15 ديسمبر,2018

الاسراء والمعراج, وقفات وإشكالات:

اطبع المقالة اطبع المقالة
الاسراء والمعراج
وقفات وإشكالات

 

من المعاجز النبوية التي اختصت دلالتها على صدق نبوة النبي الأكرم محمد(ص) بحال حياته الشريفة حادثة الإسراء والمعراج، وقد تعرضت هذه المعجزة الكريمة لمجموعة من الإشكالات من قبل المعارضين لنبوة النبي(ص)، وقد اتخذت هذه المعارضة أنواعاً متعددة من الإشكال، وقد صيغت اليوم بنحو علمي يجعل القارئ لها يتوقف في ثبوت هذه المعجزة، نشير لأهم ما ذكروه في المقام، وأقواه، وبيان الإجابة عنه بما تضمنته كلمات المحققين والباحثين في هذا المجال.

 

مشابهة حادثة المعراج لما تضمنته المصادر القديمة:

منها: لقد ثبت وقوع هذه الحادثة لمجموعة من الأشخاص قبل النبي الأكرم محمد(ص)، وليست من مختصاته، فقد ورد ذكرها في سفر أخنوخ، كذلك نسب حصولها لماني، ولزرادشت، وهذا يوجب الريب في وقوعها للنبي(ص)، بل يقوي أنها من القضايا التي أخذها رسول الله(ص) من تلك الكتب القديمة السابقة عليه، ونسبها لنفسه.

والحاصل، إن مقتضى مشابهة حادثة الإسراء لما وقع في الأمم السابقة، يجعلها مأخوذة من الغير، وليست واقعة له(ص).

ويجاب عن ذلك:

 

أولاً: إنه لا يوجد ما يمنع من تكرر القصة في الأمم السابقة، وفي أمة النبي محمد(ص)، فتكون حاصلة لمن سبقه، وتحصل له(ص) أيضاً، وهذا نظير كثير من القضايا الخارجية التي يمكن أن تتكرر كما في رفع نبي الله عيسى، ونبي الله إدريس(ع).

ثانياً: إن الأشخاص المدعى حصول حادثة الإسراء إليهم أنبياء، وليسوا أشخاصاً عاديـين، وهذا يجعل القضية سماوية وليست قضية عادية، ويؤكد حصولها للنبي الأكرم محمد(ص)، لأنه واحد من أنبياء الله(ع)، فإن أخنوخ الذي ذكر حصول حادثة الإسراء له، هو نبي الله إدريس(ع)، كما جاء ذلك في التوراة، وهو جد نبي الله نوح(ع)، وقد نص القرآن الكريم على عروجه ورفعه للسماء، وكذا زرادشت، فقد ذكر أنه نبي المجوس.

ثالثاً: إن التسليم بتكرر الحادثة، والبناء على وقوعها في الأمم السابقة على أمة النبي(ص)، يستدعي المعرفة بتاريخ الكتاب الذي قد نقل الحادثة المذكورة، وتضمن عرضاً لقصتها، وأن ذلك سابقاً على حياة النبي(ص).

ومجرد كون الكتاب يتضمن ذكراً لشخصيات قديمة سابقة في زمان وجودها على عصر رسول الله(ص)، لا يكفي للبناء على كونه كتاباً قديماً، فإن احتمال التدليس والوضع يبقى جارياً، وأنه قد ألف في حقبة زمنية متأخرة عن عصر رسول الله(ص)، وقد استغلت الأسماء السابقة على عصره(ص)، وأضيفت لتكون أبطالاً للقصة والحدث.

رابعاً: إن جملة من التفاصيل المذكورة في قضية المعراج لم ترد في شيء من الأدلة والنصوص المعتبرة، بل هي واردة في بعض الكتب المتأخرة، مثل الوصف المذكور للبراق على سبيل المثال، وأنه دابة لها وجه الإنسان وبدن الفرس، ولها جناحان وما شابه ذلك.

بل إن أغلب ما تمسك به القائلون برفض فكرة المعراج، والتشكيك فيها قد اعتمد على مصادر الجمهور، وحالها لا يخفى، إذ أن أكثرها يعود لما رووه عن كعب الأحبار، وأصحابه، ولم يركز هؤلاء على ما تضمنته مصادرنا الحديثية المعتمدة، فإنهم لو جعلوها العمدة لم يقعوا في شيء من التشكيكات المذكورة.

 

منافاة حادثة الإسراء لمجموعة من القوانين العلمية والطبيعية:

ومنها: إن وجود قانون الجاذبية يمنع من الخروج الاعتيادي من الأرض إلى السماء، ويجعل ذلك أمراً غير ممكن، وحتى يمكن التغلب على قانون الجاذبية، لابد من وجود سرعة تقدر بأربعين ألف كيلو متر في الساعة.

ومنها: بعد التسليم بإمكانية الخروج من الأرض في ظل قانون الجاذبية، فإن هناك مانعاً آخر يمنع من القبول بالعروج للسماء، وهو يتمثل في التنفس والحاجة للأوكسجين، وهذا ما لا يكون متوفراً في السماء.

ومنها: إن الظروف الجوية في الفضاء الخارج لا تطاق، لأن الجو هناك إما أن يكون شديد الحرارة، أو شديد البرودة.

ومنها: إن الفضاء الخارجي يحتوي على مجموعة من الأشعة التي يعني نفوذها في جسم الإنسان الموت المحتوم، كالأشعة الكونية، والأشعة ما فوق البنفسجية، والأشعة السينية.

ولا يذهب عليك، أن الإشكالات المذكورة، يجمعها تصور عدم إمكان وقوع حادثة الإسراء نتيجة وجود الموانع المذكورة.

ومنها: إن المسير والحركة في السماوات بالنحو المذكور في النصوص المتعرضة لحادثة الإسراء، يستغرق فترات زمنية طويلة، ويلزم من ذلك أن يسير النبي الأكرم محمد(ص)، في المعراج بما يفوق سرعة الضوء، وهي سرعة مستحيلة على الجسم، بالإضافة إلى عدم وجود مثل هذه السرعة.

 

جواب ونقاش:

وقد تدفع الإشكالات المذكورة، بأن خير دليل على الإمكان الوقوع، وقد وقعت مجموعة من الحوادث المشابهة لحادثة الإسراء خارجاً، فلا يرد شيء مما ذكر من موانع، ويمكن ذكر نموذجين لما وقع من حوادث مشابهة:

الاول: إحضار عرش بلقيس من اليمن بطلب من النبي سليمان(ع)، كما حكى ذلك القرآن الكريم، قال تعالى:- (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)[1]، فقد استطاع هذا الشخص نتيجة امتلاكه علماً خاصاً أن يتصرف في الزمان والمكان، ليطوي مسافات تقدر بمئات الكيلو مترات في معشار من الثانية، ويجلب معه عرش بلقيس، فإذا كان أحد أفراد حاشية سليمان(ع) قادراً على مثل هذا التصرف، فكيف بسليمان(ع) نفسه، وكيف بمن هو أفضل من سليمان، أعني النبي الأكرم محمد(ص).

 

الثاني: رفع نبي الله عيسى(ع) إلى السماء، قال تعالى:- (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً* بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً)[2]، فإن المستفاد من حديث القرآن الكريم، عن صعوده وعروجه(ع) إلى العوالم العليا والبقاء على قيد الحياة، أنه أمر ممكن، وليس مستحيلاً، فلا يكون عروج النبي الأكرم محمد(ص) أمراً مستحيلاً[3].

 

ولا كلام لنا في أصل الكبرى المذكورة، فإن من المسلمات أن الوقوع خير دليل على الإمكان، إلا أن الكلام في المثالين المذكورين في المقام، فإنهما يصلحان لمن كان يؤمن بحجية القرآن الكريم، ويؤمن بنبوة النبي الكريم محمد(ص)، وإنما يشكك في خصوص هذه المعجزة من معاجزه، أما لو كان لا يؤمن بنبوة النبي(ص)، وبالتالي لا يؤمن بإعجاز القرآن الكريم، فلن يكون الاستدلال المذكور تاماً، لأنه لن يؤمن بإحضار عرش بلقيس من قبل آصف بن برخيا(ع) من اليمن. اللهم إلا أن يكون مؤمناً بنبوة نبي الله سليمان(ع)، ومؤمناً بوقوع هذه الحادثة له.

 

ومثل ذلك قضية المسيح عيسى(ع)، فإن النصارى لا يؤمنون بأنه قد رفع للسماء، وأنه لا زال حياً، بل هم يعتقدون أنه قد صلب، وقد قتل.

والحاصل، إن المثالين المذكورين لإثبات الإمكان نتيجة الوقوع لا يصلحان للدلالة على ذلك.

 

وقد يجاب عن الإشكالات المتقدمة:

أولاً: بأن هذه القوانين المذكورة مثل قانون الجاذبية، وانعدام الأوكسجين في الفضاء، والمناخ الشديد البرودة، أو الحرارة، والأشعة ما فوق البنفسجية، والسرعة التي تفوق الضوء، ليست مطلقة، بل إن اعتبارها مؤقت وقابل للنقض. ويدل على ذلك وصف العلماء للقوانين الطبيعية في حقل العلوم التجريبية بأنها مجرد قوانين إحصائية، وقد وصف الفيلسوف المعاصر كارناب القوانين العلمية بأنها فرضية، وقد جعلها الفيلسوف الشهر كارل ريموند متصفة بالاعتبار المرحلي. بل قد أكد هانس رايشنباخ حلول القوانين الاحتمالية والنسبية محل القوانين العلمية الطبيعية المطلقة. وهذا يعني أن مخالفة المعراج للقوانين الطبيعية والعلمية لا تستوجب إنكار حصوله ووقوعه، لما عرفت من أن هذه القوانين متغيرة، فيحتمل حلول قانون طبيعي آخر محل هذا القانون السابق. ويساعد على ذلك ما نشاهده اليوم خارجاً من تجول العلماء بصواريخهم العابرة للفضاء حول الكرات والأجرام السماوية الأخرى، متغلبين في ذلك على مشكلة قانون الجاذبية والأشعة السينية، وغير ذلك.

 

ومن المحتمل جداً أن يكون الباري سبحانه وتعالى قد زود نبيه(ص) بوسيلة أكثر تطوراً من هذه الصواريخ، وهو ما عبرت عنه النصوص الشريفة بدابة البراق، ما يؤكد حصول المعراج الجسماني.

 

ثانياً: لو رفعت اليد عن كون القوانين العلمية والطبيعية أموراً فرضية قابلة للتغيـير والتبدل، فإنه يمكن دفع ذلك بلحاظ أن قضية المعراج من الأمور الخارقة للعادة، ومعرفة العلة الطبيعية والواقعية لظاهرة مادية أمر في غاية الصعوبة والتعقيد، فإن العلم إنما يحكم بالتقارن الزمني بين ظاهرتين، ويعجز عن المعرفة الدقيقة والكاملة للعلة المادية للمعلوم الطبيعي.

 

وبكلمة أخرى، إن من الصعوبة بمكان تفسير ظاهرة من الظواهر الخارقة للعادة وغير الطبيعية من خلال الاعتماد على العلوم التجريبية، وهناك بعض الأمثلة على ذلك:

1-ما ذكر حول قدرة بعض المرتاضين الهنود من النوم مدة أربعين صباحاً في القبر من دون أن يتأثروا بعدم توفر الهواء والأوكسجين.

2-قدرة أحد المواطنين الأمريكان، واسمه هودني، على الخروج من صندوق حديدي مغلق أمام أعين الجمهور دون أن يفتح بابه الذي قد أحكم قفله، كما أنه تمكن من الهروب من السجون الأمريكية.

3- التمكن من التأثير في بعض الأشياء، بتحريكها عن بعد، والتحكم فيها، فينقلها من مكان إلى آخر، فقد كان بإمكان يوري جيلر أن يثني الأشياء المعدنية من قبيل الملاعق والشوكات والمفاتيح من خلال تركيز بصره عليها.

4-قدرة البعض على معرفة الأشياء من مسافة بعيدة، ولو بلغت مئات الكيلو مترات فهناك بعض قراء القرآن الكريم، يتمكنون من تحديد الصفحة القرآنية من مسافة بعيدة، بل وتحديد الآية المكتوبة في بداية تلك الصفحة.

وبالجملة، يمكن للمسلمين القول بأن حادثة المعراج، لا تخرج عن هذه الحوادث الطبيعية التي يعجز العلماء في الحقل التجريبي عن تفسيرها، وبيان حقيقتها، مع اعترافهم بواقعيتها.

 

ثالثاً: إنه يمكن البناء على وقوع حادثة الإسراء وفق المعطيات المقررة في العلوم الطبيعية والتجريبية، من خلال الاستناد لمعادلة أنشتاين، وهي 2/1، عندما يسير الجسم بسرعة الضوء، فيحتمل أن تكون سرعة النبي(ص) قد بلغت في الإسراء سرعة الضوء، فينبسط الزمان بالنسبة له، ويتسع، فيمكن تفسير تلك الوقائع والأحداث الكثيرة[4].

 

رابعاً: يمكن البناء على وقوع حادثة الإسراء والمعراج من خلال الاستفادة من خلال تصور البعد الرابع[5] من خلال التدرج من الأبعاد الأقل وتعميمها، بأن يكون قد ظهر وسط السماوات الأخرى المجهولة لنا فجأة من دون أن تكون هناك حاجة إلى سلوك الطرق الاعتيادية حتى ترد هذه الإشكالات من قبيل قانون الجاذبية، والحرارة والبرودة، والأوكسجين، وما شابه ذلك[6].

 

ومنها: إن من المستحيل قطع المسافة المقدرة بين مكة وبيت المقدس والبالغة 450 كلم، والتي تستغرق أياماً خلال جزء من الليلة.

وضعف هذا الاشكال من الوضوح بمكان، لأن المفروض أن الحدث حصل بقدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه أمر اعجازي، فمن الطبيعي جداً أن يكون خارجاً عن الحدود الطبيعية.

 

 

 

 

 ————————

[1] سورة النمل الآية رقم 40.

[2] سورة النساء الآيتان رقم 157-158.

[3] أجوبة الشبهات الكلامية ج 3 النبي الأعظم(ص) ص 78.

[4] أعرضنا عن ذكر المعادلة بتفاصيلها العلمية، لعدم كون المورد محلاً لذكرها، لكن لو أراد القارئ العزيز الوقوف عليها، فإنه يمكنه الرجوع للكتب المختصة، والأبحاث المتعرضة لذلك.

[5] يجري فيه ما ذكرناه فيا لتعليقة السابقة؟

[6] أجوبة الشبهات الكلامية ج 3 النبي الأعظم(ص) ص 79-87(بتصرف)، ويمكن للقارئ ملاحظة ما ذكره العلامة السبحاني(دام ظله) في كتابه سيد المرسلين ح 1 ص 550 جواباً عن هذه الإشكالات أيضاً.