18 يناير,2019

السفراء الأربعة : حياتهم ونشاطهم(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

تفاصيل أعمال السفراء:

إن مما ينبغي أن يعلم، أننا في هذا البحث لا نحاول استقصاء كل ما ورد في تاريخ السفراء الأربعة(رض) من أخبار، بل نكتفي بإعطاء إشارات وعنوانين مع بعض الأمثلة لتوضيح ذلك، وحديثنا عن نشاطهم بنحو عام، لأنهم لا يكادون يتميزون في الأساليب، باعتبار صدورهم من منبع واحد، هي توجيهات الإمام المهدي(عج)، كما أن كل ما يستقل به بعض السفراء من خصائص راجع إلى اختلاف المصالح التي يراها المولى(روحي لتراب مقدمه الفداء) في ذلك، بحيث لو كان السفير الآخر في محله لقام بنفس العمل لا محالة.

وعلى أي حال نشير إلى أعمالهم ضمن أمور:
الأول: إقامة الحجة على إثبات صدقهم:
من خلال إظهار المعجزات، ووجه الحاجة إلى هذا يعود إلى أن منصب السفارة عن الإمام المهدي(ع) منصب مهم جليل، تصبوا إليه الأنظار وتـتشوق إليه النفوس، ومن ثم لم يكتف جماعة ممن لا حريجة له في دينه بمجرد الأمل بالحصول عليها، بل أدعى جماعة السفارة فعلاً عن الإمام المنـتظر(ع) كذباً وزوراً، استدراراً للأموال، واستجلاباً للأنظار، فلحقته لعنة الله.

ولهذا احتاج السفراء إلى إقامة الحجة على صدقهم من ناحيتين:
الأولى: كون السفير صادقاً في قوله، وغير طامع بالزعامة المزيفة في دعواه السفارة. وهذه الناحية، وإن كانت تـثبت بأمور عديدة:
منها: وثاقة السفير في نفسه بحسب التجربة التي يعيشها الناس معه.
ومنها: مدح الأئمة(ع) للسفيرين الأولين، وقد كان ذلك مشهوراً معروفاً بينهم.
ومنها: إيعاز كل سفير إلى خلفه أمام جمع من الخاصة.

إلا أن المعجزة على أي حال، ذات أثر حسي مباشر أقوى في إزالة الشك للشاك، وأنفع في التأثير على أولئك الوافدين الذين لم يعيشوا تلك الأمور، وإنما نقلت إليهم بعضها بنحو السماع.
الثانية: إفحام المدعين للسفارة زوراً، وإظهار كذبهم، ودجلهم، وذلك لأنه إذا أتضح للفرد جلياً قدرة السفير على إقامة خوارق العادة، وعجز الآخر عن ذلك، تعين لديه صدق الأول وكذب الثاني لا محالة.

علم السفراء بالغيب:
وقد دلت مجموعة من النصوص على أن السفراء كان عالمين بالغيب بنحو وآخر، وأحب الوقوف عند هذه المسألة شيئاً ما، والتعرض لبيانها بشكل مفصل، فأقول:
إن ما نؤمن به من اختصاص الله عز وجل بعلم الغيب، هو العلم الابتدائي، الذي يكون أزلياً لا بتعليم من أحد، فإنه سبحانه وتعالى يكون عالماً بما يكون غائباً عنا ومجهولاً لنا، من أجزاء الكون، وبما كان وما يكون من الأزل إلى الأبد، وهذا العلم يستحيل ثبوته لغير ذاته المقدسة سبحانه وتعالى.

وأما علم الغيب الذي نـنسبه إلى الأنبياء والأئمة(ع)، فهو تعليم من قبل العالم بالغيب سبحانه، ومن المعلوم الواضح كون البشر قابلين للتعلم، ولا يكون الأنبياء والأئمة(ع) أسوأ تعلماً من غيرهم، وهم هم في مراق كبيرة من الكمال.
نعم تختلف أنحاء التعليم، فهي في الأنبياء بالمباشرة والمشافهة عن طريق الوحي ونحوه، وفي الأئمة(ع) بالتلقي عن النبي(ص) جيلاً بعد جيل حتى الإمام الثاني عشر(عج).

وبالجملة علم الغيب بهذا المعنى، ممكن للأئمة(ع)، بل هو واقع بتواتر الروايات والنقل عنهم(ع)، بما فيهم الإمام الثاني عشر الحجة المهدي(عج).
وأما بالنسبة لغير الأئمة من الناس، فيكون بالتعلم من الأئمة(ع) فمثلاً يخبر الإمام المهدي(ع) سفيره الرابع بموعد وفاة ابن بابويه القمي، أو يخبر سفيره الثاني بموعد وفاته، ويعلم سفيره الثالث اللسان الآبي، ولو بمقدار حاجته في تلك الواقعة، إلى غير ذلك من الأمثلة.

على أن هناك أمرين يمكن جعلهما علة لما يخبر به السفراء الأربعة من علم الغيب:
الأول:الحدس الاجتماعي:
الذي يحصل لمن يعيش في معمعة المجتمع، إذا كان ذكياً وبعيد النظر، فإنه يستطيع أن يحدس بوقوع بعض الحوادث قبل وقوعها، بلحاظ ما يعرف من مجموع الملابسات.
وليس السفراء بأدنى من هذا المستوى في الذكاء، وبعد النظر على أي حال، وكانوا يعيشون الحوادث بكل إحساسهم، مما يجعل في الإمكان أن يحدسوا بأمور عديدة قبل وقوعها.

الثاني: الحدس الإيماني:
وهو ما يعبر عنه، فيقال: المؤمن ينظر بنور الله تعالى، فإن الإيمان وعمق الإخلاص لله عز وجل يعطي- بمقدار درجته- نحواً من الصفاء الذهني والكمال النفسي، يستطيع الإنسان بواسطته استشمام الحوادث قبل وقوعها، والحديث عنها قبل وقوعها أيضاً.

وهذا في واقعه درجة ضعيفة جداً، من درجات العلم الذي قلنا بإمكانه للإمام المعصوم(ع)، والفرق بينهما:
إنما هو في درجة الإيمان والإخلاص بين الإمام وغيره، فالإمام يـبلغ به كماله النفسي إلى أن يصيب الواقع بعلمه بوضوح، وأما غيره، فقد يحدس وقد لا يحدس، كما قد يصيب حدسه الواقع وقد يخطئ.
وعلى أي حال، فبالمقدار الذي نـثبته من الحدس لسائر المؤمنين المخلصين بالدرجة العليا، يمكن أن نصدق بثبوته للسفراء الأربعة أيضاً، فإنهم في هذه المرتبة من الإيمان والإخلاص، بطبيعة الحال.

نعم قد صدرت منهم(رض) بعض الإخبارات التي هي أعلى مستوى من الحدس الاجتماعي والحدس الإيماني، مما يعني حصر تفسير مثل هذا المستوى من العلم عندهم بالتعلم من الإمام المهدي(ع)، فيكون كل ما صدر عنهم، كما أنه فضيلة لهم، فمن باب أولى هو فضيلة للمولى(روحي لتراب مقدمه الفداء)، لكون المعلم والموجه لهم في ذلك.

بعض الكرامات التي صدرت منهم:
وبعد إحاطتنا بإمكانية علمهم بالغيب من خلال البيان الذي ذكرنا، لنشر إلى بعض النماذج والأمثلة التي وقعت في ذلك:
منها: ما قاله الحسين بن روح للراوي الذي ناقشه في بعض الأمور العقائدية، فغدا عليه من الغد وهو يقول في نفسه: أتراه ذكر لنا يوم أمس من عند نفسه؟…فابتدأه ابن روح، بدون سبق الكلام قائلاً: يا محمد بن إبراهيم، لئن أخر من السماء فتخطفني الطير، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق، أحب إليّ من أن أقول في دين الله برأيي ومن عند نفسي، بل ذلك من الأصل، ومسموع من الحجة(ص).

وقد اجتمعت في هذه الرواية ثلاثة أمور، أنتجت نتيجة واضحة:
1-شك المخاطب.
2-التأكيد الذي ذكره ابن روح في كلامه.
3-أن ابن روح ابتدأه بالكلام بما في نفسه قبل أن يعرب عنه، وهو خرق للنواميس الطبيعية، وعلم الغيب ببعض مراتبه، وبذلك ارتفع شكه، ولم يكن شكه ليرتفع بغير ذلك.
ومنها: إخبار السفير الرابع(رض) بوفاة علي بن الحسين بن بابويه القمي، فكتب المشائخ تاريخ ذلك اليوم، فورد الخبر أنه توفي في ذلك اليوم.

ومنها: أن أبا جعفر العمري، أخرج إلى محمد بن متيل، ثويـبات معلمة، وصريرات فيها دراهم، وقال له: تحتاج أن تصبر نفسك إلى واسط في هذا الوقت، وتدفع ما دفعته إليك إلى أول رجل يلقاك عند صعودك من المركب في واسط. وبعد أن ينفذ ابن متيل هذا الأمر يرى الشخص المقصود، كما وصفه العمري، ويظهر له من تضاعيف الحادثة أن صرة الثياب هي كفن لمحمد بن عبيد الله الحايري، وصرة الدراهم كراء الحمالين والحفار.

ويستفاد من بعض هذه الروايات، أن هذه الإخبارات تقع بأمر من الإمام الحجة المهدي(عج) وأنها ليست من السفراء، وإنما هم يقومون بإبلاغها ليس إلا.
وعلى أي، فالشواهد والقضايا في هذا المجال كثيرة جداً، يمكن للقارئ متابعتها في الكتب المتعرضة لذلك.

الثاني: الجهاد العلمي لهم:
حول المناقشات العقائدية، وحلول المشاكل العلمية التي كان يقوم بها السفراء الأربعة(رض)، سواء من ذلك ما كان لتوجيه أصحابهم وصقل أفكارهم، أم لأجل الاحتجاج ضد الشبهات التي يثيرها الآخرون، والدفاع عن الحق بلسان مخلص سليم.
هذا ولا يخفى أن حديثنا لا يشمل المناقشات والتوجيهات الفقهية والعقائدية والاجتماعية التي كانت تصدر من الناحية المقدسة على أيديهم(رض)، لأن ذلك يعتبر من أعمال الإمام الحجة(ع) نفسه.
كما لا يشمل المناقشات التي كانت تدور بينهم وبين من يدعي السفارة أو الوكالة عن الإمام المنـتظر(عج) زوراً، فإن لذلك مجال يتعرض فيه إليه.

فينحصر الأمر عندنا في التوجيهات والمناقشات التي يذكرها أحد السفراء الأربعة من عند أنفسهم، باعتبار ما يعرفونه من الحق، في حدود تعاليم الإمام الحجة(عج) ومسلكهم العام، ويمكنـنا أن نذكر لذلك أمثلة عديدة:
الأول: النهي عن التصريح باسم الإمام المهدي(ع).
الثاني: الشكوى من جور السلطات، وسطوتهم.
الثالث: مناقشة الشيخ ابن روح لبعض المتكلمين المعروف بترك الهروي، في فضل السيدة الزهراء(ع) على سائر بنات النبي(ص)، حتى قال الهروي: فما رأيت أحداً تكلم وأجاب في هذا الباب بأحسن ولا أوجز من جوابه.
الرابع: مناقشته لرجل حول مقتل الإمام الحسين(ع) بيد أعداء الله عز وجل، وقد أجابه بجواب مطول، وأكد فيه أن حكمة الله عز وجل قد جرت في أن أنبيائه وأوليائه يكونون في حال غالبين، وأخرى مغلوبين، وفي حال قاهرين، وأخرى مقهورين، لو جعلهم الله عز وجل في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين، ولم يـبتلهم، ولم يمتحنهم، لأتخذهم الناس آلهة من دون الله عز وجل، ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والاختبار، ولكن جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم، ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين، وفي حال العافية والظهور على الأعداء شاكرين، ويكونوا في جميع أحوالهم متواضعين، غير شامخين، ولا متجبرين…..الخ…

الثالث: المساهمة في إخفاء الإمام المهدي:
وهذا الذي كان يكافح له كل واحد من السفراء الأربعة، ويؤكد عليه ملياً، وكيف لا، وهو على مستوى المسؤولية التي عبر عنها بعض النوبختي من معاصريهم، بأنه لو كان الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ليكشف الذيل عنه، لما كشفه.

فمن ذلك أن عبد الله بن جعفر الحميري وأحمد بن إسحاق الأشعري، وهما من أجلاء علماء الأصحاب، وخاصة الموالين لخط الأئمة(ع) طلبا من أبي عمرو عثمان بن سعيد السفير الأول أن يخبرهما عن اسم الإمام المهدي(ع)، فقال: نهيتم عن هذا.

وفي رواية أخرى تـتحدث عن نفس الواقعة، أنه قال: محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي، وليس لي أن أحلل وأحرم، ولكن عنه(ع)، فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمد(ع) مضى ولم يخلف ولداً وقسم ميراثه، وأخذه من لا حق له، وصبر على ذلك، وهو ذا عياله يجولون، وليس أحد يجسر أن يتعرف إليهم، وينيلهم شيئاً، إذا وقع الاسم، وقع الطلب، فاتقوا الله وأمسكوا عن ذلك.

ولا يخفى أن هذا التشديد في النهي عن ذكر الاسم حتى أمام هؤلاء الخاصة، خوفاً من أن يتسرب ببطء ، ولو من غير قصد، إلى أصحاب النيات السيئة والنفوس المريضة من عملاء الدولة، أو ممن يضعف أمام التهديد أو التعذيب، ويخاف حينئذٍ من سطوتها، فيصرح بسره، ويكشف ما في نفسه.
وخرج التوقيع من الناحية المقدسة إلى محمد بن عثمان العمري السفير الثاني(رض)، ابتداء من غير مسألة، ليخبر الذين يسألون عن الاسم: أما السكوت والجنة، وأما الكلام والنار، فإنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه، وإن وقفوا على المكان دلوا عليه.

فنلاحظ أنه(عج) يصدر أمراً إلى سفيره ليقوم بإخبار هؤلاء الفضوليـين الذين يسألون عن الاسم، أنهم مأمورون بالسكوت، فإنهم إن تقدموا بشيء في هذا السبيل، فالنار مثواهم وبئس المصير.
وقد علل(ع) ذلك، بضعف الإخلاص والإرادة عند الفرد المسلم، وإن كان سائراً على خط الأئمة(ع)، فإنه إن اطلع على الاسم أفشاه، وصرح به تحت الضغط الحكومي العالي، وإن عرف المكان دل عليه الناس والسلطات.

ومما ينبغي الإلتفات إليه، أنه هذه التساؤلات قد أثيرت في أغلب أمرها في السنوات الأولى من فترة الغيـبة، حيث نلحظ أن التحريم قد صدر من السفيرين الأول والثاني.

الرابع: خفاء السفراء عن السلطات:
إن مسلك التستر والحذر الذي أشرنا له فيما سبق، كمنهج أنتهجه السفراء الأربعة(رض)، أنتج تماماً ما هو المقصود، وهو الخفاء على القواعد الشعبية السائرة في ركاب السلطات، وعيون الدولة، وعلى المنـتفعين منها، والضالين بركابها.
وليس أدل على ذلك ما سمعناه فيما تقدم من تفضيل السفير الثالث الخلفاء الثلاثة الأُول على أمير المؤمنين(ع) في مجلس العامة، فنـتج من ذلك أن رفعه العامة على رؤوسهم، وكثر الدعاء له، والطعن على من يرميه بالرفض.

وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على جهلهم التام بسفارته، وأنهم غاية ما يحملون عنه من فكرة، أنه متهم بالرفض، وقد محى ما صدر منه هذه التهمة، بل صار دليلاً على كذبها في نظرهم، وإذا لم يكن رافضياً فكيف يكون سفيراً عن الإمام المنـتظر(عج).
وهذا هو ما كان يصبو إليه الشيخ ابن روح(رض) وهو إبعاد احتمال السفارة عن أذهانهم إبعاداً تاماً، وجعلها بشكل لا يمكن أن تخطر في ذهنهم، فضلاً عن أن يصدقوا بها. وإذا كانوا لا يعلمون به، فهم لا يعلمون بأسلافه أيضاً، ولا بخلفه بطريق أولى، ويندرج في هذا الخط، سائر السائرين على هذا المنهج من حكام ومحكومين، غير شخص الخليفة.
أما الخلفاء، فتوجد بعض القرائن التاريخية الدالة على أنهم كانوا عارفين بالحق وبموضعه، كما صرح بذلك الشيخ الصدوق في إكمال الدين، فهذا الشيخ الحسين بن روح، يحظى بمكانة عظيمة عند الخليفة المقتدر، ولا وجه لتفسير ذلك إلا إطلاع المقتدر على سفارة الشيخ ابن روح، لأن هناك احتمالاً وهو أن منشأ حظوة ابن روح عند المقتدر هي علمه وسعة إطلاعه، وحضور خاطره.

وهذا الاحتمال وإن كان وجيهاً في نفسه، إلا أنه يـبعده حبس المقتدر مدة من الزمن لابن روح، فضلاً عن أن ابن روح قد استـتر فترة من الزمن، فلا نجد تفسيراً لهذا ينسجم مع هذا الاحتمال المذكور.
وعليه يعود ما استظهرناه، من أن ذلك يعود لإطلاع المقتدر على سفارته، خصوصاً لما قد يـبلغ السلطات بشكل غامض وغير مباشر، ما قد يقوم به(رض) من أعمال بصفته سفيراً للصاحب(عج).

والمانع من إلقائها القبض عليه، هو فقدانها لأي مستمسك ضده، فتضطر لغض الطرف عنه، وتطلق سراحه.
ومثل المقتدر في إطلاعه على هذا الأمر، المعتمد، والراضي، نعم لما ذكرناه من عدم وصولها إلى سبب يستلزم القبض عليهم، كانت تفرج عنهم.