18 يناير,2019

الحرية بين المفهوم الإسلامي والطرح الغربي

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال تعالى:- (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)[1].

من المفاهيم التي كثر الأخذ والرد حولها،وطال الجدل في مضمونها، مدى وسعة دائرة مفهومها وضيقه،مفهوم الحرية.

حيث يتشدق الكثير من المستشرقين،وأصحاب الحضارات الغربية بالدعوة إليها،ويكيلون إلى الإسلام ويكررون أنه يمنع منها،ولا يعطي لمعتنقيه حق الحرية .

بل يبدءون بذكر مصاديق لذلك،فيذكرون حرية المرأة وكيف أن الإسلام يلغي حريتها،وغير ذلك من الإطروحات التي تذكر في المقام.

ثم إن الذي ينبغي الالتفات إليه هو أن الحرية عبارة عن أحد المفاهيم التي تجتمع عندها جميع مشاعر الناس،وهي عاطفة أصيلة موجودة في النفس البشرية منذ وجد الإنسان في دائرة الخليقة.

فلا معنى لما تدعيه الحضارات الغربية من أنها أول من دعى إلى حرية الإنسان وأنها أول من دعى إلى إعطائه حقوقه المسلوبة.

ونجد تفسير ظاهرة الحرية عند الإنسان في جانب ثابت من تكوينه وهو الإرادة،فهو مجهز ضمن تركيبه العضوي والنفسي بالإرادة،ولهذا نراه يحب الحرية ويهواها لأنها تعبر عن امتلاكه للإرادة وأن بإمكانه استخدامها لمصالحه.

لكن ما هي الحرية التي ينبغي للإنسان أن يمتلكها؟..

هل هي الحرية التي تحول الإنسان إلى شخصية مبتذلة،لا قيمة لها ولا احتـرام،فمثلاً تسام المرأة على طبق منهج الحرية هذا،وتشترى،وكأنها في سوق النخاسة.

أو أن هناك حرية ترتقي بالإنسان وتسمو به،فتصعد به مصاف الكمال ومدارجه،وترتقي به من الحضيض الحيواني إلى التكامل الملكوتي.

من هنا نتحدث ضمن نقاط:

النقطة الأولى:تحديد معنى الحرية:

الحرية:تعني كل التصرفات النابعة من شعور الإنسان بذاته،وأهليته للتصرف المطلق وفق ما يريد.

وعلى هذا الأساس يملك كل فرد الحرية في اختيار مكان إقامته مثلاً،ووقت سفره،ومجالسة من يريد ومقاطعة من يريد.

وهذا المعنى للحرية يتفق مع الأطروحة الإلهية للتكاليف الشرعية،حيث أن تشريع التكاليف وترتيب الجزاء عليها مبني على أساس ثبوت الإرادة والحرية والاختيار لدى المكلف،قال تعالى:- (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)[2]،وقال عز من قائل أيضاً:- (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)[3].

وأما الطرح الغربي للحرية،فهو يعرّفها بأنها الخروج على النظم والقوانين والتمرد عليها،وكسر كل حاجز يحد من فعل الإنسان ما يشاء،ويتصرف وفق ما يريد.

ونحتاج إلى وقفة مع هذا المعنى حتى يتبن لنا مدى صحة هذا التعريف من عدمه،ويتضح ذلك من خلال عرضه على الميـزان العقلائي حيث أنه الحكم في هذا المجال فنقول:

يقرر العقلائي،أن الإنسان مدني واجتماعي بالطبع،بمعنى أنه لا يمكنه أن يعيش منفرداً ومستقلاً وحده دون وجود أحد معه.

بل هو يرغب إلى تكوين الجماعات والعيش في ضمنها،ولذا يرفضون فكرة الإنسان الغابي الذي يعيش منفرداً وحده،وليس معه أحد.

وبناء على هذا المعنى الذي ذكرناه،لا يمكننا قبول هذا التعريف للحرية،لأنه يجعل الحرية مطلقة على عواهنها دون تحديد وتقيـيد.

وهذا يلزم منه حصول الصراع البشري،إذ ستصطدم الحرية مع حريات الآخرين،فيحصل التناقض في المجتمع مما يؤدي إلى تفسخه وتحلله.

ولذا لابد من تحديد الحرية،بأن يكون هناك تناسب بين الأفراد في أخذ كل منهم حقه،حفظاً للنظم والقوانين المجعولة لحفظ المجتمعات.

وقد تميـز الإسلام في طرحه لمفهوم الحرية عن الحضارات الغربية،إذ أن الغرب جعل مفهومها كما عرفت بيانه قبل قليل،مما يعني أنه خلط القضايا بعضها ببعض،لما رأى أن كل تقنين وتقييد يعني تضييق مبدأ الحرية.

لكن هذا المعنى خاطئ جداً،إذ أن الحرية لا تعني الخروج عن القانون والفساد مما يؤدي إلى انحلال المجتمع وضياعه بعد سقوط أفراده في هوة الرذيلة والفساد.

لأن من المعلوم أن هكذا حرية وإن بدأت من التحرر لكنها سوف تنتهي إلى ألوان العبودية والأغلال.

وهذا بخلاف المنظور القرآني للحرية،إذ نرى أنها تبدأ في الإسلام من العبودية المخلصة لله سبحانه،وتنتهي إلى التحرر من كل أشكال العبودية المهينة التي تسئ لشخص الإنسان وتستحقره وتستذله.

وبعبارة أخرى:إن الحرية في المفهوم الإسلامي تعني نفي الاستعباد عند الإنسان فلا يستعبده شيء أبداً،وبعدما يتحرر من كل العبوديات يرتبط بخالقه سبحانه،قال تعالى:- (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله)[4].

النقطة الثانية:منهجية الإسلام في الحرية:

يبدأ الإسلام عملية تحرير الإنسان،من المحتوى الداخلي للإنسان نفسه،لأنه يرى أن منح الإنسان الحرية،ليس بأن يقال له:قد أخلينا لك الطريق فسر بسلام.

وإنما يصبح الإنسان حراً إذا تمكن من السيطرة والتحكم في طريقه،وأن يحتفظ لإنسانيته بالرأي في تحديد الطريق ومعالمه واتجاهاته.

وهذا يكون بعد أن يتحرر الإنسان أولاً من عبودية الشهوات،لتصبح الشهوة عند الإنسان أداة تنبيه وليست قوة دافعة تسخر إرادته وهو عاجز أمامها.

وهو بهذا يتميـز عن الحيوان في حريته،لأن إرادة الحيوان مسخرة دائماً لشهواته وإيحاءاتها الغريزية.

وأما الإنسان فهو مزود بالقدرة التي تمكنه من السيطرة على شهواته،وتحكيم منطقه العقلي فيها.

ولهذا ما توفره الحضارات الغربية من منح الإنسان الحرية الظاهرية في السلوك العملي وتوفير كل إمكانيات ومغريات الاستجابة لشهواته ما هو إلا قضاء على حرية الإنسان تدريجياً،لأنه قضاء على حريته الإنسانية مقابل شهوات الحيوان الكامن في أعماقه،فهي تجعل منه أداة تنفيذ لتلك الشهوات،ومتى ما تنبه لنفسه وجد نفسه محكوماً لا حاكماً،مغلوباً على أمره وإرادته.

أما لو عمدنا إلى تلك القدرة التي يكمن سر الحرية الإنسانية فيها،وقمنا بتنميتها وتغذيتها فإننا سوف نكون قد أعددنا إنساناً لا حيواناً،إنساناً يعي رسالته في هذه الحياة،ويرتفع عن المصير الحيواني المبتذل الذي تسوقه إليه الشهوات الكامنة فيه،وأنه قد خلق من أجل شيء أسمى من هذه الغايات التافهة.

ومتى تمكننا من تحرير الإنسان من أسر الشهوة وعبوديتها،وأصبح يمتلك إرادة نفسه،نكون قد وفقنا لإعداد الإنسان الحر القادر على قول نعم أو لا.

وهذا المعنى أشار له سبحانه وتعالى حيث قال:- (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب.قل أونبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد)[5].

فهو قد وضع للإنسان المسلم طابعه الروحي الخاص وطور من مقاييسه ومثله،وانتـزعه من الأرض وأهدافها المحدودة إلى آفاق أوسع وأهداف أسمى.

هذه هي حركة التحرير في محتوى الإنسان الداخلي،وهي الركن الأساس لتحرير الإنسانية في نظر الإسلام،ومن دونها تكون الحرية خداعاً وزيفاً.

وهذه الطريقة التي استخدمها القرآن في تحرير الإنسان من عبودية الشهوات وانتشاله منها،هي الطريقة التي يستخدمها الإسلام في تربية الإنسانية في كل المجالات،وهي طريقة التوحيد،فالإسلام يحرر الشخص من عبودية الأرض ولذائذها الآنية ويربطه بالسماء وجنانها الدائمة.

وحتى نعرف النتائج الباهرة لهذا التحرير الإسلامي ومدى الفرق بين حرية الإنسان القرآني والحريات المصطنعة المزعومة من الشعوب الغربية،فلنلاحظ مدى استجابة الأمة التي حررها القرآن إلى ترك الشهوات واللذائذ والسيطرة عليها،إذ بمجرد أن دعيت هذه الأمة لتـرك الخمر مثلاً استجابة مباشرة لكونها مالكة لإرادتها ومسيطرة على شهواتها،فهي تتمتع بحرية حقيقية تسمح لها بالتحكم في سلوكها.

وهذا بخلافه في الحضارات الغربية فهي على الرغم من قناعها الظاهري للحرية،لكنها لا تملك شيئاً من إرادتها لكونها لم تحرر المحتوى الداخلي لها،بل استسلمت إلى شهواتها ولذاتها تحت ستار الحرية الشخصية حتى فقدت حريتها،ولذا لم تستطع أكبر حملة للدعاية ضد الخمر أن تحرر تلك الأمة عن الخمر.

النقطة الثالثة:أنواع الحرية في الإسلام:

ولقد منح الإسلام الإنسان الحرية،وهي ذات محتويات عديدة نشير لبعض منها:

1-حرية العقيدة:

وقد تبناها الإسلام،وقد قام الرسول(ص)بإبلاغها،حيث خيّر الناس بين الإيمان وعدمه،كما أن الإسلام قد ألزم المسلمين باحترام حق الغير في العقيدة،فليس لأحد أن يكره غيره على اعتناق عقيدة خاصة.

وإذا أراد أن يعارضه في عقيدته فعليه أن يقنعه بالتي هي أحسن، بالحكمة والموعظة الحسنة،ويبين له وجه الخطأ في عقيدته وانتمائه عن اقتناع.

ومن مظاهر هذه الحرية في المجال العقائدي،أن الإسلام لم يلزم غير المسلمين بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على واقع حياتهم،بل يرجعون إلى أحكام دينهم وملتهم.

2-حرية الفكر:

حيث فتح الإسلام آفاق الكون أمام العقل ليتدبر ما فيه ويفكر في شؤونه،،ودعاه إلى الحركة وبث نشاطه وفعالياته،ونعى إليه الخمول والجمود.

وقد رفع الإسلام شعار حرية الفكر لكونها المصدر الوحيد للتطور الفكري ،كما أنها إحدى نواميس هذا الوجود الأصيلة.

بل تعتبر من أبرز الطرق الموصلة لمعرفة الواحد الأحد جل اسمه،ولهذا نرى كثرة تأكيد الآيات القرآنية،والنصوص المعصومية إلى إعمال الفكر للوصول إلى التوحيد.

3-حرية التعبير عن الرأي:

وتعتبر هذه الحرية متممة لحرية الفكر،ولا ريب في أنها تعود بالنفع والتقدم على الأفراد،متى ما كانت على فق تعاليم الشريعة،بمعنى أنها لا تدعو إلى أفكار هدامة،ولا تثير فتنة ،ولا تشمل قذفاً لأحد أو تحقير.

——————————————————————————–

[1] سورة الآية رقم

[2] سورة النجم الآية رقم 39.

[3] سورة الكهف الآية رقم 27.

[4] سورة آل عمران الآية رقم 64.

[5] سورة آل عمران الآيتان رقم 14-15.