15 ديسمبر,2018

الحياء

اطبع المقالة اطبع المقالة

الحياء

 

هناك صفتان نفسيتان عند الإنسان، إحداهما ممدوحة والأخرى مذمومة، وهما الحياء والخجل، ومنشأ مدح الأولى كشفها عن قوة نفسية تمنع من فعل القبيح، والثانية تنتج من ضعف الشخصية. وكثيراً ما يحصل الخلط بين المفهومين، حيث يطبق الخجل على الحياء، فيوسم الحياء في بعض الموارد بكونه خجلاً إما جهلاً بالفرق بين المفهومين، أو من باب المسامحة.

 

والحياء قسمان، ممدوح ومذموم، والثاني هو الحياء من كل أمر حسن، كالحياء من السؤال العلمي، والحياء من قول الحق، وقد وصف الإمام علي(ع) صاحب هذا الحياء بالأحمق، قال(ع): من استحيا من قول الحق فهو الأحمق.

وأما الحياء الممدوح، فهو الذي عُدّ خلقاً قرآنياً، وأنه خلق الله تعالى، كما نصت على ذلك بعض الآيات، ووصف به رسول الله(ص)، بأنه كان شديد الحياء.

وقد عدت النصوص الحياء خلق الإسلام، فجاء عن رسول الله(ص) أنه قال: إن لكل دين خلقاً، وإن خلق الإسلام الحياء. وجاء عنه(ص) أيضاً: الحياء هو الدين كله. وعن أمير المؤمنين(ع) قال: الحياء يصد عن فعل القبيح. وقد جعل الإمام الصادق(ع) الحياء رأس المكارم.

ولهذا تضمنت النصوص الحث على امتلاك المؤمن هذه الصفة، فقال أبو عبد الله الصادق(ع): وعليكم بالحياء والتنزه عما تنزه الصالحون قبلكم.

 

أنواع الحياء:

والحياء على ثلاثة أنواع:

١-الحياء من الله، فإن من يعلم باطلاع الله تعالى عليه وعلمه بكل ما يقوم به وإحاطته بكل ما يفعل فإنه يستحي منه فلا يعمل ما يخالفه، وقد روي أن آدم وحواء(ع) بعدما أكلا من الشجرة صارا يجريان في الجنة، فقال لهما تعالى: أفراراً مني؟ قال آدم(ع): لا يا رب، بل حياء.

وفي الحديث القدسي: ما أنصفني عبدي يدعوني فأستحي أن أرده، ويعصيني ولا يستحي مني.

 

أنحاء الحياء من الله:

ثم إن الحياء من الله تعالى يكون على أنحاء:

أحدها: حياء الجناية: وهو الذي يكون نتيجة ما أقدم عليه العبد من معصية وخطيئة ومخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى.

ثانيها: حياء تقصير: وهو يكون نتيجة اعتقاد المخلوق أنه لم يؤد حق الله تعالى بما هو أهله من العبادة، كحياء الملائكة من الله تعالى، لعدم عبادتهم له حق عبادته.

ثالثها: حياء الإجلال: وذلك مثل الحياء الذي يصدر من بعض مخلوقاته تعالى أمامه، كما يحكى ذلك عن إسرافيل، وأنه يخفي نفسه تحت جناحه لشدة الخجل بسبب ما عرفه من عظمة الباري سبحانه وتعالى.

٢-الحياء من النفس، فيستحي الإنسان من نفسه بسبب ما يرتكبه من أفعال وأعمال، فمن علم قبح الرذائل لن يعملها حتى لو كان لوحده. وقد جاء عن أمير المؤمنين(ع) قوله: من أفضل الورع أن لا تبدي في خلوتك ما تستحي من إظهاره.

٣-الحياء من الناس، وهو من أكثر الصفات التي تمنع الإنسان من فعل الرذائل، فقد لا يستحي الإنسان من ربه ولا من نفسه، لكنه يستحي من الناس.

ومتى فقد الإنسان هذا النوع من الحياء وصار لا يبالي بما يقوله الناس عنه، فقد ضاعت القيم والأخلاق.

والذي ينبغي أن يملكه المؤمن هو الحياء الجامع لهذه الأنواع الثلاثة، لأن من استحى من الله دون الناس، فقد استهان بهم، ومن استحى منهم ولم يستح من نفسه، فقد هانت عليه نفسه، ومن استحى من الناس ومن نفسه ولم يستح من الله تعالى فقد استهان بالله[1].

 

————————————

[1] مستفاد من كتاب موسوعة أخلاق القرآن(بتصرف).