15 نوفمبر,2018

التبعيض في التقليد

اطبع المقالة اطبع المقالة

التبعيض في التقليد

 

وقع الخلاف بين الأعلام في مشروعية التبعيض بقسميه الابتدائي والاستمراري بين الفقيهين المتساويـين في الناحية العلمية حال الاختلاف بينهما في الفتوى، على أقوال، ولا بأس قبل ذلك من التمهيد بمقدمات:

الأولى: امكان المساواة:

وقع الخلاف بين الأعلام في إمكانية وجود المساواة بين الفقهاء خارجاً في المستوى العلمي، على قولين:

الأول: ما أختاره جماعة منهم، كالعلامة والشهيد الأول(ره)، وغيرهما من البناء على عدم إمكان تحقق ذلك خارجاً.

الثاني: ما قاله جملة من الأعلام، وعليه من عاصرناهم من الفقهاء، من الالتـزام بإمكان ذلك.

 

الثانية: معنى التبعيض:

للتبعيض مصداقان:

الأول: أن يكون تبعيضاً ابتدائياً، بمعنى أنه لم يسبق للمكلف تقليد أحد المجتهدين المتساويـين، بل هو بصدد تعيـين من يقلد، إما لبلوغه حديثاً، أو لموت مرجعه مثلاً، أو لغير ذلك من الأسباب، وقد ثبت له من خلال أهل الخبرة مساواة من يتعين عليه تقليدهما، فيعمد للتبعيض بينهما، بأن يقلد أحدهما في شيء، ويقلد الآخر في شيء آخر وهكذا.

الثاني: أن يكون تبعيضاً استمرارياً، بمعنى أن يقلد المكلف مجتهداً من المجتهدين، ويعمل برأيه في مسألة ما، ثم يعمد لتقليد المجتهد الآخر في المسألة نفسها بعد ذلك، كما لو قلد في الأسبوع الأول يوم الجمعة ظهراً المجتهد الأول في وجوب صلاة الجمعة ظهراً، وقلد الأسبوع الثاني المجتهد الثاني في وجوب صلاة الظهر، فإن عدوله من المرجع الأول للمرجع الثاني يعدّ تبعيضاً استمرارياً في التقليد.

 

الثالثة: التبعيض ابتدائي واستمراري:

يختلف الأعلام في البناء على مشروعية التبعيض في المصداقين السابقين، لوقوع الخلاف بينهم في أن التبعيض ابتدائي، أو استمراري، توضيح ذلك:

لقد حصر جملة من الأعلام كالشهيد الأول، والشيخ الأعظم الأنصاري(ره)، وجماعة مشروعيته بما إذا كان التخيـير ابتدائياً، وهو ما إذا لم يقم المكلف بعدُ بانتخاب مرجع تقليد، فيكون مخيراً بالعمل بفتوى أي من الفقيهين المتساويـين، ولا يجري ذلك بعد قيامه بتقليد أحدهما، لأنه بتقليده له صار قوله حجة في حقه، فلم يعد جاهلاً، ومن المعلوم أن التقليد وظيفة الجاهل، ومن كانت عنده حجة ليس كذلك. وعليه رتبوا أنه لا يجوز العدول من المجتهد الحي إلى المجتهد الحي المساوي له بعد تقليده للمجتهد الأول.

 

بينما وسع آخرون من الأعلام دائرته، فلم يقيدوا مشروعية التبعيض بالابتداء، بل بنوا على شموله لحال الاستمرار، فيمكن للمكلف أن يبعض بين الفقيهين حتى بعد انتخابه لأحدهما في التقليد، ومن ها قالوا بجواز العدول من المجتهد الحي لمثله، حتى بعد تقليده في المسألة التي قلده فيها.

وعليه، سوف يكون التبعيض وفقاً للقول الأول محصوراً في التبعيض الابتدائي، بخلافه على القول الثاني. وهذا يعني أن القائلين بحصر ذلك في خصوص التبعيض الابتدائي، لن يلتـزموا بالتبعيض الاستمراري، بل يجعلونه خاصاً في خصوص الابتدائي منه.

وعلى أي حال، يقع الحديث ضمن مسألتين:

 

الأولى: التبعيض الاستمراري:

وقع الخلاف بين الأعلام في مشروعية التبعيض الاستمراري، على أقوال:

الأول: ما صرح به غير واحد من الأعلام كصاحب العروة، وجملة من المعلقين عليها، كالإمام الخوئي(ره) تبعاً للشهيد الأول، والشيخ الأعظم الأنصاري، وكاشف الغطاء(ره)، وغيرهم، من البناء على عدم جواز ذلك، فلا يجوز لمن قلد واحداً من المجتهدين المتساويـين، أن يعدل عنه إلى المجتهد الآخر، فلو عمل مثلاً بفتوى المجتهد الأول، كما لو قلده في وجوب صلاة الجمعة، لم يجز له أن يعمل في الأسبوع الذي يليه بعدم وجوبها من خلال تقليده للمرجع الثاني. وقد أختاره السيد الخامنئي(حفظه الله) على الأحوط وجوباً.

 

الثاني: ما عليه عدة من أعلام الطائفة، كالعلامة، والمحقق الكركي، والشهيد الثاني(ره)، وجملة من معلقي العروة، من الالتـزام بجواز التبعيض بينهما، فيمكنه أن يصلي قصراً في مسافة 43 كلم، عملاً بفتوى المجتهد الأول، ويصلي تماماً في المسافة نفسها مرة أخرى عملاً بفتوى المجتهد الثاني، وهكذا.

الثالث: ما أختاره المرجع الديني الأعلى للطائفة الإمام السيستاني(دامت أيام بركاته) ، من التفصيل، فيبنى على عدم جواز التبعيض بينهما، بل العمل بأحوط الأقوال عندها، إذا توفر شرطان:

أحدهما: أن يكون أحدهما أورع من الآخر، بمعنى أن يكون أكثر تبثتاً منه في الفتوى، ومراعاة للاحتياط، وعدم مخالفة المشهور.

ثانيهما: أن لا يكون له علم إجمالي منجز، ولا حجة إجمالية، تمنعه من الأخذ بأحد قوليهما. وتوضيح هذا الشرط أن يقال:

أما بالنسبة للعلم الإجمالي المنجز، كما لو علم المكلف بوجوب صلاة عليه يوم الجمعة ظهراً، وتردد في أنها صلاة الجمعة، أو صلاة الظهر، فهو يعلم إجمالاً بوجوب صلاة عليه، لكنه لا يحرز أنها الظهر أو الجمعة، فلو كان أحد الفقيهين المتساويـين، يفتي بالظهر، والآخر يفتي بالجمعة، لم يجز له التبعيض بينهما، بل لزمه الأخذ بأحوط الأقوال، وهو يقضي بالجمع بين الظهر والجمعة.

 

وكذا لو كان أحدهما يقرر أن المسافة التي توجب القصر هي 42 كلم، والآخر يقرر أنها 44 كلم، ففي مسافة 43 كلم، لا يمكنه أن يبعض بينهما، بل يلزمه البناء على أحوط القولين، وهو يقضي بالجمع بين القصر والتمام، وهكذا.

وبالجملة، لما كان له علم إجمالي منجز بالتكليف، صار ملزماً بإفراغ ذمته منه، ولا يكون ذلك من خلال التبعيض بين الفقيهين، بل يكون بالعمل بأحوط الأقوال القاضي بالجمع، وهكذا.

وأما الحجة التعبدية، فلو اختلف المجتهدان في شرعية المعاملة الواقعة خارجاً، كما لو كان أحدهما يفتي بعدم صحة البيع المعاطاتي، ويفتي الآخر بصحته، فإن المكلف يعلم إجمالاً إما بعدم صحة تصرفه في ما انتقل إليه من الثمن، لعدم صحة البيع المعاطاتي، أو عدم صحة تصرفه في ما انتقل منه من العين، لوقوع البيع المعاطاتي، وعليه، يكون مطالباً بالعمل بأحوط الأقوال، الذي يقضي باجتناب التصرف في الإثنين، المبيع والثمن.

 

الثانية: التبعيض الابتدائي:

وهو الذي لم يكن مسبوقاً بتقليد من المكلف لأحد الفقيهين المتساويـين، وقد عرفت ابتناء هذه المسألة على أن التخيـير بينهما ابتدائي، أو استمراري. وقد وقع الخلاف فيها بين الفقهاء أيضاً على أقوال:

الأول: مشروعية التبعيض بينهما، فيجوز للمكلف انتخاب من شاء منهما، فيمكنه أن يقلد الأول، كما يمكنه أن يقلد الثاني على حدٍ سواء.

ولهذا القول صور متعددة، سوف نشير إليها في الخاتمة، وليست جميعها مورد قبول عند القائلين به، ذلك أن بعضهم يلتـزم بعدم مشروعيتها.

والحاصل، يمكن القول، بأن ما يتفق عليه القائلون بمشروعية التبعيض في هذه المسألة في الجملة، وليس بالجملة.

 

وهذا هو مختار صاحب العروة، وجملة من المعلقين عليها، نعم اشترط صاحب العروة(ره) عدم وجود مرجح لأحدهما على الآخر، ومع وجوده كما لو كان أحدهما أورع، أو أكثر عدالة، تعين تقليده. ومن الأدلة التي يمكن ذكرها لهذا القول، عدم وجود طريقة مغايرة للشارع المقدس لما عليه العقلاء في العمل والوصول للغايات المطلوبة، ما يعني أنه قد أمضى ما عليه العقلاء في تعاملاتهم، فإنهم لا يفرقون في مقام العمل بين الاعتماد على المختلفين مع تساويهم في الأداء، فيراجعون الأطباء، والمهندسين والحرفيـين، دون تفريق بينهم بعد علمهم بتساويهم، وإن كانت طرق أداءهم للعمل مختلفة.

 

الثاني: ما ربما يظهر من بعض الأساطين(ره) ، من البناء على عدم مشروعية التبعيض الابتدائي، لعدم تمامية ما ذكر دليلاً على مشروعيته.

الثالث: ما عليه مرجع الطائفة الأعلى الإمام السيد السيستاني(دامت أيام بركاته)، من التفصيل بين ما إذا لم يكن بين المجتهدين المتساويـين ما يوجب ترجح أحدهما على الآخر ككونه أورع، ولم يكن في المقام علم إجمالي منجز، ولا حجة تعبدية، فإنه يجوز التبعيض بينهما، وبين ما إذا توفر الشرطان السابقان، فإنه يتعين الأخذ بأحوط القولين.

 

خاتمة:

بقي أن يشار في الختام أن التبعيض قد يكون في الأحكام، وقد يكون بين الحكم والموضوع، فهنا صورتان:

الأولى: أن يكون التبعيض بين المجتهدين المتساويـين في الحكم والموضوع، بأن يرجع لأحدهما في الحكم ويرجع للآخر في الموضوع.

بل يمكن أن يكون ذلك في موارد عدم وجود فتوى للمرجع الأعلم، فيرجع المكلف في احتياطات المرجع الأعلم للمجتهد الأعلم الذي بعده، كما لو كان الأعلم يحتاط وجوباً بعدم انعقاد النذر من جدة إذا استلزم ارتكاب محظور من محظورات الإحرام، وكان الفقيه الذي بعده في الأعلمية، يلتـزم بانعقاد النذر وإن استلزم ذلك، لكنه لا يجيز الإحرام من جدة، فربما تصور البعض أنه يجوز الرجوع للفقيه الثاني في صحة الإحرام بالنذر، والبقاء على الفقيه الأول في جواز الاحرام من جدة، على أساس أنه من التبعيض بين الحكم والموضوع.

 

الثانية: أن يكون التبعيض في الأحكام:

وهذا له طرق:

الأول: أن يكون التبعيض في الأبواب الفقهية، بأن يقلد أحدهما في باب فقهي كالطهارة، ويقلد الآخر في باب آخر كالبيع، وهذا موضع اتفاق بين القائلين بمشروعية التبعيض الابتدائي.

الثاني: التبعيض في المسألة الواحدة في عمل واحد في مكان وزمان مختلفين، بأن يقلد أحدهما في وجوب صلاة الجمعة هذا الاسبوع، ويقلد الآخر في صلاة الظهر في الاسبوع القادم[1].

الثالث: التبعيض في المسألة الواحدة، كما لو قلد الأول في وجوب جلسة الاستراحة، وقلد الآخر في عدم جزئية البسملة من كل سورة من السور القرآنية عدا الفاتحة.

 

 

——————-

[1] قد عرفت في ما تقدم وقوع الخلاف في مشروعية مثل هذا التبعيض، فلا نعيد.