20 مارس,2019

العبادة حاجة إنسانية ثابتة

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال تعالى:- (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة)[1].

إن إحدى القيم الإنسانية التي يقرها الإسلام مسألة العبادة بمعناها الخاص،أعني التوجه إلى الله سبحانه من خلال ممارسة بعض الطقوس المعروفة كالصلاة والدعاء والابتهال والتهجد وصلاة الليل والصيام والحج وما شابه ذلك،بل تعتبر هذه العبادات من جملة مباني الإسلام،التي لا يمكن فصلها عنه.

ولهذه العبادات دور كبير في الإسلام،وتمثل أحكامها جزءاً مهماً من الشريعة،ويشكل السلوك العبادي ظاهرة ملحوظة للإنسان المتدين.

بعد هذه المقدمة نقول يقع حديثنا في ضمن نقاط:

النقطة الأولى:تتضمن الإجابة على شبهة تطرح عادة في المقام :

أما تقرير الشبهة فهو:

إن العبادات تمثل اليوم حالة رجعية تسبب تأخر الشعوب،فلا فائدة ترتجى منها،ولذا لا حاجة للإنسان أن يأتي بها،بل إن الأثر المترتب عليها قد يحصل من دونها فأي جدوى من الإتيان بها والاعتماد عليها؟

وفي مقام الإجابة على هذه الشبهة نقول:

أولاً:إن هذه العبادات الواردة في الشريعة المقدسة لا تتأثر بعنصر الزمن ولا تقبل التغيـير والتبديل،كما أنها لا تتأثر بطريقة الحياة العامة وظروف التطور المدني في حياة الناس،فلا فرق في ممارستها بين الإنسان المدني اليوم،وبين إنسان الأمس.

فصيغة العبادة العامة وطريقة تشريعها واحدة،وضرورة ممارستها ثابتة لم تتأثر ولم تتزعزع قيمتها التشريعية بالتقدم العلمي والتطور الحضاري.

ثانياً:لما لم تكن العبادات وصفة موقوتة ومحدودة التشريع بالظروف الخارجية التي يعيشها الفرد.

نستنتج أن نظام العبادات يعالج حاجة ثابتة في حياة الإنسان خلقت معه،وظلت ثابتة في كيانه حتى مع ما حصل من تطور وتقدم،لأن العلاج بصيغة ثابتة يفترض أن الحاجة ثابتة أيضاً.

وحينئذً نواجه السؤال التالي:

هل هناك حاجة ثابتة في حياة الإنسان منذ بدأت الشريعة دورها التربوي للإنسان،وظلت حاجة إنسانية حية باستمرار إلى يومنا هذا،حتى نفسر على أساس ثباتها، ثبات الصيغ التي عالجت الشريعة بموجبها تلك الحاجة وأشبعتها،وبالتالي نفسر استمرار العبادة في دورها الإيجابي في حياة الإنسان؟…

في البداية قد يتصور عدم وجود شيء ثابت من هذا القبيل،بل لو وجد لم يكن منطبقاً على واقع حياة الإنسان،لأننا حين نقارن بين إنسان اليوم وإنسان الأمس نجد فارقاً بينهما.

حيث أن الإنسان بشكل عام يبتعد وباستمرار بطريقة حياته ومشاكلها وعوامل تطورها عن ظروف مجتمع القبيلة الذي ظهرت فيه الشريعة الخاتمة ومشاكله الوثنية وهمومه وتطلعاته المحدودة.

ومن المعلوم أن هذا الابتعاد المستمر يفرض تحولاً أساسيا في جميع حاجات الإنسان وهمومه ومتطلباته،وعليه يحتاج طريقة علاج لتلك الحاجات وتنظيمها،تغاير تلك الأدوات العلاجية السابقة،لأن التقدم الزمني قد أفقدها الفائدة،ولنوضح ذلك بشكل آخر:

لقد كان إنسان البادية بحاجة إلى بعض الأمور التي تترك أثرها عليه في عملية التهذيب والتـربية،وقد كان للوضوء والغسل والصلاة والصيام مثلاً دورها الإيجابي في تحقيق ذلك،لأنها تساهم في تهذيب خلقه والتـزامه العملي بتنظيف بدنه وثيابه وعدم إفراطه في الطعام والشراب.

لكن هذه الأهداف تحققها للإنسان اليوم نفس طبيعة حياته المدنية وأسلوب معيشته الاجتماعية،فلم تعد العبادة حاجة ضرورية للإنسان اليوم كما كانت بالأمس،ولم يبق لها دور في بناء الحضارة الإنسانية أو حل مشاكلها.

وفي مقام الجواب عن هذا السؤال نقول:

إن التطور الحضاري في الوسائل والأدوات،إنما يفرض التغير في علاقة الإنسان بالطبيعة وما تتخذه من أشكال مادية.

أما العبادات فلا تدخل ضمن علاقة الإنسان بالطبيعة حتى تتأثر بعوامل التطور،وإنما العبادات علاقة بين العبد وربه،ولهذه العلاقة دور روحي في توجيه علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

روح العبادة:

وقد أولى الإسلام هذا الجانب أهمية كبرى،لكونه يمثل العلاقة بين العبد وربه،كما يمثل محبة الله سبحانه وتعالى والانقطاع إليه،ويعد ذلك أكمل أنواع العبادة.

قال أمير المؤمنين(ع):ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك،بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك[2].

ومما يؤيد هذه العبارة السابقة من الأمير(ع)،دعاء كميل،وهو الدعاء الذي يدأب المؤمنون على قراءته في ليالي الجمع،حيث نجد فيه روحاً عالية من الخشوع والمناجاة،دون أن نلاحظ فيه طمعاً في الجنة أو خوفاً من النار،وإنما محبة وارتباط بين المخلوق والخالق،وحالة من حالات العشق،بحيث أنه يصور أن دخول النار عنده لا يمثل إلا فقدان شيء واحد وهو النظر إلى كرامة المحبوب،قال(ع):يا ولي المؤمنين،يا غاية آمال العارفين،يا غياث المستغيثين،يا حبيب قلوب الصادقين).

وكذلك نجد هذا المعنى أيضاً في المناجاة الشعبانية،فهي تتضمن معاني جليلة في غاية السمو والعظمة،وتؤكد هذه المناجاة على مسألة الانقطاع لله سبحانه،ومما جاء فيها:

إلهي هب كمال الانقطاع إليك،وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك،حتى تخرق أبصار قلوبنا حجب النور فتصل إلى معدن العظمة،وتصير أرواحنا معلقة بعز نورك الأبهج فأكون لك عارفاً،وعن سواك منحرفاً.

وتجد هذه العظمة والسمو أيضاً في المناجاة الخمسة عشر الواردة عن الإمام زين العابدين(ع)،وكذلك دعاء أبي حمزة الثمالي.

ثم إن الشيء الذي ينبغي هنا التنبيه عليه:

هو أن لا تتحول مسألة العبادة والارتباط بالله سبحانه وتعالى إلى عادة تمارس من خلالها الطقوس العبادية،لما لذلك من الأثر السلبي على الإتيان بها ويؤدي إلى إفقادها دورها الإيجابي.

فقد ذكر علماء النفس أن الإنسان كلما اعتاد على شيء نقص انتباهه له،فيكون حين أدائه له مجرد شخص يؤدي عملاً إرادياً.

ولعل تركيـز الإسلام على مسألة النية والاهتمام بها،وأنه ينبغي على العابد أن يستحضرها حين العمل وما شابه ذلك،حذراً من أن تتحول العبادات إلى عادات يتم ممارستها دون أن تترك الأثر المرجو منها.

النقطة الثانية:بيان حقيقة العبادة:

حيث أن هذا المفهوم لا زال مجهولاً بالنسبة لنا،فما هي حقيقة العبادة؟…

يتصور الكثيرون أن العبادة عبارة عن تلك الطقوس التي يتم الإتيان بها من قبل الفرد،فالصلاة لا تعني عندهم أكثر من مجموعة من الحركات التي تؤدى كالقيام والركوع والسجود،وليس الصوم عندهم إلا الامتناع عن الأكل والشرب.

وقد يتصور آخرون أن العبادة تعني الطهارة والنقاء،وأن تسيطر على العابد حالة التقوى.

لكن هذا الفهم غير صحيح،لأن العبادة في الإسلام ذات معنى أوسع،حيث تشمل جميع شؤون الحياة وتستوعبها،ويقنن من خلالها برنامجاً سلوكياً يعتمد عليه في الحياة اليومية.

وإلا فما قيمة العبادة التي ما إن يفرغ فاعلها منها حتى يعود إلى الانغماس في الرذائل والذنوب.

لابد من أن تكون العبادة هي المنهج الذي ينير الطريق ويسلك من خلاله.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى،فقال تعالى:- (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب،ولكن البـر من آمن بالله واليوم والآخر والملائكة والكتاب والنبيـين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون)[3].

حيث تشير هذه الآية إلى حقيقة الشخصية الإسلامية فيما تحصلت عليه من خلال مفهومها للعبادة وما ترتكز عليه من فكر وإيمان وعقيدة وتطبيق في السلوك الذاتي والاجتماعي مع الناس،فهي توسع مفهوم البـر ليرتبط بالجانب العملي للحياة وليشمل الناحية الفكرية والروحية.

وبالجملة إن منهج الإسلام في العبادة هو وجود العلاقة بين العبد وربه،وحصول الاتصال بينهما دون انقطاع،لكن بنحو يكون في جميع شؤون الحياة وأمورها.

النقطة الثالثة:بعض الآثار التـربوية للعبادة:

ذكرنا على أن العبادة لا تختص بخصوص الطقوس التي يؤديها الفرد المسلم في أوقات مخصوصة،بل هي معنى أوسع،وهي على هذا سوف يكون لها مردود إيجابي وتربوي على الأفراد،بمعنى أنها سوف تترك أثراً على الآخرين.

وعلى هذا لا بأس من الإشارة لبعض الآثار التـربوية التي يتحصل عليها الفرد المسلم من خلال هذه العبادات التي يؤديها فنقول:

1-العبادة عامل في التـربية:

تدخل العبادات في إطار المنهج الإسلامي في التـربية،بمعنى أن العبادة إحدى الوسائل التي يتخذها الإسلام من أجل تربية الأفراد أخلاقياً واجتماعياً،لكونه أكثر الأساليب تأثيراً في روح أخلاق الإنسان.

والسر في ذلك يعود لكون القضايا الأخلاقية تدور على مبدأ رفض الذات وهجر مسألة الأنا،وأصل القضايا الإجتماعية هو مبدأ العدالة.

فالدين الإسلامي عندما عرض العبادة لم يعرضها مجردة عن الأخلاق والعدالة،بمعنى أن العبادة التي يدعو لها الإسلام عمادها هو الأخلاق والعدالة.

فنستنتج أن العبادة أن الطريق السليم للتـربية الإسلامية الأبناء يتم من خلال الاهتمام بمسألة الدعاء والعبادة،إذ هي فضلاً عما لها من العوامل الروحية، ذات مردود إيجابي على حياة الإنسان،ولعل هذا هو السر في دعوة غير واحد من أهل السير والسلوك إلى أن يتفرغ الإنسان لنفسه ساعة في كل يوم.

فالاستغفار ساعة في كل يوم أحد الطرق التي يحاسب الإنسان بها نفسه،ويتعرف من خلالها على أنه عمل صالحاً فيستحق دخول الجنة،أم أن عمله سيئ فعليه أن يلجأ للتوبة والاستغفار.

وهذا القرآن يشير إلى الأثر التـربوي للعبادة فيقول تعالى:- (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)،وقال عز من قائل:- (أقم الصلاة لذكري).

2-العبادة طريق للعودة إلى الذات:

لأن الإنسان في ظل العبادة يرى ذاته كما هي في الواقع،فيتنبه إلى النواقص والعيوب الموجودة عنده،ومن خلال العبادة يتعرف حقارة الأمور المادية المحدودة،فيتحفز إلى السير وبلوغ أعلى مراتب الكمال،فالعبادة تجديد للحياة الإيمانية وتقوية لها.

فبنفس السبب الذي يؤدي إلى انهماك الإنسان في الماديات،تدنيه العبادة من ذاته وتعيده إليها،وتوقظه وتبث فيه الوعي.

3-علاج الأمراض الروحية:

قد ذكر علماء النفس أن إحدى السبل والوسائل التي تعالج من خلالها مجموعة من الأمراض النفسية،كالعقد والقلق والتـردد وغير ذلك،هو اللجوء إلى العبادات والركون إلى الإيمان بالدين.

والظاهر أن ذلك يعود لكون جميع الآثار المعنوية والأخلاقية والاجتماعية تلخص في العبادة،ويجمعها جميعاً شيء واحد ألا وهو ذكر الله.

فالذكر عمل يصقل القلب ويجعله مستعداً للتجليات الإلهية،مما يثبت الخاصية والتأثير العميق لذكر الله في القلوب،إلى درجة أنها تصبح قادرة على الاستلهام ومناجاة الله.

وكلما أكثر الإنسان من ذكر الله كلما قلت معاصيه،لأنه بالذكر تنتفي عن الإنسان الغفلة فيبتعد عن المعاصي.

.

——————————————————————————–

[1] سورة البينة الآية رقم 5.

[2] بحار الأنوار ج 41 ص 101.

[3] سورة البقرة الآية رقم 177.