل؟…يا حسرة على العباد!!.

وقد قال الله سبحانه في محكم كتابه العزيز:- ( قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى).

فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم:

هذه هي الردة الثانية، وهي أعظم من الأولى، فقد تحدث(ع) عن الردة الأولى، عند قوله: سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، حيث تحولت السيوف من جانب أهل بيت رسول الله(ص) إلى جانب أعداء أهل البيت(ع) وخصومهم، وقد حددها الفرزدق عندما التقى الإمام الحسين(ع) عند خروجه من مكة في الطريق إلى العراق بشكل دقيق، حيث قال للإمام(ع) وقد سأله عن الناس: قلوبهم معك وسيوفهم عليك.

وهو تشخيص دقيق للحالة النفسية والسياسية للناس يومئذٍ، فقد كانت قلوبهم مع الحسين(ع) حتى ذلك الوقت، لكن مواقفهم السياسية كانت لبني أمية، وهذه هي البداية، وهي الردة الأولى.

مع أن الحالة السوية، هي أن تـتوافق القلوب والسيوف في جانب الحق، فإذا تخالفت السيوف والقلوب، فتلك هي المحطة الأولى للردة.

والمحطة الثانية للردة، هي أن تـتوافق القلوب والسيوف على عداء وقتال أهل البيت(ع)، وهذا هو الذي يحدثنا عنه الإمام(ع) في هذه الفقرة: فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم.

والإلب: القوم يجمعهم عداء واحد. ولكي يتضح المراد من هذه الفقرة بشكل أكبر، لابد من توضيح هذه الكلمة، فنقول:

إن الأمة مجموعة من الناس يجمعهم ولاء واحد وبراءة واحدة، وهذا هو أسلم وأدق تعبير للأمة.

وهذه الأمة يجمعها الولاء لله ولرسوله ولأئمة المؤمنين(ع)، قال تعالى:- ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)فمن يقبل بهذا الولاء، فهو من هذه الأمة، ومن يرفض هذا الولاء أو بعضها، فليس من هذه الأمة.

وتجمع هذه الأمة براءة من الطاغوت الذي أمرنا الله تعالى أن نكفر به، وبراءة من المشركين فمن تبرأ منهما دخل في هذه الأمة، ومن لم يتبرأ منهما لم يدخل في هذه الأمة:- ( أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، فيقول(ع) في نهار عاشوراء الشهادة: لقد كانت تجمعنا بكم براءة واحدة من أعداء الله وعداء واحداً لهم، وولاء واحداً لأولياء الله، وقد أصبحتم اليوم إلباً لأعدائكم على أوليائكم.

يجمعكم بأعدائكم العداء لأوليائكم، بعكس ما يجب أن يكون تماماً، والحالة السوية أن يجمعكم بأوليائكم العداء لأعدائكم، وهذه ردة كاملة بعد الردة الأولى، وهي المحطة الثانية من الردة، وهو تعبير دقيق جداً لحال الناس الذين خاطبهم الإمام الحسين(ع) في عاشوراء.

وهذا هو الانقلاب في بؤرتي(الحب والبغض) أو (الولاء والبراءة) وهو أقصى درجات الردة في شخصية الإنسان.

بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم:

يشير(ع) في هذا المقطع إلى أن القلوب قد تغيرت، فتحولت من الهدى إلى الضلال، ومن أولياء الله إلى أعدائه، وانقلبت من الولاء إلى البراءة، ومن البراءة إلى الولاء، دون أن يتغير بنو أمية عما كانوا عليه: بغير عدل أفشوه فيكم.

هاهم بنو أمية يمارسون الظلم، كما كانوا يمارسونه من قبل وأمعنوا في الظلم والضلال، وأسرفوا على أنفسهم في ذلك أيما إسراف، فلم يحدث انقلاب في واقع بني أمية، إنما الذي حدث ردة في القلوب، من محور الولاء إلى البراءة، ومن محور البراءة إلى الولاء، فإن هؤلاء الناس انقلبوا من ولاء أهل البيت إلى ولاء بني أمية، دون أن يتغير أهل البيت(ع) عما كانوا عليه من الهدى والصلاح، أو يتغير بنو أمية عما كانوا عليه من الضلال والظلم.

ولكن الناس انقلبوا من البراءة من بني أمية إلى البراءة من أهل البيت(ع) وقتالهم، ومن الولاء إلى أهل البيت(ع) إلى الولاء لبني أمية.

ولا أمل أصبح لكم فيهم، وكما لم يكن هذا الانقلاب بسبب حصول انقلاب في بني أمية من الظلم إلى العدل، كذلك لم يكن بسبب أن الناس أصبح لهم أمل عدل بني أمية بعد ذلك.

إذن لم ينخدع الناس ببني أمية، عندما والوهم، وقاتلوا أعداءهم وخصومهم. فإذا لم يكن الناس مخدوعين، فماذا جرى في نفوسهم حتى انقلبوا من آل رسول الله إلى آل أمية؟…

إن الذي حدث هو أن بني أمية أذلوهم بالإرهاب والطمع. وفرق بين الخداع والإذلال، فإن الذي ينخدع بعدوه، يُحِبُ عدوه ويواليه ويحارب أعداءه خطأً، وهذا عجز في الوعي والمعرفة، وليس ذُلاً وعجزاً في الكرامة.

وأما الذي يوالي عدوه ويعطيه سيفه وماله ثم يعيطه قلبه وحبه وهو يعلم أنه له عدو، فهذا هو الذل بعينه وانعدام الكرامة.

وهذا لن يكون في أمة إلا بالإذلال، والإذلال قد يكون بالإرهاب والقوة، وقد يكون بالمال والذهب.

وقد استعمل الأمويون كلا الأمرين، الإذلال بالقوة، والإرهاب والإذلال بالمال والسلطان، فأذلوا الناس.

نعم استعملوا التغرير والإعلام والخداع، إلا أن إسرافهم في الظلم والترف والمعصية كان أظهر من أن يخفى على أحد.