18 يونيو,2018

المحكم والمتشابه

اطبع المقالة اطبع المقالة

يعدّ بحث المحكم والمتشابه أحد الأبحاث المهمة في علم التفسير، وتـتجلى أهميته من خلال تأثيره على منحى الاتجاه التفسيري بشكل عام، لأننا نواجه سؤالاً، مفاده: أنه إذا كان القرآن الكريم يشتمل على المحكم والمتشابه، فهل يعني ذلك إلغاء أية محاولة تفسيرية والحكم عليها بالبطلان مسبقاً؟…

وإذا كان تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى والراسخون في العلم، فمن هؤلاء، وما هي وظيفة الآخرين؟…

من هنا يتضح أن البحث عن مسألة المحكم والمتشابه أمر قد فرض نفسه على كل المحاولات التفسيرية، حتى لا يكاد يستطيع المفسر أن يدخل في بحثه التفسيري دون أن يكون قد حدد موقفه من هذه المسألة.

بداية المسألة:

لا يخفى أن الأصل في المسألة وبداية طرحها، هو القرآن الكريم لتصريحه بوجود محكم ومتشابه فيه، قال تعالى:- ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات فإما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)[1].

وعلى هذا سوف نجعل هذه الآية محور البحث، وهي الهادية إلى الموقف النهائي في المسائل ذات العلاقة.

ولا شك في دلالة الآية الشريفة على وجود محكم ومتشابه في القرآن الكريم، كما لا شك في دلالتها على اعتبار المحكم هو الأصل الذي يجب الاعتماد عليه دون المتشابه.

إلا أنّ الآية المباركة ليست ذات وضوح كافٍ في ما هو أعمق وأوسع من ذلك، ولذا سوف نحتاج إلى الاستعانة بآيات أخرى ونصوص من السنة المطهرة لكي نستكمل الصورة المقصودة.

المعنى اللغوي:

الإحكام في اللغة، بمعنى الإتقان. وبهذا المعنى كان القرآن الكريم كله محكماً ومتقناً كما في قوله تعالى:- ( تلك آيات الكتاب الحكيم) وهو بهذا المعنى يقابل الخلط والالتباس، وعدم إتقان الصنع.

ويأتي الإحكام في اللغة أيضاً بمعنى ما يقابل التفصيل، ومنه قوله تعالى:- ( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت)[2].

أما التشابه فهو التماثل والتقارب في الصورة، وقد يـبلغ إلى درجة الالتباس وضياع الفرق بين المتشابهين، ومنه يأتي الشَبَه والاشتباه، والشبهة.

لكن التشابه بالأصل لا يعني أكثر من التماثل وتقارب المفردات، ومن هنا جاء قوله تعالى:- ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً)[3]. فقد اعتبر القرآن الكريم كله متشابهاً، ولذا ذكر المفسرون أنه هنا بمعنى التماثل في الآيات القرآنية وتقاربها من حيث سياقها، ولغتها، وأهدافها.

وهذا الاستعمال موجود في الخارج على لسان الناس، فيقال: فلان يشبه فلاناً، وهذه الكتب متشابهة. ومن الواضح أنه لا يقصد من ذلك التباس الصورة وضياع الفوارق، بل المقصود هو الإشارة إلى حالة التماثل والتقارب في الصورة.

هذا وينبغي أن يلتفت إلى ملاحظة، وهي أن القرآن الكريم وصف نفسه كاملاً بأنه(متشابِه)، لكنه وصف بعض الآيات التي تقابل المحكمات بـ(المتشابَهات)، الأمر الذي يعني أن التشابه المقصود في آية آل عمران هو تلك الدرجة العليا من التشابه المؤدية إلى الالتباس وفقدان الوضوح، وهو أمر مخصوص ببعض الكتاب لا كله، بخلاف المقصود من التشابه في آية سورة الزمر بمعنى التماثل والتقارب، فإنه شامل لك آيات الكتاب الكريم.

المعنى القرآني:

بعد إطلاعنا على المعنى اللغوي لكلمتي المحكم والمتشابه، نحتاج أن نتعرف المراد منهما في الاستعمال القرآني، كما في آية آل عمران، فنقول:

إن ملاحظة التقابل بين الإحكام والتشابه في الآية، وبدليل ما تعطيه من التنديد والرفض لأسلوب إتباع المتشابه، حتى اعتبرت أصحاب هذا المنهج بأن في قلوبهم زيغ، يمكن أن يعرف أن المقصود بالتشابه هنا، هو الالتباس، وفقدان الوضوح، وهو الذي اصطلح عليه القرآن الكريم بـ (المتشابَه).

وعلى هذا سوف يكون معنى الآية حينئذٍ: أن القرآن الكريم فيه آيات واضحات هن الأصل الذي يجب الرجوع إليه والاعتماد عليه في فهم المقاصد القرآنية، كما قال تعالى:- ( هنّ أم الكتاب)وفيه آيات غير واضحات لا يصح التعويل عليها والتذرع بها لتـثبيت مفاهيم وأحكام غير صحيحة لا تدل عليها الآيات المحكمة التي هي أصل القرآن وأمّه كما يفعله الذين في قلوبهم زيغ، ابتغاء الفتنة، وبادعاء أن هذه المعاني التحريفية هي المعاني الواقعية المقصودة في علم الله تعالى، بينما يقول الباري سبحانه وتعالى، أن تلك المعاني الواقعية لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم(وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم).

المجمل والمتشابه:

ذهب الفخر الرازي في تفسيره الكبير، إلى أن التشابه هو الإجمال، والآية المتشابهه هي الآية المجملة في مقابل الآية المبينة.

والمقصود بالمجمل هو: اللفظ الذي تشترك فيه عدة معاني متقابلة لم يترجح أحدها على الآخر من حيث دلالة اللفظ، بل نحن بحاجة إلى قرائن خارجية من وراء الكلام لتحديد المعنى المقصود بالضبط وترجيحه على الآخر.

ونقصد بالمبين هو: اللفظ الذي له معنى واحد ظاهر فيه، وربما كان له معنى آخر إلا أنه يكون معنى مرجوحاً ومغلوباً من حيث دلالة اللفظ.

مثال المجمل:

هذا ولا بأس بذكر مثال للمجمل لكي يتضح المطلب، قال تعالى:- (والسارق والسارقة فأقطعوا أيديهما)،حيث ذكر بعضهم أن هذه الآية من المجمل المتشابه، وذلك من جهة لفظ(القطع) باعتبار أنه يطلق على الإبانة، ويطلق على الجرح، فيقال لمن جرح يده بالسكين، أنه قطعها، كما يقال ذلك لمن أبانها.

ومن جهة لفظ(اليد) باعتبار أن اليد تطلق على العضو المعروف كله، وعلى الكف إلى أصول الأصابع، وعلى العضو إلى الزند، وإلى المرفق، فيقال مثلاً: تناولت بيدي، وإنما تناول بالكف، بل بالأنامل فقط.

ومن أمثلة المجمل أيضاً قوله تعالى:- ( يذبّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم)، لعدم وضوح المراد من الاستحياء، فهل هو نزع الحياء، وهتك العفة، أو أن المقصود به الإبقاء على حياة النساء بعد قتل الرجال لغرض استخدامهن؟…

وحيث أن الآية غير واضحة في أحد هذين المعنيـين، صح القول أنها مجملة، والأمثلة على ذلك من القرآن الكريم كثيرة.

مثال المبين:

أما المبين فأمثلته من الكتاب العزيز كثيرة، كقوله تعالى:- (أقم الصلاة) فإنه أمر ظاهر في وجوب الصلاة.

وكذا قوله تعالى:- ( حرمت عليكم الميتة) فإنه نص في تحريم أكلها. وكذا قوله تعالى:- ( أحل الله البيع وحرم الربا) فإنه نص في حلية البيع، وحرمة الربا.

والنـتيجة التي نخلص إليها، أن الإجمال والتشابه بمعنى واحد، وأن الإحكام والبيان كذلك بمعنى واحد أيضاً.

مناقشة الفخر:

إلا أن هذا الرأي لا يمكن اعتماده والقبول به، وذلك لأن الآية الشريفة قالت:- ( أما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) وهو يدل على أن المتشابه له معنى قابل للإتباع، بخلاف المجمل الذي لا يتضح له معنى ظاهر، وعليه لا يكون قابلاً للإتباع، مما يعني أنهما مختلفان عن بعضهما البعض، فلاحظ.

الغموض في المصاديق:

ومن هنا فقد ذكر مفسرونا أن المقصود بالمتشابه معنى آخر غير المجمل، وهو عبارة عن الغموض في مصاديق المعنى وتطبيقاته رغم وضوحه من حيث دلالة اللفظ، وهو ما سبق أن بيناه في مجالات الغموض القرآني في الحديث عن الغموض في المعنى.

توضيح ذلك:

أن الإجمال عبارة عن عدم اتضاح دلالة اللفظ على المعنى كما في الأمثلة السابقة، أما المتشابه فهو عبارة عن معنى واضح من حيث دلالة اللفظ، لكنه غير واضح من حيث الصورة التطبيقية التي يعنيها. فلاحظ قوله تعالى:- ( الرحمن على العرض استوى) فإنه لا إجمال فيه من حيث دلالة اللفظ، إنما الغموض فيما هو كيفية الاستواء على العرش، وما هو المقصود الخارجي الحقيقي بكلمة العرش رغم وضوح دلالتها اللغوية.

وعليه يقرر أن التشابه لم ينشأ من ناحية الاختلاط والتردد في معاني اللفظ ومفهومه، لأننا فرضنا أن يكون للفظ مفهوم لغوي معين، وإنما ينشأ من ناحية أخرى وهو الاختلاط والتردد في تجسيد الصورة الواقعية لهذا المفهوم اللغوي المعين وتحديد مصداقه في الذهن من ناحية خارجية.

وعندما نفهم المتشابه بهذا اللون الخاص لابد لنا من أن نفهم المحكم على أساس هذا اللون الخاص أيضاً، وهذا شيء تفرضه طبيعة جعل المحكم في الآية مقابلاً للمتشابه، فليس المحكم ما يكون في دلالته اللغوية متعين المعنى والمفهوم فحسب، بل لابد فيه من التعيـين في تجسيد صورته الواقعية وتحديد مصداقه الخارجي.

فالمحكم من الآيات ما يدل على مفهوم معين لا نجد صعوبة أو تردد في تجسيد صورته أو تشخيصه في مصداق معين، والمتشابه ما يدل على مفهوم معين تختلط علينا صورته الواقعية ومصداقه الخارجي.

الحكمة من وجود المتشابه:

عادة ما يطرح سؤال في المقام بعد التعرف على انقسام الآيات القرآنية الشريفة إلى هذين القسمين، أعني المحكم والمتشابه، فيقال: لماذا لم تكن جميع آيات القرآن الكريم كلها محكمات، وما هي الحكمة من وجود الآيات المتشابهات؟…

ولماذا نزل القرآن الكريم بهذه الطريقة، الأمر الذي ساعد المنحرفين الذين في قلوبهم زيغ على النفوذ من خلال الآيات المتشابهة لتضليل الناس؟…

هذا وقد ذكر المفسرون عدة أجوبة في محاولة لاكتشاف الحكمة من وجود المتشابه في القرآن الكريم، ولنشر لبعض منها:

الوجه الأول: امتحان القلوب:

إن الله تعالى أنزل المتشابه ليمتحن القلوب في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب واضحاً لا شبهة فيه عند أحد، الذكي منهم وغيره، ما كان في الإيمان به شيء من معنى الخضوع لما أنزل الله تعالى والتسليم لما جاءت به الرسل.

الوجه الثاني: تحفيز العقل:

إن وجود المتشابه في القرآن الكريم، كان حافزاً لعقل المؤمن إلى النظر كيلا يضعف فيموت، فإن السهل الجلي جداً لا عمل للعقل فيه، والعقل أعزّ القوى الإنسانية التي يجب تربيتها، والدين أعز شيء على الإنسان فإذا لم يجد العقل مجالاً للبحث في الدين يموت عامل العقل فيه وإذا مات فيه لا يكون حياً بغيره.

الثالث: اختلاف المستويات:

إن الأنبياء بعثوا إلى جميع الأصناف من عامة الناس وخاصتهم، وفيهم العالم والجاهل والذكي والبليد، وهناك من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه الجميع على السواء، وإنما يفهمه الخاصة عن طريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى والوقف عند حد المحكم، فيكون لكل نصيـبه على قدر استعداده.

وقد ذكر هذه الوجوه الثلاثة السيد العلامة الطباطبائي(قده) في تفسيره عن الشيخ محمد عبده في تفسيره المنار، وتعرض لمناقشتها.

الوجه الرابع: تأثير القوالب اللفظية:

وقد ذكر هذ االوجه السيد العلامة(ره)، وجعل وجود المتشابه أمراً ضرورياً لا يمكن الاستغناء عنه، وخلاصة هذا الوجه الذي أشار له(قده):

إن القرآن الكريم الذي هو(في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) إنما نزلت معانيه تنـزيلاً بهذه الآيات القرآنية التي هي عبارة عن قوالب لفظية، وهيئات كلامية.

ومن المعلوم أن هذه القوالب اللفظية سوف تؤثر بالزيادة والنقيصة على طبيعة تلك المعاني وصفائها.

وهكذا حين تنعكس هذه الجمل الكلامية والقوالب اللفظية على الذهن لتشكل وفقاً للقوالب الذهنية التي ألفها الإنسان واعتادها في حياته، وهي بطبيعة الحال قوالب متأثرة بالأبعاد المادية التي يتعامل معها الإنسان دائماً، وحينئذٍ سوف يؤثر ذلك مرة أخرى بالزيادة والنقيصة وسائر أنواع التغيـير على تلك المعاني القرآنية المقصودة، فترسم صورة تلك المعاني في الذهن وقد شابها التغيـير، وخالطتها اضافات التصوير، ولم تعدّ صافية نقية كما هي في الأصل.

ومن هنا احتاج في عملية تهذيـبها وإزالة ما تراكم عليها بفعل القوالب اللفظية والذهنية إلى العود إلى باقي النصوص القرآنية التي تساعد على معرفة ما هو المعنى النـزيه البعيد عن تأثيرات هذه القوالب.

وقد حاول العلامة الطباطبائي(قده) توضيح الفكرة من خلال المثل الذي يذكره القرآن الكريم للحق والباطل حيث يقول تعالى:- (أنزل من السماء ماءاً فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال)[4]. فيقول(ره):

إن المعارف الإلهية كالماء الذي أنزله الله من السماء هي في نفسها ماء فحسب من غير تقيـيد بكمية ولا كيفية، ثم إنها كالسيل السائل في الأودية تـتقدر بأقدار مختلفة من حيث السعة والضيق، وهي في سيرها ربما صحبت ما هو كالزبد يظهر ظهوراً ثم يسرع في الزوال[5].

ثم يقول: فقد تبين أن من الواجب أن يشتمل القرآن الكريم على الآيات المتشابهة، وأن يرفع التشابه الواقع في آية بالإحكام الواقع في آية أخرى.

مناقشة كلام السيد العلامة:

لكن يمكن أن يلاحظ على ما أفاده(قده) ملاحظتين:

الأولى: بناءاً على ما ذكره(ره) سوف يكون اختلاط المعاني القرآنية بالإضافات والزوائد، أو اختفاؤها ببعض الشوائب وافتقادها لبعض الجوانب الناشئ ذلك من صبها في القوالب اللفظية والذهنية غير مختص ببعض الآيات، بل يكون شاملاً لكل الآيات القرآنية، ومعناه أنه سوف لا يـبقى لدينا آيات محكمة، وهذا ما لا يقبله أحد، حتى السيد العلامة(ره) نفسه.

الثانية: أنه رغم قدرته على تعليل الكثير من الآيات المتشابهه في القرآن الكريم، إلا أنه غير قادر على تفسير المتشابه في بعضها الآخر الذي لا يمكن تحديد مصداقه بشكل قاطع عبر الرجوع إلى المحكمات، بينما يفترض هذا الوجه أن كل آية متشابهة يمكن أن ينحل متشابهها من خلال الرجوع للمحكمات.

الوجه الخامس: الربط بعالم الغيب:

وقد ذهب لهذا الوجه السيد الشهيد الصدر(قده)، قال: يجدر بنا أن نذكر خلاصة الوجه الصحيح في حكمة ورود المتشابه في القرآن، وبهذا الصدد يحسن بنا أن نقسم المتشابه إلى قسمين رئيسين:

الأول: المتشابه الذي لايعلم تأويله ومصداقه إلا الله.

الثاني: المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم.

أما ورود القسم الأول في القرآن فلأن من الأهداف الرئيسية التي جاء من أجلها القرآن الكريم هو ربط الإنسان الذي يعيش الحياة الدنيا بالمبدأ الأعلى وهو الله سبحانه وبالمعاد وهو الدار الآخرة وعوالمها، وهذا الربط لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق إثارة المواضيع التي تـتعلق بعالم الغيب وما يتصل به من أفكار ومفاهيم لينمّي غريزة الإيمان التي فطر الإنسان عليه وشدّه إلى عالم الغيب الذي سوف ينتهي إليه، فلم يكن هناك سبيل أمام القرآن الكريم يتفادى به استخدام المتشابه من الكلمات بعد أن كان هو السبيل الوحيد الذي يوصل إلى هذا الهدف الرئيسي.

وأما ورود القسم الثاني في القرآن الكريم بهذا الأسلوب أمام العقل البشري كبعض المسائل الكونية وغيرها لينطلق في تدبر حقيقتها واكتشاف ظلماتها المجهولة ونحن في هذا العصر حين نعيش التطور المدني العظيم في المجالات العلمية المختلفة ندرك قيمة بعض الآيات القرآنية التي ألمحت إلى بعض الحقائق العلمية ووضعتها تحت تصرف الإنسان لينطلق منها في بحثه وتحقيقه.

وبهذا يمكن أن نقدم تفسيراً لحكمة ورود المتشابه في القرآن الكريم.

نتائج مهمة:

هذا ويمكننا في نهاية هذا لمطاف أن نشير إلى بعض النـتائج والملاحظات المهمة:

الأولى: أن وجود المتشابه في القرآن الكريم لا يسلب شرعية العمل التفسيري، بل يؤكد ضرورته.

الثانية: أن وجود المتشابه في القرآن الكريم لا يلغي اعتباره هدى وفرقاناً وبياناً وتبياناً لكل شيء، ولا ينسف الهدف من نزول القرآن الكريم.

الثالثة: لقد ثبت في المعتبر من النصوص أن النبي(ص) وأهل بيته(ع) هم الراسخون في العلم الذين يعلمون تأويل القرآن الكريم.

الرابعة: إن مقتضى الآية الكريمة(وما يعلم تأويله) أنه ليس لأحد فيما سوى أهل البيت(ع) دعوى العلم بتأويل القرآن الكريم، بل لا يحق له أن يقتحم هذا الميدان، بعيداً عما ورد عنه(ع)، وأن أقصى ما يستطيعه الباحث المفسر هو محاولات لاكتشاف بعض المعاني الغامضة استدلالاً واستهداءاً بالقرآن والسنة المباركة، وهذا أمر آخر غير التأويل، بل هو داخل في باب التفسير.

——————————————————————————–

[1] سورة آل عمران الآية رقم 7.

[2] سورة هود الآية رقم 1.

[3] سورة الزمر.

[4] سورة الرعد الآية رقم 17.

[5] الميزان في تفسير القرآن ج 3 ص 61-62.