20 مارس,2019

السفراء الأربعة: حياتهم ونشاطهم(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال الإمام العسكري(ع): العمري وأبنه ثقتان، فما أديا فعني يؤديان، وما قالا فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان.

مدخل:
السفراء الأربعة هم الذين تولوا الوكالة الخاصة عن الإمام المنـتظر المهدي(عج) خلال فترة غيـبته الصغرى، وهم كل من:
1-عثمان بن سعيد العمري.
2-أبنه محمد بن عثمان العمري.
3-الحسين بن روح النوبختي.
4-علي بن محمد السمري.

وقد كان وجودهم يشكل المزية الرئيسية لهذه الفترة، وقد انتهى زمن الغيـبة، بوفاة رابعهم.
ويعدّ ضبط السفراء بهذا الشكل من ضروريات المذهب الإمامي الأثني عشري، ومن واضحات تاريخهم الخاص، مما يجعلنا في غنى عن الحاجة إلى إثبات هذا الأمر.

نعم ما يهمنا هو التكلم حول حياتهم الشخصية، وترجمة كل واحد منهم، مع سرد ما ورد في شأنهم من نصوص، كما أنه ينبغي الحديث عن أساميهم في التبليغ وطرقهم في الاتصال بالناس.

التعريف الشخصي بالسفراء:

إن التعرض إلى حياة السفراء الأربعة الخاصة والعامة، سيكون في حدود ما وصل إلينا من تاريخهم ليس إلا.

السفير الأول:
هو الشيخ الموثوق المعتمد محمد بن عثمان بن سعيد العمري، أبو عمرو الأسدي. وإنما سمي بالعمري نسبة إلى جده، ويقال له العسكري أيضاً، لأنه كان من عسكر وهي سامراء، ويقال له السمان: لأنه كان يتجر بالسمن تغطية على الأمر.

وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمد(ع) ما يجب عليهم حمله من الأموال انفذوا إلى أبي عمرو، فيجعله في جراب السمن وزقاقه، ويحمله إلى أبي محمد(ع) تقية وخوفاً.
له من الأولاد: محمد وهو السفير الثاني، وأحمد. لم تـتعرض المصادر التاريخية إلى تاريخ ولادته، ولا عام وفاته، وإنما يرد أسمه أول ما يرد كوكيل خاص للإمام الهادي(ع)، وكان يستوثقه ويمدحه بمثل قوله: هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم فعني يقوله، وما أداه إليكم فعني يؤديه.

وهذا النص يوضح النشاط الذي كان يقوم به أبو عمرو، وهو نقل المال والمقال من الإمام الهادي(ع) وإليه، فكان يمثل مع جماعة آخرين دور الوساطة بينه وبين قواعده الشعبية، في فترة بدأ فيها الإمام(ع) بتطبيق مسلك الاحتجاب عن مواليه تمهيداً لهم على الغيـبة التي سوف يواجهونها في حفيده الحجة المنـتظر(عج).

وبعد وفاة الإمام الهادي(ع) يصبح أبو عمرو وكيلاً خاصاً موثوقاً إلى الإمام العسكري(ع)، ذا نشاط ملحوظ، وبراعة في العمل، فيسير على نفس المسلك الذي كان عليه في عهد الإمام الهادي(ع) في إيصال الأموال والأسئلة بنفس الطريقة التي كان يخفي بها ما يريد إيصاله إليه(ع). ويظهر أمام الناس كتاجر اعتيادي بالسمن، تغطية على حاله ومسلكه وعقيدته.

وكان الإمام العسكري(ع) يكثر من مدحه والثناء عليه في مناسبات مختلفة، وأمام أناس كثيرين. فمن ذلك أنه(ع) قال: هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعني يقوله، وما أدى إليكم فعني يؤدي.

وقال أمام وفد من اليمن: أمض يا عثمان، فإنك الوكيل والثقة المأمون على مال الله.
وقد أدى هذا الثناء والمدح عليه من قبل الإمامين العسكريـين(ع) أن يشتهر حاله ويكتسب جلالة في الشأن بين الشعب الموالي لأهل البيت(ع). قال أبو العباس الحميري: فكنا كثيراً ما نـتذاكر هذا القول، ويعني مدح الإمام العسكري له، ونـتواصف جلالة محل أبي عمرو.

وقال وفد اليمن حين سمع من الإمام(ع) مدحه: يا سيدنا إن عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك، وأنه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى.
فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالته، وتـتسالم على وثاقته وجلالة قدره. ولما ولد للإمام العسكري(ع) ولده الخلف الحجة المؤمل(عج) يـبعث إلى أبي عمرو ويأمره أن يشتري عشرة آلاف رطل من خبز وعشرة آلاف رطل لحم، ويفرقه على بني هاشم، وأن يعق بكذا وكذا شاة.

وفي مجلس حافل بالخاصة، يعدّون بأربعين رجلاً، عرض الإمام العسكري(ع) ولده المهدي(عج) فيه، ونص فيه على إمامه وغيبته…وينص على وكالة عثمان بن سعيد عن المهدي(عج) وسفارته له قائلاً: فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، أو اقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والأمر إليه.
وبعد رحيل الإمام العسكري(ع) يكون العمري أحد الحاضرين في تغسيله، ويتولى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه وإقباره.

والذي يظهر من عبارة الشيخ الطوسي(ره) أن الإمام الحجة(ع) هو الذي قام بتغسيل والده، كما قام بالصلاة عليه، ودفع عمه جعفر لما أراد أن يتقدم للصلاة عليه أمام جماعة من الناس، منهم أبو عمرو، وبالتالي قام أبو عمرو بباقي الشؤون من تكفين وتحنيط وإقبار.

ومن ذلك الحين يتولى العمري السفارة عن المولى المنـتظر(عج) ليكون السفير الأول، فيضطلع بالمهمة العظمى، في ربط الإمام(عج) بقواعده الشعبية، وتبليغ توجيهاته وتعاليمه، وأنحاء تدبيره وإدارته إليهم، وإيصال أسئلتهم ومشاكلهم وأموالهم إليه، وتنفيذ أوامر الإمام وتوجيهاته فيهم.

ولما قرب رحيله عن الدنيا، قام بتبليغ الشيعة والقواعد الشعبية للإمام الحجة المنـتظر(عج) ما هو مأمور به من قبل الإمام الحجة(عج)، من إيكال السفارة بعده إلى أبنه محمد بن عثمان، وجعل الأمر كله مردود إليه.
وقد صدر من الناحية المقدسة كتاب يعزي فيه ولده، قال(عج): إنا لله وإنا إليه راجعون. تسليماً لأمره ورضاء بقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه(ع)، فلم يزل مجتهداً في أمرهم ساعياً فيما يقربه إلى الله عز وجل وإليهم، نضر الله وجهه وأقال عثرته.

وفي كتاب آخر يصدر من الناحية المقدسة يجيء فيه: أجزل الله لك الثواب وأحسن لك العزاء، رزيت ورزينا وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسره الله في منقلبه، وكان من كمال سعادته أن رزقه الله تعالى ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحم عليه، وأقول: الحمد لله، فإن الأنفس طيبة بمكانك، وما جعله الله تعالى فيك وعندك، أعانك الله وقواك وعضدك، ووفقك، وكان لك ولياً وحافظاً وراعياً وكافياً.

السفير الثاني:
الشيخ الجليل محمد بن عثمان بن سعيد العمري، تولى السفارة بعد أبيه، بنص من الإمام العسكري(ع)، حيث قال(ع) لوفد اليمن: واشهدوا عليّ أن عثمان بن سعيد وكيلي، وأن أبنه محمد وكيل ابني مهديكم.
وكانت قواعده الشعبية مجتمعة على عدالته ووثاقته وأمانته، لا يختلف في ذلك اثنان من الشيعة الإمامية، وكيف لا وفيه وفي أبيه، قال الإمام العسكري(ع) لبعض أصحابه: العمري وأبنه ثقتان، فما أديا فعني يؤديان، وما قالا فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان.

وقد تظافرت وتواترت الكلمات الصادرة في حقه عن الإمام الحجة(ع)، حيث قد مرّ عليك تعزيته له بوفاة أبيه، ويثني عليه الثناء العاطر، ويشجعه، وهو في أول أيام اضطلاعه بمهمته الكبرى.
وقال في حقه(عج) أيضاً: لم يزل ثقتنا في حياة الأب رضى الله عنه وأرضاه وأنضر وجهه، يجري عندنا مجراه، ويسدّ مسده، وعن أمرنا يأمر الابن، وبه يعمل.

وقد كانت التوقيعات المباركة الصادرة من الناحية المقدسة تخرج على يديه عن الإمام المهدي(عج) في المهمات، طول حياته، بالخط الذي كانت تخرج به في حياة أبيه عثمان، لا يرجع في هذا الأمر لأحد سواه من الشيعة، ولا يعرف بهذا الأمر بينهم غيره.
وبقي مضطلعاً بمسؤولية السفارة نحواً من خمسين سنة. ولم يفت أبو جعفر العمري(رض)، أن يوصي إلى خلفه السفير الثالث: الحسين بن روح، بأمر من الإمام الحجة(عج).

السفير الثالث:
هو الشيخ الجليل أبو القاسم الحسين بن روح ابن أبي بحر النوبختي، من بني نوبخت، وهو كغيره من السفراء وغيرهم، لم يذكر تاريخ ولادته، ولا تاريخ مبدأ حياته.
نعم يلمع نجمه من البداية كوكيل مفضل لأبي جعفر محمد بن عثمان العمري، ينظر في أملاكه، ويلقي بأسراره لرؤساء الشيعة، وكان خصيصاً به.

وقد حصل له في نفوس الشيعة مكاناً جليلاً لمعرفتهم باختصاصه بأبي جعفر وتوثيقه عندهم، ونشر فضله ودينه، وما كان يحتمله من هذا الأمر، أعني الدعوة الإمامية الأثني عشرية، فمهدت له الحال في طول حياة أبي جعفر، إلى أن انتهت الوصية إليه بالنص عليه، فلم يخـتلف في أمره ولم يشك فيه أحد.

وقد قدم بعض الموالين بمال على أبي جعفر العمري مقداره أربعمائة دينار للإمام(عج)، فأمره بإعطائها إلى الحسين بن روح، وحين تردد هذا الشخص في ذلك، باعتبار عدم وصول السفارة إليه يومئذٍ، فأكد أبو جعفر عليه ذلك، وأمره مكرراً بإعطاء المال لابن روح، وذكر له أن ذلك بأمر الإمام المهدي(ع).

ولما اشتدت حال أبي جعفر السفير الثاني، اجتمع لديه جماعة من وجوه الشيعة، منهم: أبو علي بن همام، وأبو عبد الله بن محمد الكاتب، وأبو عبد الله الياقطاني، وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي، وأبو عبد الله بن الوجناء، وغيرهم من كبار الوجوه والأكابر، فقالوا له: إن حدث أمر، فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، قائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر(ع)، والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعولوا عليه في مهماتكم، فبذلك أمرت، وقد بلغت.

وروي عن أبي جعفر بن أحمد بن متيل، وهو من متقدمي أصحابه وأجلائهم، أنه قال: لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري الوفاة، كنت جالساً عند رأسه أسأله وأحدثه، وأبو القاسم ابن روح عند رجليه، فالتفت إليّ ثم قال: أمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح، قال ابن متيل: فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني، وتحولت إلى عند رجليه.

إلى غير ذلك من تأكيدات أبي جعفر عليه، وإعلان وكالته، والسبب المهم في هذا التأكيد، هو كون الحسين بن روح، لم يكن قد عاش تاريخاً زاهراً حافلاً بإطراء وتوثيق الأئمة(ع)، كالتاريخ الذي عاشه السفيران السابقان، حتى قبل توليهما للسفارة. ومن ثم احتاج أبو جعفر العمري، من أجل ترسيخ فكرة نقل السفارة إلى الحسين بن روح، وتوثيقه في نظر قواعده الشعبية الموالية لخط الأئمة(ع)، أن يكرر الإعراب عن مهمته في إيكال الأمر إليه، وأن يأمر بدفع أموال الإمام(ع) إليه قبل وفاته بعامين أو أعوام….بأمر من الإمام المهدي(عج).

هذا والملاحظ أن أبا القاسم بن روح، على جلالة قدره، وقربه من السفير الثاني واختصاصه به، لم يكن خير أصحابه، ولم يكن الأخص تماماً به، فقد كان لأبي جعفر من يتصرف له ببغداد نحو عشرة أنفس وأبو القاسم ابن روح(رض) فيهم.

وكلهم كانوا أخص به من ابن روح، حتى أنه كان إذا احتاج إلى حاجة أو إلى سبب، فإنه ينجزه على يد غيره، لما لم تكن له تلك الخصوصية، فلما كان وقت مضى أبو جعفر(رض) وقع الاختيار عليه، وكانت الوصية إليه.

ولهذا كانت هناك مصلحتان مزدوجتان في إيكال السفارة إليه:
الأولى: وصول هذا المنصب إلى الشخص المخلص إخلاصاً، بحيث لو كان الإمام المنـتظر(عج) تحت ذيله وقرض بالمقاريض، لما كشف الذيل عنه.
الثانية: غلق الشبهة التي تصدر من المرجفين، من أنه إنما أوكل الأمر إلى ابن روح، باعتبار كونه أخص أصحاب أبي جعفر العمري، وألصقهم به….فإنه لم يكن بأخصهم ولا بألصقهم، وإن كان من بعض أخصائه في الجملة.

بل كانت الأذهان بعيدة عنه، وكان احتمال الإيكال إليه، ضعيفاً عند الواعين المستبصرين بشؤون المجتمع من أصحابه، حتى أحتاج أبو جعفر لأجل ترسيخ فكرة الإيكال إليه وإيضاحها، إلى تكرار الإعلان عن ذلك، وتقديمه على ساعة موته بسنوات. وإنما كانت الظنون تحوم حول أشخاص آخرين، أرسخ من أبي القاسم ثقافة وتاريخاً كجعفر بن أحمد بن متيل، وأبيه، باعتبار خصوصيته، وكثرة كينونته في منـزله، حتى بلغ أنه كان في آخر عمره لا يأكل طعاماً، إلا ما طبخ في منـزل جعفر بن أحمدبن متيل وأبيه.
وبالرغم من ذلك فقد أوكلت السفارة إلى الحسين بن روح، فسلم الأصحاب، وكانوا معه وبين يديه، كما كانوا مع أبي جعفر(رض).

وعلى أي حال، فقد كان أول كتاب قد تلقاه من الإمام الحجة المنـتظر(عج)، كتاب يشمل على الثناء عليه، ومشاركة الحملة التي بدأها أبو جعفر العمري في تعريف الحسين بن روح للرأي العام والأصحاب، ممن مشى على خط الأئمة(ع)، وقد مثل هذا الكتاب آخر وأهم خطوة في هذا الطريق، لكي يـبدأ هذا السفير بعدها مهمته بسهولة ويسر، وقد دعا له المهدي(عج) في الكتاب، وقال: عرفه الله الخير كله ورضوانه، وأسعده بالتوفيق وقفنا على كتابه، وثقتنا بما هو عليه، وأنه عندنا بالمنـزلة والمحل اللذين يسر أنه زاد الله في إحسانه إليه، إنه ولي قدير، والحمد لله لا شريك له وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.

وقد اضطلع أبو القاسم منذ ذلك الحين بمهام السفارة، وقام بها خير قيام، وكان مسلكه الالتـزام بالتقية المضاعفة، بنحو ملفت للنظر، بإظهار الاعتقاد بمذهب من المسلمين، يحفظ بذلك مصالح كبيرة، ويجلب بها قلوب الكثيرين.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على لباقته، وسعة إطلاعه وتوجيهه على هذا المسلك من قبل الإمام الحجة المهدي(عج).
وقد تولى(رض) أيام سفارته الحملة الرئيسية ضد ظاهرة الانحراف عن الخط، وادعاء السفارة زوراً، بتبليغ القواعد الشعبية توجيهات المهدي(ع) في ذلك، وشجبه ظاهرة الانحراف عن الخط، وادعاء السفارة زوراً، بتبليغ القواعد الشعبية توجيهات المهدي(عج) في ذلك وشجبه لظاهرة الانحراف.

السفير الرابع:
الشيخ الجليل أبو الحسن علي بن محمد السمري، أو السيمري، أو الصيمري، والمشهور جداً هو الأول، وهو كسوابقه لم يعرف له تاريخ ولادة، نعم ذكر كواحد من أصحاب الإمام العسكري(ع)، ثم ذكر قائماً بمهام السفارة عن الإمام المهدي(عج) بـبغداد، بعد الشيخ الحسين بن روح، بإيعاز منه عن الإمام المهدي(عج).
وقد علم ذلك بالتسالم والاتفاق عليه من قبل الشيعة في ذلك العصر، وهذا التسالم والاتفاق من الطرق المعتمدة عند القواعد الشعبية الموالية للإمام(عج) تعتمده وتـتبعه، وهذا التسالم مأخوذ في التاريخ جيلاً بعد جيل عن جيل الغيـبة الصغرى، مما يعلم بوجوده ويحرز تحققه بالقطع واليقين.

هذا ولم يتسن للسفير الرابع خلال مدة سفارته القصيرة القيام بفعاليات موسعة كالتي قاموا بها، ولم يستطع أن يكتسب العمق والرسوخ في القواعد الشعبية كالتي اكتسبوه، وإن كان الاعتقاد بجلالته ووثاقته، كالاعتقاد بهم.
ولعل منشأ حصر نشاطه يعود لكون تلك السنوات كانت مليئة بالظلم والجور، وسفك الدماء، لأنه من المعلوم أن النشاط الاجتماعي يقترن وجوده دائماً، بالجو المناسب والفرصة المواتية، فمع صعوبة الزمان، وكثرة الحوادث وتشتـت الأذهان، لا يـبقى هناك مجال لمثل عمله المبني على الحذر والكتمان.

كما يمكن أن يكون هذا أحد الأسباب التي دعت إلى انقطاع السفارة الخاصة، ووقع الغيـبة الكبرى. ولذا نجد السمري يخرج إلى الناس قبل وفاته بأيام، توقيعاً من الإمام الحجة(عج)، يعلن فيه انتهاء الغيبة الصغرى، وعهد السفارة بموت السمري، ويمنعه عن أن يوصي بعد موته إلى أحد ليكون سفيراً بعده، قال(عج) فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم: يا علي بن محمد السمري! أعظم الله أجرك إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فأجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك. فقد وقعت الغيـبة التامة، فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً. وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن أدعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وقد كان هذا آخر خطاب خرج من الناحية المقدسة، عن طريق السفارة الخاصة، وآخر ارتباط مباشر بينه وبين الناس في الغيـبة الصغرى.
يقول الراوي: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه، وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك، فقال: لله أمر هو بالغه، وقضى. فهذا آخر كلام سمع منه، رضي الله عنه وأرضاه.

الاتجاه العام للسفراء:
بعدما تعرفنا على شيء من الحياة الشخصية للسفراء الأربعة(رض) ينبغي أن نسلط الضوء على الاتجاه العام لهم، في حياتهم الاجتماعية، ويتم ذلك من خلال عدة أمور:
الأول: الاضطلاع بقيادة قواعدهم الشعبية الموالية للإمام(عج)، من الناحية الفكرية والسلوكية، طبقاً لأوامره(عج).
وبعبارة أخرى: التوسط في قيادة الإمام المنـتظر(عج) للمجتمع وتطبيق تعاليمه فيه، طبقاً للمصالح التي يراها يتوخاها.

الثاني: الإخلاص في السفارة عن المهدي(ع)، وفي خدمة قواعدهم الشعبية المفتقرة إلى قيادتهم وسفارتهم كل الافتقار، والتضحية في سبيل ذلك بالغالي والنفيس.
الثالث: أن لا يكون عملهم ملفتاً للنظر، وأن تكون حياتهم وتجاراتهم طبيعية جداً، فلا تـثير أي تساؤل أمام الدولة وعملائها، وقواعدها الشعبية. ويشهد لهذا ما قدمناه من أن عثمان بن سعيد(رض) السفير الأول، كان يوصل الأموال إلى الإمام العسكري(ع) في جراب الدهن الذي كان يتاجر به.

ولم يتغير الخط الأساسي الذي كانت تسير عليه الدولة بعد وفاة الإمام العسكري(ع)، وبدء الغيـبة الصغرى، مما يعني استمرار الشيخ العمري(رض) على نفس الأسلوب حين قيامه بالسفارة عن الإمام الحجة(عج).
كما أن التاريخ ينقل لنا عن السفير الثالث(رض) أنه لم يكن له خدم، ولم يكن حوله جماعة، على حين أنه كان من يدعي السفارة زوراً حولهم الخدم والجماعة.

الرابع: التزامهم مسلك التقية، مهما أحوجهم الأمر إلى ذلك، فيجعلونه طريقاً لتهدئة الخواطر عليهم، وإبعاد النظر عنهم، لكي تنفسح لهم فرصة أوسع، ومجال أكبر للعمل، مما إذا كانوا مراقبين ومطاردين بشكل مستمر أكيد.
فهذا الشيخ الجليل أبو القاسم الحسين بن روح(ره)، كان يحضر مجالس العامة غير الموالين للأئمة(ع)، فصادف في بعض المجالس أن تناظر اثنان، فأدعى أحدهما: أن أبا بكر أفضل الناس من بعد رسول الله(ص)، ثم عمر ثم علي، وقال الآخر: بل علي أفضل من عمر، فزاد الكلام بينهما، فقال أبو القاسم(رض) الذي اجتمعت الصحابة عليه، هو تقديم الصديق ثم بعده الفارق، ثم بعده عثمان ذو النورين، ثم الوصي، وأصحاب الحديث على ذلك، وهو الصحيح عندنا، فبقي من حضر المجلس متعجباً من هذا القول، وكان الحضور العامة يرفعونه فوق رؤوسهم وكثر الدعاء له، والطعن على من يرميه بالرفض.

ولا يخفى أن هذا المنهج في استخدام التقية الذي نرى الشيخ الجليل أبا القاسم(رض) قد استخدمه في هذه القضية التي ذكرنا، قد استقى السفراء الأربعة خطوطه العامة من الإمام المهدي(عج) بحسب ما يرى من المصالح في ذلك الحين والظروف التي كانت تعيشها قواعده الشعبية تجاه الدولة والآخرين، وكان كل سفير منهم يطبقه بمقدار ظروفه، وشكل تطور الحوادث في زمنه.

مقومات السفير المنتخب:
قد يثير البعض، أنه كيف يمكننا أن نعرف صدق هؤلاء الذين يدعون السفارة الخاصة عن الإمام(عج) بحيث يصدقون ويقبل قولهم، بينما نجد الرفض للكثيرين ممن قد أدعوا ذلك، وصدور التكذيب في حقهم؟…
وهذا التساؤل المثار، يتضح جوابه، من خلال ما سبق وكنا قد أشرنا إليه عند حديثنا عن الحياة الشخصية للسفراء الأربعة، بحيث ذكرنا هناك أن كل واحد منهم، قد نص عليه باسمه، من خلال الوصية إليه إما من قبل الإمام المعصوم(ع)، أو من خلال السفير الذي قبله، وهذا افتقر إليه غيرهم.

هذا ويضاف إلى أنه لابد من كون هؤلاء الوكلاء متصفين بدرجة من الإخلاص عظيمة، بحيث يكون من المستحيل عادة أن يشوا بالإمام المهدي(عج)، أو أن يخبروا بما يكون خطراً عليه، ولو مزق لحمهم ودق عظمهم. ولذ لا يتصور أن السفير هو من يكون الأكثر معرفة فقهية، أو الأوسع ثقافة، وإطلاعاً، لأن السفارة عن الإمام(ع) لا تعني إلا التوسط بينه وبين الآخرين، ولا دخل للأفضلية الثقافية، أو الأقوائية الفقهية فيه. ولذا وجدنا أن السفارة قد أسندت إلى السفير الثالث، مع وجود من هو أفضل منه رتبة ومنـزلة.

وهذا المعنى قد أشارت له بعض الروايات، حيث اعترضوا على أبي سهل النوبختي، فقيل له: كيف صار هذا الأمر-أي السفارة- إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟…فقال: هم أعلم وما اختاروه. ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم، ولو علمت بمكانه(يعني الإمام المنـتظر المهدي) كما علم أبو القاسم، وضغطتني الحجة، لعلي كنت أدل على مكانه، وأبو القاسم فلو كان الحجة تحت ذيله، وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه.

خط الإمام الحجة:
وقد كانت الواسطة كما عرفت بين السفراء الأربعة(رض) والإمام الحجة(عج) عبارة عن التوقيعات والكتب التي كانت تصدر عن الناحية المقدسة، وهنا أمر ينبغي التوجه إليه، وهو أنه لم يذكر لنا التاريخ طيلة فترة تسعة وستين عاماً وأشهر، أن أحداً قد شكك في توقيع قد صدر بيد واحد منهم(رض)، وذلك لأن الخط الذي كان يستعمله الإمام المهدي(عج) في توقيعاته وبياناته، كان خطاً موحداً يعرفه الناس المتـتبعون لذلك، فهو لا يختلف باختلاف أشخاص السفراء واختلاف خطوطهم، مما يحصل القطع بصدوره عن الإمام المهدي(ع).
ومن الواضح أن استعمال الخط في معرفة صاحبه أمر عقلائي متسالم عليه بين الأمم، ولو سلمنا كون أحد السفراء ذا فن في مضاهات الخط وتزويره، إلا أنه يستحيل بالنسبة إليهم جميعاً عادة.

وقد توخى الإمام الحجة(عج) أن تصدر بياناته، بنفس الخط الذي كانت تصدر به بيانات أبيه(ع)، حيث كان خط الإمام العسكري(ع) معروفاً لدى جملة من قواعده الشعبية، وخاصة من كان من خاصتهم ومبرزيهم.
وبهذا تكون شهادة الخط أوسع وأعلى من شهادة السفير، بكون هذا البيان صادراً عن الناحية المقدسة، فإذا انضمت الشهادتان، وتصادقتا على ذلك، كان في ذلك الكفاية لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد.