18 يناير,2019

القراءات المختلفة للدين(3)

اطبع المقالة اطبع المقالة

لا زال الكلام مستمراً في استعراض الإشكالات الواردة على نظرية القراءات المختلفة للدين.

عوامل اختلاف الفقهاء والمسلمين:

الرابع: مما يستدل به أصحاب نظرية القراءات المختلفة للدين، التمسك باختلاف الفقهاء والعلماء في آرائهم في الفقه والتفسير وعلم الكلام وغيرها من العلوم الإسلامية.

وهذا الاختلاف حقيقة واضحة لا يمكن إنكارها. إلا أنه لا يصلح دليلاً للقائلين بالنظرية الحديثة، إذ يمكن الإجابة عنه بالتالي:

أولاً: إن اختلاف الفقهاء أو العلماء في بعض المسائل الإسلامية ليس بمعنى القراءات المختلفة للدين، كما هو دعوى أصحاب هذه النظرية الحديثة، أي تعدد الحق والواقع بعدد الآراء والفتاوى، أو بمعنى التصويب الشامل، وذلك لأن جميع علماء المسلمين يعترفون أن الحق والواقع الإلهي الواقعي واحد، يشترك فيه العالم والجاهل، قد يصيـبه المجتهد وقد لا يصيـبه، والحكم الذي يتوصل إليه الفقيه حسب الطرق الشرعية المعتبرة حجة له ولمقلديه، بحيث يكون معذوراً في حالة مخالفته للواقع، دون أن يكون حجة على الفقهاء الآخرين ومقلديهم، والمعذورية غير تعدد الحق والواقع حسب تعدد الآراء.

ثانياً: إن الاختلاف بين العلماء ليس في جميع النصوص والتعاليم الإسلامية، وإنما في بعضها، كما ذكرنا وهي النصوص الظنية والمجملة والمسائل الخلافية، لكن هناك الكثير من النصوص صريحة واضحة المعنى معتبرة السند، والكثير من التعاليم والأحكام ضرورية يقينية، ثابتة، لا مجال للاجتهادات المختلفة فيها، بل ليس لها إلا قراءة واحدة، بل ربما كان منكر البعض منها خارجاً عن الإسلام أو كان منكراً للضروري كما سبق بيانه.

وبالجملة، فالاختلاف على هذا في خصوص النصوص والأحكام الظنية والخلافية دون غيرها.

مميزات مدرسة أهل البيت:

واعلم أن هناك عوامل لهذا الاختلاف بعضها مشروعة وبعضها غير مشروعة، وقبل استعراض هذه العوامل نشير إلى أن من مميزات مدرسة أهل البيت(ع) وعلمائها، فتح باب الاجتهاد، لكن ليس في كل الأحكام والنصوص كما أشرنا لذلك، بل في بعضها مع اعتماد الطرق والأساليب المعتبرة حتى لو كانت ظنية، فلا يفرض فقيه رأيه على فقيه آخر، ولا يقلده، بل إن فقهاءنا يناقشون الآراء ويجددون، ولا يجترون تفسيرات الآخرين وآراءهم، وكتبهم حافلة بالآراء الجديدة والمناقشات، مع محالة الاستفادة من تجارب الآخرين وعلومهم، بما لا يخالف مبادئ الإسلام وأحكامه، بما يفيدهم في إثراء الفكر الإسلامي، والفهم والاجتهاد الأكثر صواباً، ولكن مع تقويمها وربما توصلوا لآراء جديدة في النحو واللغة والمنطق وأمثالها تخـتلف عن آراء أصحابها، مع اعتراف منهم بأن الرأي أو الحكم الذي يستنبطونه من أمثال هذه النصوص حكم ظاهري، قد يصيب الواقع وقد لا يصيـبه، وإن كان حجة له ولمقلديه دون غيرهم، بحيث يكون معذوراً عند المخالفة.

عوامل اختلاف الآراء والفتاوى بين العلماء:

هذا وإذا أحطت بما ذكرنا، نشير إلى بعض عوامل اختلاف الآراء والفتاوى بين العلماء ومجالاته:

الأول: اختلاف العلماء في بعض النصوص والأحكام الظنية والخلافية، في فهم الموضوع أو الحكم بما هو أوسع أو أضيق مما فهمه غيره، بحيث يشمل أو لا يشمل الموضوع مصاديق أكثر، أو لا يشمل الحكم موضوعات أكثر، معتمداً في ذلك على الأدلة الشرعية المعتبرة، فمثلاً اختلف في موضوع حرمة الاحتكار بخصوص الغلات الأربع، أو أوسع من ذلك. أو يعتمد على امتداد الحكم على اكتشاف العلة المنصوصة من النص، أو اكتشاف بعض المفاهيم منه، بما يشمل غيره، وأمثالها.

الثاني: أن الموضوع الواحد قد يخـتلف حكمه بسبب اختلاف العناوين الطارئة عليه، فالصدق قد يطرأ عليه عنوان هلاك المؤمن، فيكون قبيحاً محرماً، وبذلك يخـتلف عن حكمه بدون هذا العنوان، فربما كان سبب اختلاف الفقهاء لأجل اختلاف وجود العناوين الطارئة عليه، ولعل من هذا القبيل ما ذكر حول الدم، من أن بيعه لم يكن جائزاً في السابق عند الفقهاء، لأنه لم تكن له منفعة محللة مقصودة، وأما في عصرنا، فله مثل هذه المنفعة، وهو استخدامه لعلاج المرضى، وجواز البيع وعدمه يدور مدار وجود المنفعة وعدمها، وبذلك يتغير حكم الدم من حيث جواز البيع وعدمه.

كما أن الشارع المقدس جعل أحكامه للموضوعات الكلية، مثلاً قوله تعالى:- ( أوفوا بالعقود) فقد جعل وجوب الوفاء للعقد، وهو موضوع كلي، نأخذ معنى العقد من عصر نزول الآية، لكنه لا يتحدد حكمه الذي هو وجوب الوفاء بالمصاديق المعهودة في ذلك العصر، بل يشمل المصاديق المستجدة فيما إذا لم يخالف الأحكام الإسلامية المسلمة كما لو استلزم العقد الضرر أو الربا، فإذا وجد عقد جديد، فيشمله الحكم إلا أن يخرج هذا الشيء الجديد عن مصداقيته للعقد، ومن هنا ربما تظهر مصاديق جديدة للعقد لم تكن في السابق، فيشمله حكم العقد، بينما ليس للسابقين مثل هذا الحكم لعدم وجود مصداقه.

وربما اختلف العلماء في الفهم العرفي لهذا المصداق، وهل أنه يشمله مفهوم العقد أو لا، وهل أنه مصداق للعقد أو لا، أو أنه يستلزم مخالفة الأحكام الإسلامية، أو ربما اختلفوا في أصل القاعدة، وأن قوله تعالى:- ( أوفوا بالعقود) هل يختص بالمصاديق المعهودة في عصر رسول الله(ص)، أو تشمل غيرها، وبذلك يظهر الاختلاف.

الثالث: ربما اكتشف العلماء معلومات جديدة من القرآن والسنة، غفل عنها السابقون، وربما وجدوا قرائن وروايات كانت موجودة، ولكن لم يتوجه إليها أو إلى دلالتها السابقون، كما ذكروه في روايات الاستصحاب، وكذلك ربما استفاد العلماء مما يحمله التطور العلمي وتجارب الآخرين، من معلومات وآراء لها تأثيرها في عملية الفهم والاستنباط، كما استفادوا من نظرية حساب الاحتمالات في بعض مسائل الفقه والأصول، وأمثالها.

لكن في الغالب أن هذه المعلومات الجديدة مما تؤدي إلى عمق الفهم وتطور الاستدلال، لا إلى نفي الأحكام السابقة سواء في الأحكام القطعية أو الظنية المعتبرة، وحتى لو أدت إلى ذلك، فإنها تختص في القليل من الأحكام والنصوص الظنية والخلافية ولا تشمل الضرورية والقطعية والاتفاقية.

الرابع: إجمال بعض النصوص أو ألفاظها في معناها العرفي أو اللغوي، ربما يكون سبباً للاختلاف، حيث يخـتلف العلماء حينئذٍ في تحديد موضوعها، وحكمها، كالاختلاف في معنى الصعيد والغناء أو الكعبين وأمثالها، لكن لا يخفى أن هذا أيضاً في موارد قليلة.

الخامس: اختلاف العلماء في بعض القواعد الأصولية أو الفقهية أو الرجالية وأمثالها، والتي تؤثر في استنباط الحكم من النصوص، كما في الآراء حول حجية بعض الروايات وعدم حجيتها، فربما اعتبر البعض الشهرة جابرة لضعف الرواية، بينما ينكر البعض الآخر ذلك، أو يخـتلفون في تقويم بعض الرواة، أو في تميـيز النسخة الصحيحة عن غيرها، أو في جريان البراءة في بعض المسائل كالشبهات التحريمية وعدم جريانها، أو اعتبار بعض المفاهيم كمفهوم الوصف وعدمه، أو في الاختلاف في حدودها ومجالاتها، فإن هذه الأمور مما تؤثر في اختلاف الآراء والفتاوى.

السادس: الاختلاف في الموضوعات التي يهتم الباحث بها، ويحاول دراستها من خلال النص، فالاختلاف في كتب التفسير نشأ من اختلاف الموضوعات والمسائل أو الأسئلة التي يطرحها المفسر على القرآن الكريم ليتعرف على أجوبتها، حسب اهتمام المفسر، فربما يـبحث المفسر عن رأي القرآن في بعض القضايا الإقتصادية مثلاً، دون أن يهتم أو يتنبه لها مفسر آخر، وفي الواقع ليس هذا من الاختلاف في الآراء، لأن الاختلاف يتضمن موضوعاً واحداً تخـتلف فيه الآراء، وإنما هذا من اهتمام البعض بموضوعات وبحوث، دون أن يهتم بها الآخر، ولكن هذا السبب يدل على اختلاف المفسرين أو العلماء في الموضوعات التي يبحثون عنها.

عوامل أخرى:

هذا وتوجد عوامل أخرى غير ما ذكرنا لاختلاف العلماء، لو أردنا استقصاءها يطول بنا البحث والحديث عنها، لكننا نتعرض إليها بصورة موجزة، خصوصاً وأنه ربما كانت بعض هذه العوامل سلبية، يلزم على الباحث تجنبها لأنها من التفسير بالرأي، أو التفسير اعتماداً على الظنون غير المعتبرة، أو أنها خاضعة لأهواء الباحث وأمثالها، مع التأكيد بأنها حالات جزائية عند بعض الآراء والقليل من الباحثين، ولكن يمكن التجرد الموضوعي عنها، وخاصة مع التنبه لها، كما تجرد عنها الكثير من علمائنا، فربما خضع البعض لقبلياته، أو ظروفه الزمانية والمكانية في الاستنباط، أو رغباته وميوله، وأمثالها من المؤثرات، مما يؤكد علماؤنا على التجرد عنه مع إمكانه، فيما لو توجه الفقيه إليها، أو ذكر بها، كما رأينا العلماء يتراجعون عن بعض آرائهم حين يكتشفون خطأها، أو خضوعهم لبعض المؤثرات شعورياً أو لا شعورياً.

ولذا لا بأس بالإشارة إلى تلك العوامل بصور موجزة كما ذكرنا، مع التأكيد على سلبية بعضها ولزوم تجنبها:

منها: عدم استيعاب القواعد اللغوية والأدبية، أو عدم الاهتمام بها، أو عدم الاستفادة من الأساليب العامة للكلام التي تشمل جميع المتكلمين، أو الخاصة ببعض المتكلمين، كزعماء الأمم والأديان، لأنه ربما لهم أساليب خاصة في الكلام من استعمال الخاص أو المقيد المنفصل أو الناسخ أو المنسوخ والمحكم والمتشابه والتورية أو التقية، وأمثالها، مما لا يستعملها سائر المتكلمين، لذلك لابد من معرفة قواعد الكلام وأساليبه العامة والخاصة، من حمل المطلق على المقيد أو العام على الخاص، أو معرفة جهة النص، وأنه للتقية أو لبيان المراد الجدي، وكذلك التعرف على الكثير من القواعد والأساليب التي توصل الباحث للمراد الاستعمالي أو الجدي.

وقد ذكرها علماؤنا في كثير من بحوثهم، وخاصة في الفقه والأصول والدراية والرجال، والتـزموا بها علمياً في بحوثهم، ولكن ربما البعض لا يهتم أو لا يعترف بها، ولذلك يقع في الكثير من الخطاء ويؤدي لاختلافه مع غيره.

ولذا نلاحظ في الروايات الصادرة عن أهل بيت العصمة(ع) التأكيد على ضرورة تعرف الفقيه على هذه الأساليب العامة والخاصة، وأنه لا يعد الفقيه فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامهم(ع) ولحنه، وتفصيل الحديث في ذلك يطلب من محله.

وهده كلها أساليب وطرق عقلائية وعرفية يستخدمها العقلاء في فهم أقوال عموم المتكلمين، أو في فهم أمثال هذا المتكلم الخاص، حيث أنه ليس للشارع طريقة أخرى في كلامه وتفهيم مراده، غير تلك الطرق العرفية والعقلائية.

ومنها: لعل الداعي للاختلاف بين العلماء والمفسرين في منهج التفسير يعود لعوامل دفعتهم لذلك، فيؤدي ذلك لاختلافهم في الفهم والرأي. فقد يعتمد المفسر على التفسير التجزيئي للقرآن الكريم، لا التفسير الموضوعي، مع أن التفسير الموضوعي أكثر اعتباراً، بأن يلاحظ مجموع الآيات في الموضوع الواحد، ويحاول تفسيرها بينما التفسير التجزيئي يلاحظ الآية الواحدة مستقلة عن سائر الآيات، ويحاول تفسيرها، لذلك ربما اختلف تفسيره عن المفسر الموضوعي.

وربما اختلف المفسرون في مدى الاعتماد على العلوم الخارجة عن النص، وهو يؤدي إلى اختلاف التفسيرات، فالبعض يدعو لتفكيك القرآن والسنة عن العلوم العقلية والفلسفية في مجال تفسيرها، بينما البعض يؤكد في تفسيره للقرآن على الاعتماد أكثر على الأحاديث وظواهرها، ولكن هناك من يعتمد على العقل والأدلة العقلية كالمعتـزلة في التفسير، من هنا نجد بعض الكتب التفسيرية تقتصر على ذكر الأحاديث التي تفسر القرآن، وبعضها اشتملت على الأدلة العقلية أو جمعت بينهما.

ومنها: ما يلاحظه البعض عند تفسيره للنص من ظروف صدوره، كما يلاحظ شأن نزول الآية، وظروف صدور الرواية، وبعضهم لا يلاحظها، وهذا يؤثر كثيراً في اختلاف الفهم والتفسير، فالسيد البروجردي(قده) مثلاً يرى ضرورة دراسة ظروف صدور الرواية، والآراء الشائعة آنذاك، لأن الرواية ناظرة لها، وربما توصل لتفسير يخـتلف كثيراً عن تفسير من لا يرى أهمية لدراسة ظروف الرواية، فيتوصل إلى موضوع لحكم الرواية أوسع أو أضيق.

ومنها: قد يكون الداعي إلى الاختلاف، اختلاف اللغة، فربما رأى البعض أن لغته عرفانية، فيفهم منه معاني عرفانية باطنية، وبعضهم يرى أن لغته عرفية أو لغوية، فيكون له فهم آخر، وهذا مما يلاحظ في تفسير البعض للآيات والروايات.

ومنها: ربما يتوجه البعض للمعاني المجازية والكنائية التي يقصدها النص، مع اعتماد الكاتب الأساليب البلاغية والأدبية، الكناية والمجاز كما هو في القرآن الكريم، حيث إن من عناصر إعجازه بلاغته، فلا يعبر عن مقاصده دائماً بالتعبيرات المباشرة.

ومنها: أن يكون منشأ الاختلاف عدم التميـيز بين الظهور الشخصي والنوعي، أو الموضوعي والعرفي للنص، مع أن الحجة هو الظهور النوعي لا الشخصي، وأنه يمكن تحصيله والوصول إليه.

لكن ربما يشتبه الأمر على المفسر، فيحصل في ذهنه ظهور من النص، فيتوهم أنه ظهور عرفي، مع أنه من الممكن أن يكون ظهوراً شخصياً وجد في ذهنه لبعض العوامل الشخصية المختصة به، أدت إلى اختلاف فهمه وظهوره عن فهم غيره للنص، مما يؤدي إلى اختلاف التفسير.

ومنها: قد يرجع الاختلاف إلى اختلاف المصادر التي يعتمدها المفسرون، فالشيعة تعتمد على روايات الأئمة المعصومين(ع)، بينما لا تعتمدها بعض المذاهب الإسلامية، مما يؤدي إلى حصول الاختلاف.

ومنها: بعض الأطماع والأهداف الدنيوية والشيطانية، فإنه ربما كان لها تأثيرها في حمل النصوص الإسلامية من الكتاب والسنة على بعض المعاني التي يتوصل من خلالها لأطماع الساعين إلى غرض معين، وبذلك ربما وجدت بعض التيارات والمذاهب اعتماداً على هذه التفسيرات، فنلاحظ أن الأمويـين شجعوا المذاهب الجبرية والمرجئة، تبريراً لممارساتهم، وكذلك غيرهم من أصحاب الأطماع والتيارات المنحرفة.