23 أبريل,2019

الحسن الشخصية السياسية

اطبع المقالة اطبع المقالة

مدخل:

من أكثر الموضوعات تناولاً في ذكرى شهادة الإمام الحسن الزكي(ع) موضوع الصلح مع معاوية بن أبي سفيان، حيث يحتل الموضوع المذكور المساحة الكبرى، سواء في مجالات الدراسات التي تعرضت لسيرة الإمام(ع)، أو الخطب المنبرية التي تتناول جانباً من حياته.
بل ربما لا يقتصر التعرض لذلك أثناء ذكرى شهادته(ع)، ليتعدى ذلك للحديث عنه حتى في ذكرى ميلاده.

ولا ريب في أن الداعي إلى الاهتمام بالموضوع المذكور يعود إلى الأهمية المترتبة عليه، خصوصاً بملاحظة أنه ربما عرض بصورة شبهة أوجبت خللاً في شخصية الإمام المعصوم(ع) مما يستلزم دفعها.

كأن يدعى أن شخصية الإمام(ع) شخصية ضعيفة أقرب ما تكون للجبن منها للحماسة والشجاعة، أو تصور أن هذا الصلح كان بمثابة التنازل عن الإمامة وما شابه.
وهذا التركيز على الموضوع المذكور بملاحظة ما يمكن أن يثيره، حسن في نفسه، لكنه أغفل جانباً مهماً من سيرة هذا الإمام العظيم، وفي خصوص موضوع الصلح أساساً، ذلك أن الدراسات التي تتناول الموضوع كتابة أو إلقاء تنحصر غالباً في بيان الأسباب التي دعت إلى الصلح ومحاولة تبرير عمل المعصوم(ع)، لدرجة أن بعضهم يربط ذلك بالقضية الغيبية.
ونحن لسنا هنا بصدد بيان صحة ما يذكر تبريراً للصلح من عدمه، فإن لذلك مجاله، خصوصاً وأنه من الموضوعات المشبعة دراسة كما ذكرنا، لكننا نود الإشارة إلى جملة من التساؤلات ذات ارتباط بموضوع الصلح، لم يتم التعرض لها من قبل أكثر من تناول هذا الموضوع بالدراسة، إن لم يقل كلهم.

وأول ما نثيره، هو الأطروحة السياسية التي تقول بأن الذي يطلب الصلح عادة يكون في موقع الضعف، ولذا الذي يتنازل ليصالح يفرض شروطه على المصالح، مما يجعله في موضع القوة.

ولو جئنا نطبق ذلك على إمامنا الزكي، فلنسأل من الذي طلب الصلح، هل هو الحسن(ع) أم معاوية، ومن الذي أملى شروطه على الآخر؟…
وإذا كان معاوية هو الذي طلب الصلح-كما سيأتي-فكيف نفسر ذلك، مع أنه كان في موضع القوة، ولماذا قبل أن يملي عليه الحسن بن علي(ع) شروطه؟…

ولماذا نجد الإمام(ع) يملي شروطاً على معاوية، مع معرفته به، وأنه لا يفي، أو أن يدعى عدم معرفة الإمام بحقيقة معاوية؟…
وهل ترتبت على الشروط التي جعلها الإمام(ع) على معاوية فائدة أم لا، ومع ترتبها فما هي تلك الفائدة؟…
كل هذه تساؤلات ينبغي أن يجاب عليها، نجعلها محور حديثنا في هذه الدراسة.

بنود الصلح:

ينبغي قبل الحديث والإجابة على تلك التساؤلات العمد إلى بيان بنود الصلح الذي أملاها الإمام الحسن(ع) على معاوية بن أبي سفيان وقبل بها، مع ملاحظة أن التعبير الصحيح عن تلك المعاهدة هو الهدنة، وليس الصلح، لأن كل اتفاق لم يتم إلى آخر في الأمور العسكرية لا يسمى صلحاً، وإنما يعبر عنه بالهدنة، يعني توقف الحرب مدة ليس إلا.
وهذا هو الذي حصل بين الإمام(ع)، وبين معاوية، لأن عدم وفاء معاوية بالشروط المفروض عليه، تنفي وجود صلح، فيكون الموجود هدنة ليس إلا.

وعلى أي حال، فلنبدأ بذكر بنود المعاهدة التي كانت بين الطرفين:

الأول: تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وبسنة رسول الله(ص) وبسيرة الخلفاء الصالحين.
الثاني: أن يكون الأمر للحسن(ع) من بعده(معاوية)، فإن حدث به حادث فلأخيه الحسين(ع)، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد.
الثالث: أن يترك سب أمير المؤمنين(ع) والقنوت عليه بالصلوات، وأن لا يذكر علياً(ع) إلا بخير.

الرابع: استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف، فلا يشمله تسليم الأمر، وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسن(ع)ألفي ألف درهم، وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج أبجر.
الخامس: على أن الناس آمنون على أنفسهم حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم وأن لا يتبع أحداً بما مضى وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة.

وعلى أمان أصحاب علي(ع) حيث كانوا وأن لا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه، وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم وأن لا يتعقب عليهم شيئاً، ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وعلى ما أصاب أصحاب علي(ع) حيث كانوا.

وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين(ع) ولا لأحد من أهل بيت رسول الله(ص) غائلة سراً ولا جهراً ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق. وأن لا يتسمى أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة.
وقد وقع معاوية على هذه الوثيقة، وذلك من خلال ما كتبه في ختامها، وأنه يواثق الله سبحانه وتعالى بالوفاء بها: وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحد من خلقه من الوفاء وبما أعطى الله من نفسه.

معاوية يطلب الصلح:

من النقاط الجديرة بالدارسة في موضوع الصلح، تسليط الضوء عليه من خلال معاوية، لأن الدراسات التي بأيدينا تناولت الموضوع من زاوية الإمام الحسن الزكي(ع)، ولم تتعرض لمعاوية، والسؤال الذي ينبغي التأمل فيه، من الذي دعى إلى الصلح وطالب به، هل هو الإمام الحسن الزكي(ع)، أم أنه معاوية، ولماذا؟…

قد يتصور لأول وهلة أن الداعي إلى الصلح والمطالب به هو الإمام الحسن(ع) خصوصاً بملاحظة ما يذكر في شأن هذا الموضوع من فقدانه للأنصار والخيانات التي وقعت في جيشه وتخاذل الكوفيـين وما إلى ذلك من أمور، كلها تشير إلى أن يطالب الإمام بالصلح ويدعو إليه.

لكن الواقع خلاف ذلك، إذ أن الرجوع للكتب التاريخية يعطي حقيقة مغايرة لهذا الكلام، لأننا عندما نعود لكتب التاريخ نجد أن المؤرخين ينصون على أن الذي دعى إلى الصلح وطالب به هو معاوية، فهو من ابتدأ بإرسال الكتب والرسائل للإمام الحسن(ع) يطلب منه ذلك.
وهذا يوجد تساؤلاً آخر، إن معاوية بحسب الفرض التاريخي كان في موقع القوة، وذلك لانتظام جيشه، ودرايته بحال وواقع جيش الإمام(ع)، فلماذا يقدم على طلب الصلح والحال هذه، بل قد وصل الأمر أنه قد عرض عليه إن شاء أن يغتالوا الحسن إرضاءٍ له لفعلوا، وإن شاء أن يسلموه الحسن لم يتأخروا في تحقيق ذلك له، بل حتى لو أراد أن يقتلوه لفعلوا.
والغريب أن معاوية لم يقبل بشيء من ذلك، وعاد يطالب بالصلح، مع أنه لو وافق على شيء من ذلك، لحصل ما حصل يوم صفين من انقسام الجيش وحصول الفتنة الداخلية، وبالتالي يقول الناس أن جيش الحسن هو الذي قتله.

والحاصل، إن قتال الحسن لا يكلف معاوية شيئاً، إذاً لماذا يطلب الصلح؟…
الذي يـبدو أن معاوية كان يعتمد اعتماداً كلياً على مكره ودهائه، وكان يعتقد أنه بالاعتماد على هذين الأمرين سوف يتمكن من الوصول إلى جميع مآربه، ويحقق ما يصبوا إليه.
ولهذا عمد إلى طلب الصلح مع الإمام(ع) رغبة في تحصيل الشرعية لخلافته وحكومته، وبالتالي يكون مقبولاً في الوسط الإسلامي، على أساس أن الحسن سوف يسلم له من دون قيد أو شرط، أو أنه لو شرط الحسن شروطاً فإن تلك الشروط سوف يمكنه التغلب عليها والفرار منها، لكن يمكرون ويمكر الله، شاءت الإرادة الإلهية أن يضع الإمام الزكي(ع) أول مسمار في نعش الحكم الأموي، ومن قبل أن يوجد، وذلك من خلال الشروط فرضها على معاوية، مما أتضح بعد ذلك لمعاوية ضيق الخناق الذي أوقعه الحسن فيه، وكيف أنه ضيق عليه الدائرة وجعله في موقف لا يحسد عليه، وما عاد بإمكانه أن يتحرر من تلك القيود التي كبله الحسن بها، ولهذا لما التفت معاوية إلى أن دهائه هذه المرة لم يخدمه، بل دهاه قد أودى به إلى الهاوية لم يتمالك نفسه، فصعد المنبر وأعلن أمام الملأ نقضه للصلح ورفضه لبنوده، فأتضح على حقيقته أمام أصحابه قبل أعدائه. قال: والله ما قاتلتكم لتصلوا ولتصوموا ولتحجوا، ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي، لا أفي بشيء منها.

ومن الواضح أن معاوية بهذا التصرف أراد استفزاز الإمام الحسن(ع) ليجاريه في نقض الصلح ورفض بنوده، وبالتالي يكون قد تخلص مما أوقع نفسه فيه، وأوقعه فيه الإمام الحسن(ع)، وهذا المعنى كان جلياً للإمام(ع)، بل حتى لأصحابه، ولذا نجد أن واحداً من أصحابه التفت إليه، وقال له: والله ما أراد بها غيرك، لكن الإمام(ع) وهو الشخصية السياسية المحكنة تعامل مع الموقف مثل أي سياسي يعيش بعد النظر وينظر للأمور بروية، ودراسة متأنية، ويلحظ النتائج المترتبة ولو مستقبلاً، لم ينفعل، لأنه عرف من معاوية ما يريد، فلم يملكه ذلك.

ولكي يكون ما ذكرناه من الحنكة السياسية المميزة للإمام الزكي(ع) التي جعله يسيطر على معاوية ويضيق عليه الخناق، نذكر شاهداً على ذلك، وهو ما جاء في محاورة جرت بين معاوية وبين الأحنف بين قيس عندما أراد معاوية أن ينصب ابنه يزيداً، فأجابه الأحنف: فاعرف من تسند إليه الأمر بعدك، ثم اعص من يأمرك ولا يغررك من يشير عليك، ولا ينظر إليك، مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ما ما دام الحسن حياً، وقد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليه مقصاً، ولكنك أعطيت للحسن بن علي عهود الله ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك.

فإن هذا الموقف يكشف عن المأزق الذي أوقع معاوية نفسه بسبب صلحه مع الحسن(ع)، وأنه ما عاد يمكنه أن يتخلص من هذه الضائقة، ذلك لأن بنود الصلح التي أملاه الإمام(ع) عليه كان سبيلاً لأن يحتج بها كل أحد على معاوية كما نجد ذلك من الأحنف.
وبناءً على هذا كان وجود الإمام الزكي(ع) يمثل ثقلاً كبيراً على معاوية، بل على الحكومة الأموية، وهذا ربما ما دعى للتفكير في عملية الاغتيال، والسعي إلى التخلص منه.

معرفة حقيقة معاوية:

ولعله من خلال ما قدمنا يتضح لنا شيئاً حول التساؤل الذي أثرناه في مطلع البحث، وهو: لماذا اشترط الإمام(ع) على معاوية شروطاً وأخذ عليه عهوداً، ألم يكن الإمام(ع) على معرفة بمعاوية وبحقيقته، أفهل كان(ع) يعتقد أو يظن أو يحتمل أن يفي معاوية بشيء من هذه الشروط، أمل يسمع حقيقة معاوية من أبيه أمير المؤمنين(ع) من أن معاوية يغدر ويفجر؟…

الصحيح أنه(ع) كان على معرفة تامة بحقيقة معاوية، وأنه لن يفي له بشيء من الشروط، ولذلك لم يفاجأ(ع) بمقولة معاوية بأن كل شرطه للحسن تحت قدمه، فلم يستفز أو يستثار من قبل معاوية، وما هذا إلا لما ذكرناه من معرفته التامة بمعاوية، وبحقيقته.
إذا كان الأمر كذلك، فإذاً لماذا يعمد الإمام(ع) إلى الاشتراط على معاوية، إن هذا يوجب أن تكون الشروط لغواً؟…

الصحيح أن هذا التصور بدوي، لكن التأمل في الموضوع يكشف عن حنكة سياسية وبعد نظر واسع في شخصية الإمام الحسن الزكي(ع)، لأن الإمام(ع) كان يهدف إلى تحقيق أمور من وراء الاشتراط على معاوية، وقد تحقق له ذلك، فما هي الأمور التي كان يـبتغيها(ع)، ويهدف لتحقيقها:

الأول: إن المذكور في البحوث السياسية أن الذي يشترط فهو في موضع القوة، لأن الذي يملي شروطه ما لم يكن هو الأقوى، فلا أقل من أنه في موضع الند، بخلاف الذي تملى عليه الشروط، فإنه يكون في موضع الضعف.

وهذا المعنى هو أحد الأمور التي رغب(ع) في الحصول عليه، إذ أن اشتراطه على معاوية جعله في موضع القوة والندية لمعاوية، لا أنه شخص ضعيف ليس له ناصر أو معين.
الثاني: إن الإمام(ع) عمد إلى أسلوب سياسي بارع، وذلك من خلال تعليقه تسليم الأمر إلى معاوية على أساس الالتـزام بالوفاء بالشروط، وهذا يعني أنه لو لم يف معاوية بها، فلت يتحقق من الحسن(ع) تسليم، بل له أن يعاود الكرة من جديد، فيحارب، كما أن لأخيه الحسين(ع) ذلك.

ومن خلال هذا يتضح لنا أمر مهم وهو أن الذي حصل من الإمام الحسن ليس تسليماً وتنازلاً كما قد يتصوره البعض، بل هو سكوت، وذلك لما هو المعروف من أن المشروط عدم عند عدم شرطه

الثالث: لقد أبقى(ع) باب المواجهة مفتوحاً أمامه، وأمام أخيه الحسين(ع)، لأنه كما عرفت قيد التسليم بالالتـزام والوفاء بالشروط، فما لم يحصل ذلك، فلن يكون في البين تسليم، فيحق لأيهما أن يقوم متى توفر لديه الأنصار.
الرابع: تعرية معاوية أمام المجتمع الإسلامي، وبالتالي فقدان بيعته للشرعية، وعدم ثبوت قدسية لها، لأن ذلك متوقف على الوفاء بالشروط، وهو لم يف بشيء منها، وعليه فيحق للمجتمع حينئذٍ أن يقف ضده إلى جانب أحد الإمامين الحسنين(ع).

آثار الصلح:

إن التأمل في بنود المعاهدة التي تمت بين الإمام الحسن(ع) ومعاوية، يرى أن الآثار المترتبة على الصلح نوعان:
الأول: الآثار المقصودة.
الثاني: الآثار غير المقصودة، ونعني بغير المقصودة أنها لم تكن مرادة من البداية، وإنما هي أثر للنوع الأول.

وهذا يشير إلى مدى أهمية النوع الأول من الآثار، بمقتضى أن النوع الثاني لازم له ومترتب عليه.
هذا ولو أردنا أن نقرأ الآثار من النوع الأول للصلح بصورة موجزة، لوجدنا عدة أمور:
1-ليس لمعاوية الحق في أن يلزم الإمامين الحسنين(ع) بأية بيعة بعده.
2-كل بيعة يعقدها معاوية بعده لغير الإمامين الحسنين(ع)، المسلمون في حل منها.
3-إن المسلمين كلهم شاميهم وعراقيهم وحجازيهم ويمنيهم ملزمون بالبيعة بعد معاوية للإمام الحسن(ع)، فإن كان ميتاً فالبيعة منهم للإمام الحسين(ع).
4-دخول المجتمع الإسلامي بشكل عام، والكوفي بشكل خاص في ظل الحكم الأموي.
هذا وقد يذكر من آثار الصلح أيضاً بيان حقيقة معاوية للمجتمع الإسلامي، وهذا المعنى وإن لم يكن بعيداً، لكن يبدو لي أنه ليس مقصوداً للإمام الحسن(ع)، لا لحسن ظنه(ع) بمعاوية، فإن هذا بعيد جداً، وإنما لأن معاوية صفحة واضحة أمام الجميع، فمن الذي يريد أن يظهر الإمام(ع) حقيقته أمامه، فالكوفيون على سبيل المثال يعرفون معاوية حق المعرفة، ولم يكونوا يظنون فيه هدى أو صلاحاً، وإنما كانوا يرغبون في عطائه، لأنهم يرون في الحسن(ع) سيرة أبيه(ع).

وعلى أي حال، فلنعمد إلى التركيز على بعض بنود الصلح، ولنرى الآثار المترتبة عليها بصورة أوسع مما قدمنا، فنقول:
فمثلاً البند الثاني منها، وهو ما تضمن كون الأمر للحسن(ع) بعد هلاك معاوية، فإن لم يكن حياً حينها، فهو للإمام الحسين(ع).

ولو أردنا تحليل هذا الشرط لوجدناه يتضمن أمرين:
الأول: أن الخلافة بعد هلاك معاوية تعود علوية هاشمية، لأنها ستكون لأحد الإمامين الحسنين(ع).
الثاني: أنه لا يحق لمعاوية أن يعهد بالأمر من بعده لأحد أياً كان ذلك الأحد.

وعند ملاحظة الآثار المترتبة على هذا البند، نجد عدة أمور:

1-تحديد العمر الزمني للدولة الأموية بحياة معاوية.
2-عمومية الخلافة العلوية، سواء كان الحسن أم الحسين(ع) في الآفاق الإسلامية، فلا تختص بمكان دون آخر.
3-إن انتقال السلطة إلى الإمام(ع) لا يحتاج إلى مبايعة جديدة، أو شورى، أو ما شابه، بل إن مقتضى أحقيته السابقة على الصلح يوجب رجوع الأمر إليه.
4-إن من حق الإمامين(ع) التصدي لإدارة شؤون الأمة والقيام بمسؤولية الخلافة، بعد هلاك معاوية، ولهما المطالبة بذلك متى توفر لديهما الأنصار.
5-ليس في عنق الحسنين(ع) بيعة لأحد بعد معاوية.
وكما أن لهذا البند الآثار التي أشرنا إليها، هناك آثار ترتب على ذلك في حق المجتمع الإسلامي، نشير إلى بعضها:

منها: إن المجتمع الإسلامي بأكمله ملزم بخلافة الإمام الحسن ومن بعده أخيه الإمام الحسين(ع) بمجرد هلاك معاوية، وهذا يعني أن في أعناق المجتمع الإسلامي بيعة ثابتة لهذين(ع)، وبالتالي ليس للمجتمع الإسلامي العمد إلى مبايعة أي شخص آخر غيرهما.
ومنها: إن مقتضى ثبوت البيعة على المجتمع الإسلامي للحسنين(ع) الدفاع عنهما ومحاربة من حاربهما، بمعنى الدخول معهما في أي صلح أو حرب.
ومنها: ليس في عنق المجتمع الإسلامي بيعة لأي أموي بعد معاوية.

هذا وأما الآثار غير المقصود، فهو دخول المجتمع الاسلامي بشكل عام، والكوفي بشكل خاص تحت ظل الحكم الأموي، وبالتالي دخوله في تجربة دموية مشتملة على الجور والظلم، ومن الطبيعي أن الإمام الحسن(ع) لم يقصد إدخال المجتمع الكوفي في هذا المنعطف الخطير، بل المجتمع هو الذي أراد ذلك لنفسه يوم تخاذل عن أداء واجبه تجاه الإمام(ع).

وعلى أي حال، فقد بدأت البداية المريرة للمجتمع الكوفي، يوم ضم معاوية الكوفة إلى البصرة تحت سطوة سيف زياد بن أبيه، مسلطاً إياه عليهم، فقتل الأخيار واستبقى الأشرار، ومثل بالمؤمنين، وأخاف الآمنين، واستأثر بالفيء، وبالتالي خابت آمال المجتمع الكوفي الذي كان يمد عنقه إلى أموال معاوية.

وبسبب هذه المعاناة والجور والظلم، لجأ المجتمع الكوفي إلى الإمام الزكي(ع) طالبين منه نقض العهد، لكن قد فوات الأوان، وليس من طريق إلا هلاك معاوية، ولجأوا أيضاً إلى الإمام الحسين(ع) طالبين منه النقض، فأجابهم بمثل جواب إمام العصر، الإمام الحسن(ع).
ومن الطبيعي أن هذا الحال الذي وصل إليه المجتمع الكوفي، جعله يعيد حساباته، ويضع يده على موضع الخطأ الذي ارتكبه، وبالتالي عانى هذا المجتمع طيلة فترة حكم معاوية شتى أنواع الذل والاضطهاد.