15 نوفمبر,2018

الهدية تورث المحبة

اطبع المقالة اطبع المقالة

الهدية تورث المحبة

 

لا ريب في أن الهدف الذي خلق الله تعالى الإنسان من أجله دخوله الجنة، وأن طريق ذلك لا يكون إلا بالقرب من الباري سبحانه وتعالى، ويعتقد الكثيرون أن تحصيل القرب ينحصر في ممارسة الجوانب العبادية، من صلاة أو صيام، أو خمس، وحج وما شابه.

 

إلا أن الذي يرجع للنصوص الشريفة يرى تأكيداً على الجوانب الاجتماعية، وحثاً على كثير من الأعمال التي تجذر العلاقات الاجتماعية، وبيان ما يترتب على ذلك من الأجر والثواب، فنرى الدعوة للمحبة، والدعوة للتآلف، والتكاتف، والتعاون، والبذل والسخاء، والنهي عن الأنانية والبخل وهكذا. وهذا يعني أن لهذه الأمور دوراً دخيلاً في الوصول إليه سبحانه وتعالى، بل ربما لا تقل أهمية عن البعد العبادي، وما اهتمام الشارع المقدس بها، والحث عليها إلا لذلك.

ومن الأعمال الاجتماعية التي عنى بها الشرع الشريف، ودعى إليها الهدية، فقد وردت نصوص عديدة في الحث عليها، وتفضليها على الصدقة، ولم تقتصر تلك النصوص على عرض الجانب التكليفي لها، بل تضمنت الحديث عن الآثار الوضعة المترتبة عليها، فقد جاء عن الرسول الكريم(ص) أنه قال: تهادوا فإن الهدية تسل السخائم، وتجلي ضغائن العداوة والأحقاد. وقال(ص): الهدية تورث المودة وتجذر الأخوة، وتذهب الضغينة، تهادوا تحابوا. فقد عرض(ص) آثاراً وضعية ثلاثة تتركها الهدية:

1-أنها تورث المحبة.                   2–تجذر الأخوة.             3-تذهب الضغينة.

 

ومن خلال ما قدم، يتضح ما للهدية من أثر معنوي، لا يقل عن الأثر المادي الذي لها، لو لم يكن أكبر، وبالتالي تكون وسيلة لإشاعة المحبة، وليست هدفاً وتكون رمزاً معنوياً لا يقدر بثمن.

هذا ولم تحدد النصوص نوع الهدية التي توجب هذه الآثار، بل يستفاد من بعضها أن أبسط الأمور يحقق هذه الآثار.

 

وكما حث الإسلام على الهدية، ودعى إليها، فقد نهى عن رفضها وردها على صاحبها، فقد قال(ص): تكرمة الرجل لأخيه أن يقبل تحفته بما عتده، ولا يتكلف شيئاً. وقد عرض(ص) في هذا الحديث أمرين مهمين:

الأول: أن القبول بالهدية نوع تكريم وتقدير من المهدى إليه للمهدي.

الثاني: أنه يلزم أن يقابل الإحسان الصادر من المهدي للمهدى إليه بإحسان منه إليه، لكنه لا يلزمه أن يجاريه في إحسانه، بحيث لا يكلف نفسه ما لا يطيق، بل يهديه ما يكون داخلاً في إطار قدرته.

وقد عدت بعض النصوص الهدية رزقاً، فقد جاء عنه(ص) أنه قال: الهدية رزق الله فمن أهدي إليه شيء فليقبله.

 

الهدية نوعان:

ثم إنه كما تكون الهدية مادية، فإنها تكون معنوية أيضاً، ما يعني عدم انحصارها في خصوص الهدايا المادية، وقد اشتملت النصوص على تعداد جملة منها:

فمنها: إهداء العيوب، فقد جاء عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: ليكن آثر الناس عندك من أهدى إليك عيبك وأعانك على نفسك.

ومنها: إهداء كلمة حكمة وموعظة، فقد جاء عن سيد الموحدين علي(ع) قوله: أخوك في الله من هداك إلى رشاد، ونهاك عن فساد، وأعانك إلى صلاح معاد.

ومنها: إهداء عمل عبادي، فيمكن للإنسان أن يتصدق عن أخيه المؤمن، كما يمكنه أن يصلي ركعتين لزوجته، ويمكنه أن يستغفر عن أبيه، ويمكنه أن يدعو لمن يحب من إخوانه، كما يمكنه أن يهدي أجر تلاوته جزءاً من القرآن، أو القرآن بأكمله لبعض أخوانه، وهكذا.

وهذا ما يشير إليه الحديث: ادعني بلسان لم تعصني به، فإن المقصود أن يدعو المؤمن لأخيه المؤمن بظهر الغيب، وأي هدية أفضل من هذه الهدية.

 

الآثار الإيجابية للهدية:

1-تكريم الأصدقاء واحترامهم، فإن الهدية لهؤلاء تعد نوع مكافأة من المهدي إليهم، وتقديراً منه لجهودهم، كما أنه يكشف عن مدى احترامه لمكانتهم ومنزلتهم عنده.

2-كسب قلوب الآخرين، فلو أن الزوج أهدى زوجته وردة أو كلمة طيبة شكرها فيها على ما تقوم به من واجب منـزلي لكان ذلك سبيلاً إلى قلبها، وكذا لو أقدمت الزوجة على ذلك لامتلكت قلب الرجل.

3-تجديد العلاقة بعد الانقطاع، لأن من الطبيعي أن علاقات الأخوة، والأصدقاء قد يصيبها شيء من الفتور، كما أن ذلك يقع في العلاقات الزوجية، وخير ما يجدد هذه العلاقات ويجعل الدم يسري فيها من جديد الهدية.

4-قضاء الحاجات، فقد أشير في بعض النصوص أن من أراد قضاء حاجته، فليقدم بين يديه هدية، فعن الإمام الصادق(ع) قال: نعم الشيء الهدية أمام الحاجة.