18 يناير,2019

براءة الشيعة من قتل الحسين(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

يلصق بعض أبناء العامة تهمة بالشيعة، بأنهم هم الذين قتلوا الإمام الحسين(ع)، وذلك من خلال ذكر بعض المقدمات التي تكون نتيجتها هذه الدعوى، وتوضيح ذلك، من خلال هاتين المقدمتين:

الأولى: لقد أجمع المؤرخون على أن الذين خرجوا لقتال الإمام الحسين(ع)، كانوا كلهم من الكوفة، وليس بينهم شامي، ولا حجازي، ولا بصري.

الثانية: إن الثابت تاريخياً أن الكوفة كانت كلها شيعة لأهل البيت(ع)، ولهذا اختارها علي بن أبي طالب لتكون مقراً لخلافته ومركزاً لدولته لما استلم منصب الخلافة، ولا أقل إن لم تكن كلها متشيعة لأهل البيت(ع)، فلا ريب في أن الغالب عليها هو ذلك.

وبضم هاتين المقدمتين إلى بعضهما، نصل إلى النـتيجة التالية، وهي:

إن الذين قتلوا الحسين(ع) بكربلاء، هم الشيعة. وعلى هذا يفسر زيارة الشيعة لمرقد الإمام الحسين بن علي(ع) بكربلاء، وبكائهم عليه طيلة أيام السنة، وخصوصاً أيام عاشوراء، وغير ذلك من مظاهر الحداد التي يقيمونها عليه، بأنه ندم وتكفير لما فعله سلفهم وآبائهم من قبل، وتعبير عن مدى إحساسهم بقبح الجريمة التي أرتكبها هؤلاء.

وهذه الشبهة كي نتمكن من الإجابة عنها، لابد في البداية من أن نـتعرف على المجتمع الكوفي، وعلى العناصر التي يتكون منها، لأنه متى استطعنا أن ننقض إحدى هاتين المقدمتين، أمكننا حينها أن نبطل النـتيجة، لأنها تعتمد اعتماداً كلياً على هاتين المقدمتين، وبظهور بطلان إحداهما، لن تكون النـتيجة المدعاة متحققة حينئذٍ.

هذا ولم ينحصر الاتهام المذكور بما ذكرناه عن بعض أبناء العامة، بل دأب المؤرخون على اتهام أهل العراق بأنهم الذين دعوا الإمام الحسين(ع) لينصروه، ثم أنهم عدوا عليه فقتلوه.

الإمام الحسين(ع) وأهل الكوفة:

هذا ولو أردنا أن ننظر الموضوع بشيء من الإنصاف والموضوعية، لوجدنا التالي:

1-إن دعوة أهل العراق للإمام الحسين(ع) دون غيرهم من الشعوب الإسلامية نقطة تسجل لصالحهم، خصوصاً وهم الذين خبروا حال الحكم الأموي والتفاف الشاميـين حوله، ولم ينسوا عجزهم عن القضاء على هذا الحكم، وحكمه ينحصر في ولاية الشام فقط، فكيف يطمعون في القضاء عليه وهو يحكم ما بين الهند وشمال أفريقيا، وهم أضعف بكثير عما كانوا عليه في السابق؟…

2-إن استجابته(ع) ما كانت لتـتم لولا يأسه من تجاوب باقي الأقاليم الإسلامية مع حركته، رغم بقائه أكثر من أربعة أشهر في مكة المكرمة، منـتظراً غضبة المسلمين لدينهم وكرامتهم، بعد رفضه البيعة ليـزيد، ولا مجيب غير أهل العراق.

3-لقد كانت الكوفة في زمن الإمام أبي عبد الله الحسين(ع) خليطاً من الشعوب والديانات والقبائل والمذاهب السياسية، ولم يكن الشيعة يمثلون آنذاك سوى أقلية ضعيفة ومرصودة من الجميع. ويشهد لما ذكرنا ملاحظة عدة أمور ونواحي:

من الناحية القومية:

ينبغي علينا أن نـتعرف في البداية على التركيـبة السكانية للمجتمع الكوفي في وقت النهضة الحسينية، إذ كان يعيش في الكوفة أقوام من الفرس والروم والترك والأكراد، وأكثرهم من بقايا الجيش الفارسي المهزوم من أسرى الحرب، وكان هؤلاء يشكلون حوالي نصف سكان الكوفة أو أكثر، وكان منهم شرطة ابن زياد وجهازه الأمني، وقد بلغ من استفحال أمر هؤلاء الموالي أن نسبت الكوفة إليهم، فقيل: الكوفة الحمراء، باعتبار أن أكثر هؤلاء الموالي هم من الشعوب الآرية التي تميل ألوان بشرتهم إلى اللون الأحمر.

من الناحية الدينية:

هذا ولم يقتصر التركيب السكاني للمجتمع الكوفي على خصوص من ذكرنا، بل كان هناك عدد غير قليل من اليهود والنصارى، وكانت بأيديهم مصانع السلاح ومصادر المال والذهب، وكانوا يمولون السلطات في سعيها لقمع حركة مسلم بن عقيل(ع)، ولإغراء الناس بالأموال وتـثبيطهم عن نصرة الإمام الحسين(ع).

ومثل هذا الوجود لليهود والنصارى في هذا المجتمع يجعلنا نخرج بنقطة مهمة أيضاً، وهي نفي الصبغة الإسلامية التامة عن المجتمع الكوفي، فضلاً عن الصبغة الشيعية المطلقة كما يتصوره الكثير، حيث أن وجود عدد من اليهود والنصارى، ولو كان بنحو من الأقلية يمنع من إعطاء صورة مطلقة للمجتمع الكوفي بحيث يقال إنه علوي النـزعة بأكمله، فلا وجود فيه لتيار إسلامي أو معتقد ديني آخر.

من الناحية السياسية:

هذا ومن أهم النقاط التي ينبغي ملاحظتها ونحن نسعى لدراسة المجتمع الكوفي وتركيـبته السكانية، عدم إغفال الانتماءات السياسية لأبناء هذا المجتمع، لأن ذلك ينفع كثيراً في تحديد الشخصيات التي خرجت لقتال الحسين(ع)، وأنها كانت تنـتمي سياسياً للخط العلوي الحسيني أو أنه كان لها انتماء سياسي آخر.

هذا والصحيح أننا عندما ندرس المجتمع الكوفي من ناحية الانتماء السياسي نصل إلى أنه كان يحتوي على أحزاب عديدة، فهناك الحزب الأموي، كما كان هناك الحزب الحاكم، وكان هناك حزب الزبيريـين، كما كان هناك حزب الخوارج، وقد كانت هناك الانتماءات الشيعة التي تمثل خط الموالين لأهل البيت(ع).

ولا يخفى على أحد من المتأملين في المصادر التاريخية أن مراكز القوة والتأثيرات السياسية والاجتماعية والأمنية، كانت بيد الأمويـين، ومن ينـتمي إليهم.

من الناحية القبلية:

لقد كانت أكثر قبائل العراق موالية للأمويـين، وكانت الأموال تصرف بسخاء لشراء زعماء تلك القبائل.

ومن الواضح أن هذا وأمثاله قد سهل على ابن زياد الانفراد بالأقلية الشيعية وشلّ حركتها ومنعها من نصرة الإمام الحسين(ع).

ومن هذا الخليط غير المتجانس تكوّن الجيش الذي قاتل الإمام الحسين(ع) في كربلاء، وهو ما يفسر لنا كثيراً من المواقف التي حدثت في ساحة المعركة، لقد كان القوم يقولون للحسين(ع): إنما نحاربك بغضاً لك ولأبيك. ولا يخفى على أحد أن مثل هذا الكلام إنما هو كلام حاقد موتور، وليس كلام محب غيور على الوقوف مع الجيش الأموي.

وفي المقابل نجد الإجابة الصادرة من الإمام الحسين(ع) توضح لنا أنه(ع) على علم بهوية هذا الجيش، فنراه يخاطبهم: يا شيعة آل أبي سفيان.

نعم لقد اشتركت الكوفة بكل مكوناتها التي مرّ ذكرها في قتل الحسين(ع)، ولم يتخلف أحد سوى الشيعة الذين قمعوا وبمنـتهى القسوة، ومما يؤسف له أن التاريخ الظالم لم يجد أحداً يعلق برقبته تلك الجريمة الشنعاء سوى شيعة الإمام(ع) وأنصاره.

فقتلة الإمام الحسين(ع) ومن أجل أن يـبعدوا التهمة عن أنفسهم اتهموا شيعة الإمام(ع) من أهل الكوفة بأنهم هم الذين قتلوه.

إن هذا التخطيط غير المتجانس في المجتمع الكوفي كان من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الحيلولة بين شيعة الكوفة ونصرة الإمام الحسين(ع).

ويتجلى ذلك من خلال عدة اعتبارات:

الأول: إن مجتمعاً خليطاً كهذا تكون فيه عملية تجميع القوى وتوحيد الصفوف أمراً هو أقرب إلى المستحيل، بينما تسهل فيه عملية التفرقة والتفكيك والهدم.

الثاني: إن سلاح الإشاعة يكون أكثر تأثيراً وتدميراً للمعنويات في مثل هذا المجتمع الخليط.

الثالث: إن الذين بايعوا مسلم بن عقيل ليس كل أهل الكوفة، بل الأقلية الشيعية فقط، ولذلك وعندما دخل ابن زياد إلى الكوفة انضم إليه باقي الفئات من غير الشيعة، طمعاً أو خوفاً، وهكذا فقد سخرهم ابن زياد لرصد الشيعة ومحاربتهم ومنعهم من نصرة الحسين(ع).

هذا ولعل قائلاً يقول: إذا كان المبايعون لمسلم بن عقيل(ع) هم خصوص الشيعة، فهذا يعني أنهم كانوا يمثلون عدداً كبيراً من التركيـبة السكانية للمجتمع الكوفي، بملاحظة النصوص التاريخية المتحدثة عن عدد المبايعين لمسلم(ع)، فلماذا تخلو عن نصرة الإمام الحسين(ع)، وكيف يثبت عدم خروج أحد منهم في العسكر الذي خرج لقتاله؟…

ولا يخفى أن هذا يمكن أن نجيب عنه، بملاحظة أننا لا ننفي وجود مبايعين لمسلم(ع) من غير الفئات الشيعة، لأننا لو درسنا جوهر المجتمع الكوفي، لوجدنا في التركيـبة السكانية لهذا المجتمع غير المرتزقة الذين يـبحثون عن مصالحهم الشخصية، فينعقون وراء كل حركة ما دام يحتمل فيها أن تدر عليه شيئاً من المصالح، الخوارج على سبيل المثال، وهم موتورون من بني أمية، كما أن هناك نفس الحمر الذين استعبدوا من قبل طغاة الحكم الأموي، فضلاً عن غيرهم، فلا يـبعد أن هؤلاء الذين كانوا يسعون لزحزحة الحكم عن بني أمية قد بايعوا سيدنا مسلم(ع)، لكن بيعتهم لم تكن بالبيعة الصادقة، بقدر ما كانت بيعة ذات أهداف ومصالح، ولهذا عبرنا بما عبرنا به، فلاحظ.

على أن هناك ما يدعو للتأمل في قبول مثل هذه النصوص المتعرضة لمثل هذا العدد الكبير في المبايعين، ربما نشير له فيما يأتي، فأنتظر.

الرابع: لقد استعمل ابن زياد مختلف أساليب الترغيب والترهيب مع مجتمع يعيش منذ عقدين من الزمن أجواءاً إرهابية بوليسية، وقمعاً شرساً ومستمراً، وتجويعاً وإذلالاً، فاشترى من يمكن شراؤه من الوجهاء، وكبار القوم والأشراف، وحاول من خلالهم شراء الآخرين وهو ما تكشفه وصيته لهم: أشرفوا على الناس فمنّوا أهل الطاعة بالزيادة والكرامة، وخوّفوا أهل المعصية بالحرمان والعقوبة، وأعلموهم وصول الجنود من الشام[o1] .

وقد اصطف معه كثيرون من الفئات الأخرى الناقمة على الشيعة، ثم أشاع بأن جيوشاً شامية كثيفة تقترب من الكوفة مما أثرّ على معنويات الناس، حيث وجدوا أنفسهم على وشك الاصطدام وجهاً لوجه مع جيوش الشام، وقبل أن يعدّوا للأمر عدّته، خاصة وأنهم قد عانوا الكثير من جيوش الشام التي تنتهك كل المقدسات من قتل وسبي واغتصاب وسرقة وإذلال، وتضرب بكل قيم وأصول الحرب في الإسلام عرض الحائط.

وهذا المعنى قد أثبتـته الأحداث فيما بعد عندما استباح هذا الجيش المدينة المنورة، فضلاً عن ذلك فقد قام ابن زياد باعتقال أعداد كبيرة من شيعة الكوفة وأطرافها قبل وصول الإمام الحسين(ع)، وهو ما يعبر عنه اليوم بالقيادات والكوادر المفصلية المهمة ووجوه القوم، واستعمل القسوة والإرهاب لإخافة الناس، فأصبحوا كالجسد المشلول بلا رأس ولا أطراف.

الخامس: أن طول فترة المعاناة وكثرة ما قدم الناس من التضحيات وضعف الوعي الرسالي عند الكثير منهم، كل هذا ولد في نفوسهم الإحباط، فأصبحوا في حالة من اليأس من إمكانية نجاح أي حركة أو ثورة، وهكذا وجدنا بعضهم يثبط البعض الآخر، ويثنيه عن الزج بنفسه في معركة خاسرة ليس وراءها إلا الفشل والندم والتضحيات.

نعم كل هذا قد تغير بعد استشهاد الإمام الحسين(ع) لأن هول الصدمة قلب كل الموازين رأساً على عقب، وجعل الناس يسترخصون أرواحهم في سبيل هدم أركان هذه الدولة الباغية.

السادس: لقد حيل بين أهل الكوفة وبين الإمام الحسين(ع) بمختلف الأساليب، ومن ضمنها محاصرة الكوفة وقطع كل الطرق والمسالك منها وإليها، وذلك لمنع أي تسلل ولقطع الطريق على كل من يفكر بنصرة الإمام الحسين(ع).

——————————————————————————–

[o1]مقاتل الطالبيـين ص 67.