18 يناير,2019

القراءات المختلفة للدين(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

كان حديثنا حول بعض الإشكالات الواردة على القراءات المختلفة للدين بحسب التصور الإسلامي، وقد تعرضنا لأول هذه الإشكالات، ونشير الآن إلى البقية.

أنوع النصوص الدينية:

الثاني: لا يخفى أن النصوص الدينية وأحكام الإسلام عندنا على قسمين:

أولهما: نصوص قطعية السند والدلالة، وتعاليم من أحكام وعقائد ضرورية وقطعية ومسلمة واتفاقية، وهي لا تقبل الاجتهادات والقراءات المختلفة من حيث القبول والإنكار، أو تأثير الخلفيات الثقافية بالنسبة للمعتقد بالإسلام كالتوحيد أو وجوب الصلاة، فلا يمكن القول بأن من ينكرها يصح رأيه أو تفسيره، بل أنه سيكون خارجاً عن الإسلام أو مرتداً في شروط معينة.

فهناك الكثير من النصوص الإسلامية، كالآيات والروايات صريحة في معناها، وكل من يعرف اللغة وقواعدها، واتبع الأساليب المعتبرة، يفهم منها معاني قطعية، لا تخضع لقبليات القارئ كالآيات التي تحكم بوجوب الصلاة، أو قطع يد السارق، أو حكم الزاني والزانية وأمثالها، وهذا يعني أنه ليست جميع النصوص تقبل التفسيرات المختلفة، بل الكثير منها صريحة اتفاقية في الفهم والتفسير، إذا اعتمدت الأساليب المعتبرة، كما اتفق عليها جميع علماء الإسلام أو الإمامية، وخاصة بعد ثبوت ضرورية الكثير من التعاليم الإسلامية وقطعيتها واتفاقيتها، من السنة وسيرة الرسول الأكرم محمد(ص) والأئمة الهداة(ع) والمسلمين.وتشكل هذه النصوص والتعاليم أكثر النصوص والتعاليم الإسلامية، وهناك معتقدات ضرورية وهي أصول الدين، لو أنكرها أحد خرج عن الدين أو المذهب، حتى لو كان معذوراً، بأن كان عن جهل قصوري، فمن ينكر التوحيد لا يسمى مسلماً حتى لو كان عن جهل قصوري، بينما هناك تعاليم ضرورية بل قطعية لو أنكرها مع استلزامها لتكذيب الرسول خرج عن الإسلام أيضاً، كما ذكر ذلك علماؤنا عند تعرضهم للبحث عن ضروري الدين والمذهب.

ومن الواضح أن مثل هذه التعاليم ثابتة لا تقبل التغيـير من حيث القبول والإنكار، وإن قبلته أحياناً من حيث التعمق في الفهم والاستدلال، كما لو تعمق فهمه وتطور استدلاله أو تعدد حول وجود الله سبحانه وتعالى وتوحيده، أو ما يستوحيه من الصلاة والحج من مشاعر أكثر عمقاً في المعتقدات والأحكام، فلا يمكن القول بأن التوحيد أو وجوب الصلاة يقبل الاجتهاد فتصح قراءة من ينكره أو يرفضه، بل إن أمثال هؤلاء المنكرين، والذين يحاولون الاجتهاد حسب الظنون والأهواء حول التعاليم الضرورية والقطعية، يلزم إقناعهم أولاً بأصول الدين ليؤمنوا بضرورياته.

إذن القول بعدم إمكان وجود المعرفة الدينية الثابتة، وأن هناك اختلافاً دائماً بين المعرفة الدينية والدين نفسه، قول غير صحيح، فهناك فهم ثابت ومطلق للنصوص الإسلامية وتعاليم الإسلام، كما سبق منا ذكره في مجال النصوص الصريحة والتعاليم الضرورية والقطعية.

ثانيهما: النصوص المجملة والمتشابهة، وهي بعض النصوص التي قد وجد الخلاف فيها بين العلماء، لعوامل بعضها مشروع وبعضها غير مشروع، كما أن هناك بعض الآراء والمسائل الخلافية بين العلماء، ومثل هذه النصوص والمسائل تقبل الإجتهادات والآراء المختلفة، سواء في الأحكام أم في العقائد الجزئية، كنوع عذاب القبر، أو الصراط.

من يحق له الاجتهاد:

لكن ينبغي ملاحظة أمر مهم، وهو أنه إنما يحق الاجتهاد والرأي من أهل الخبرة والتخصص، كما هو في سائر العلوم ونصوصها، مع اعتماد الأساليب المعتبرة والمشروعة في الاجتهاد.

ولكن مع اعتراف جميع المجتهدين المؤمنين مع اختلاف آرائهم واجتهاداتهم بأن الحق الواقع عند الله واحد، ولكن المجتهدين قد يصيبون وقد يخطئون، وفي حالة الخطأ مع اعتماد الأساليب الشرعية يكون المجتهد معذوراً، لذلك سمي علماء الإمامية بالمخطئة، لكن في خصوص النصوص والأحكام.

وهذا هو الفرق بين علماء الإسلام، وأصحاب القراءات المختلفة في الدين من أنصار النظريات الجديدة، حيث يذهبون لإمكان القراءات المختلفة في كل النصوص والتعاليم الدينية، والقول بأن جميعها على حق وتمثل الواقع، مع عدم الاعتماد على الطرق والأساليب المعينة أو الشرعية في القراءة والاجتهاد، بل ربما اعتمدت على الظنون غير المعتبرة، ولا ينحصر عندهم حق الرأي في خصوص جماعة معينة، ومن هنا يمكن القول بأنهم يقولون بالتصويب بصورة شاملة، وهذا ما لا يقول به أحد من المسلمين في جميع مذاهبهم، لأن الأشاعرة القائلين بالتصويب، إنما يقولون به في قسم خاص، وهو الأحكام التي لا نص فيها، حيث ذهبوا إلى أن الأحكام الواقعية فيها تابعة لآراء المجتهدين، فلا يقولون بالتصويب في جميع الأحكام[1].

على أن هذا الرأي الذي حكيناه عن الأشاعرة غير مقبول علمياً، وذلك للأدلة الدالة على إكمال الشريعة، وأن الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل، وأن لله في كل واقعة حكماً قد يصيـبه المجتهد وقد يخطئه، وخاصة إذا اعتمد في ما لا نص فيه على بعض الظنون والأدلة غير المعتبرة، وغير الشرعية.

وبالجملة، فالأشاعرة يقولون بالتصويب إذن في قسم معين، بينما أصحاب النظريات الحديثة يقولون به في جميع النصوص والآراء والتفسيرات والأحكام، وأن الحق والواقع يتعدد بعددها، وهذا ما لا يقول به مسلم.

نعم هناك بعض المتأثرين بأمثال هذه النظريات في فهم النص والتعددية الدينية وأمثالها، يحاولون القول بمشروعية التغير حتى في الأحكام والمعتقدات الضرورية واليقينية كما في إلغاء الحجاب، أو الحدود والديات أو سهام الإرث وأمثالها، وذلك من خلال مشروعية جميع القراءات المختلفة للدين ونصوصه، وإن اعتمدت على الظنون غير المعتبرة، فيفسر الحجاب العفاف قلبياً مثلاً.

ولعل ذلك نشأ من ضعف الثقافة الإسلامية والاقتصار على الثقافة الغربية، وقياس الإسلام بنصوصه على غيره من الأديان ونصوصه، أو القول بتاريخية الشريعة حتى ثوابتها، مع أن للإسلام تعاليمه الثابتة المناسبة لأطروحته وأهدافه في سعادة البشر في الدنيا والآخرة، ولكل زمان ومكان، يدل على ثباته عدم نسخه، ولا تـتغير بأهواء البعض وأذواقهم وظنونهم، أو لمجرد تغير الزمان والمكان، فإن على البشر أن يخضعوا لتعاليم الله سبحانه وتعالى:- (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض).

عدم مشروعية تغير الشريعة:

الثالث: إن القول بنظرية القراءات المختلفة للدين والنصوص الدينية ومشروعيتها بمعناها الشامل بالتفسير السابق، يعني القول بمشروعية تغير الشريعة، حسب الزمان والمكان، وأن جميع المذاهب والتيارات على حق، مع ما في بعضها من نسخ وتحريف وأحكام ومعتقدات باطلة، بل هدامة للفرد والمجتمع، وأن جميع الآراء والتفسيرات للنصوص على حق والإسلام لا يوافق بذلك.

هذا وهناك اليوم من يدعو إلى تغيـير الشريعة، حتى في بعض تعاليمها الضرورية والقطعية، أو لأن الأحكام الإسلامية يلزم أن تلائم أهدافها، فتغير الأحكام حسب ما نتصوره من الأهداف والمبادئ، ونظنه من موافقة الأحكام لها وعدم موافقتها وغيرها من مجالات الاعتماد على الظنون غير المعتبرة وأمثالها، بل ربما ذهبوا إلى أن المصطفى محمد(ص) لو بعث في زماننا لتغيرت الشريعة وأمثالها، ولعل من أسس هذه الآراء ما يذكر من نظريات في التعددية الدينية، وبعض نظريات فهم النص الحديثة.

والصحيح أنه مما لا ينكر وجود مجالات للتغير في الأحكام، كما قرر ذلك في البحوث الفقهية[2]. كما نعترف بوجود اختلاف آراء العلماء في بعض النصوص والأحكام. كما أن من مجالات التغير تأثير العناوين الثانوية والتـزاحم والأحكام الولائية التي يسمح فيها لولي الأمر بجعل حكم، لكن في منطقة الفراغ.

كذلك قد يحصل التغير في تطبيقات الأحكام الثابتة ومصاديقها كتغيـير أساليب الجهاد وأسلحته، وغير ذلك من مجالات التغير التي تذكر في مظانها من البحوث الفقهية.

الأحكام الثابتة التي لا تقبل التغيـير:

لكن هناك الكثير من الأحكام الثابتة التي لا تقبل التغيـير، ويمكننا أن نستدل عليها بما يلي:

الأول: إن صدور الأحكام من الشارع المقدس مع عدم نسخها، دليل على ثباتها، لأن التشريع والنسخ يختصان بالشارع المقدس، لما عرفت من عوامل القصور في البشر، وما ذكر من إمكان تغير الشريعة، وحتى بعض أحكامها الضرورية الثابتة، يعني إمكان النسخ من البشر.

الثاني: قد جعل الإسلام أحكامه وتعاليمه بصورة تـتلاءم وأطروحته لسعادة البشرية، فعدم تصور البعض لعدم جدوى الحجاب أو سهام الإرث وأمثالها، حسب نظره القاصر، أو أنه لا يتلاءم وأهداف الإسلام مما يرفضه ثبات الحكم مع عدم نسخه، وترفضه أهداف الإسلام، الذي جعل أحكامه الثابتة بما تحقق سعادة البشرية إلى يوم القيامة، وبالصورة التي تتلاءم وأهدافه ومبادئه الكلية.

الثالث: ما هو الطريق للجزم بأن الحكم لا يلائم أطروحة الإسلام وأهدافه، وهل يمكن الاعتماد في ذلك على الظنون والأذواق، ثم ما هو البديل الذي نضعه بدلاً عن الحكم، فمثلاً لو حذفنا سهام الإرث، أو الحدود والديات فما هو البديل لها، إذ لا يمكن بقاء المال بلا وريث، أو بقاء المجتمع بلا قوانين جزائية، فهل القانون الجزائي الذي يضعه البشر أفضل مما وضعه الله سبحانه وتعالى؟…

ولعله لهذا نهى القرآن الكريم عن الظنون، والتي قصد بها خضوع الإنسان لأهوائه وقبلياته والأدلة غير العقلائية في أحكامه وعقائده، وكذلك نهت الروايات عن التفسير بالرأي، وهو فرض الإنسان لقناعاته وأحكامه المسبقة على النص، وكذلك نهت عن اعتماد الظنون غير المعتبرة في تفسير النص أو استنباط الأحكام، وقد صرح بهذا المعنى القرآن الكريم، قال تعالى:- ( لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض).

الرابع: ومما يدل على ثبات الشريعة وبقاء أحكامها، خاتمية الرسول(ص) وشريعته، وأنه لا تنسخها شريعة نبي من الأنبياء، بصريح القرآن الكريم، قال تعالى:- ( وخاتم النبيـين) والأحاديث الشريفة، وأنها من ضروريات الدين.

هذا وقد وضع الشارع المقدس قواعد وأحكاماً كلية تعالج جميع التغيرات والمستجدات في كل زمان ومكان، منها قواعد العناوين الثانوية، مثل( لا ضرر ولا ضرار) وأمثالها، وهذا كله يدل على أن الشارع المقدس من خلال جعله للأحكام الثابتة دون نسخها، قد جعل شريعته بصورة تلائم أهدافه لإصلاح البشرية وهدايتها وسعادتها في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة.

——————————————————————————–

[1] أنوار الأصول ج 1 ص 240.

[2] أشرنا لذلك عند حديثنا حول مسألة التعددية الدينية فيمكن المراجعة.