20 مارس,2019

الاستقامة كمال الشخصية الإسلامية

اطبع المقالة اطبع المقالة

قال تعالى:- (اهدنا الصراط المستقيم)[1].

تقدم الحديث منا حول الهداية التي تضمنتها الآية المباركة،وذكرنا أنها الهداية الخاصة التي يرغب الإنسان المسلم في الحصول عليها،فيسأل من الله عز وجل أن يفيضها عليه.

واعلم أن تلك الهداية هي طريق الذين استقاموا على الجادة القويمة،والذين عبر عن منهجهم بالصراط المستقيم.

فما هو المراد من الصراط المستقيم؟…

ذكر بعض المفسرين،أن المراد منه هو الجسر المقام على نار جهنم،ولابد للمؤمن أن يسلكه في طريقه إلى الجنة،وتحدثت النصوص الواردة عن أهل البيت(ع)عن وصفه بأنه أدق من الشعرة،وأحدّ من السيف،وأن المؤمن يقطعه بسرعة البـرق،كما تضمنت بعض النصوص الأشياء التي تسبب سرعة اجتيازه،والأشياء التي تعطل اجتياز الإنسان له.

إلا أن الذي نتصوره أن هذا التفسير لا ينسجم مع الآية المباركة،خصوصاً بناء على ما تقدم من تفسير الهداية،وعلى هذا نحتاج إلى البحث عن تفسير آخر.

والذي يظهر أن كلمة الصراط وردت في القرآن الكريم في مواضع متعددة،وهذا يستدعي أن نجري لها تفسيراً بنفس الأسلوب الذي قدمناه في تفسير الهداية والضلالة في القرآن الكريم،بمعنى أن نعمد إلى التفسير الموضوعي فنفسر الصراط من خلال ذلك،فنقول:

الظاهر أن المراد منه هو الخط الذي تتحرك فيه الأوامر والنواهي الإلهية،وتتمثل فيه مناهجه،وتقع منه موقع الرضا.

فهو طريق الأنبياء والمرسلين والأوصياء والصالحين الذي يمثل إسلام القلب والوجه واللسان والكيان لله سبحانه.

فالصراط على هذا عبارة عن المنهج،أو قل هو الدين الذي يطلبه الإنسان ليكون دستور حياته،ومنهج علاقاته الفردية والاجتماعية.

ويستفاد هذا المعنى من قوله تعالى:- (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً)[2]،حيث جعل الدين هو الصراط المستقيم،وكذلك قوله تعالى:- (واتبعوني هذا صراط مستقيم)[3]،فجعل الصراط طريق الأنبياء والرسل.

ثم إن عمق الاستقامة يظهر في مضمونها،لأنها تمثل حركة المصلحة التي جعلها الله سبحانه وتعالى شاملة جميع حياة الإنسان في مفردات التشريع.

ثم إن مسألة الاستقامة أساس لكل الإعمال الصالحة وركن أساس في امتثال كل طاعة واجتناب كل معصية،كما أنها تعد أحد العوامل المهمة في دخول الجنة،قال تعالى:- (إن الذين قال ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون)[4].

بعد هذا يقع بحثنا ضمن نقاط:

النقطة الأولى:في بيان معنى الاستقامة:

الاستقامة تعني ملازمة الطريق المستقيم،والثبات على الطريق الصحيح،وبعبارة أخرى:هي الابتعاد عن كل زيغ وانحراف،مع الثبات على ما شهد الإنسان به من دين الحق.

فالاستقامة على هذا تعني الاستواء مقابل الانحراف والاعوجاج.

وهي تعم الجميع من الاعتقادات والملكات،بل والخواطر النفسانية،وأعمال الجوارح من العبادات والمعاملات والمجاملات،لأنها إن تطابقت مع رضى الله سبحانه وتعالى كانت مستقيمة،وإلا فهي منحرفة،قال تعالى:- (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم)[5].

والظاهر أن تفسير اللغويين للاستقامة بالاعتدال يرجع لما ذكرناه،لأن الاعتدال مقابل الانحراف والإسراف كما هو واضح.

وتعتبر هذه الاستقامة شرطاً أساسياً في الشخصية الإسلامية،لأن الرسالات السماوية لم تأتِ لتصحيح المعتقد فقط،وإنما لبناء الإنسان وتغيير السلوك واختطاط نهج خاص للسلوك الفردي والاجتماعي في حياة الإنسان،مع التـركيز على مجموعة من القيم الأخلاقية.

وهذا يعني صياغة إنسان جديد،إنسان رباني في فكره وروحه وقيمه النفسية،وفي سلوكياته الشخصية،وتعاملاته مع الناس.

وقد خيّر الله الإنسان في قبول هذا المنهج ورفضه،فلم يفرض عليه قبول هذا المنهج والالتزام به.

النقطة الثانية:أقسام الاستقامة:

كلمة الاستقامة كما عرفنا معناها،تعدّ مفهوماً واسعاً يجمع العديد من المضامين،وقد عرفنا أنها تعم الجميع من الاعتقادات والملكات،بل والخواطر النفسانية،وأعمال الجوارح من العبادات والمعاملات والمجاملات.

فهي تشمل إذن الاستقامة في العقيدة،كما أنها تشمل الاستقامة في الأخلاق،وتشمل أيضاً الاستقامة في الفكر،وهكذا.

وعلى هذا نحتاج أن نتحدث بعض الشيء عن كل واحد من هذه الأمور:

1-الاستقامة العقائدية:

يعتبر البناء العقائدي،والحفاظ على معالم العقيدة الإسلامية بحيث تكون محصنة عن المواجهات التي تواجهها الأمة،أمراً غاية في الأهمية،خصوصاً اليوم مع وجود الهجمات الثقافية والغزو الثقافي على الإسلام،فضلاً عن توجيه عدة هجمات ضد التشيع،ومحاولة النيل من معتقدات الشيعة أعلى الله كلمتهم،وكذلك مرض الخدر الحضاري الذي أصيبت به الأمة الإسلامية بسبب انفتاحها على المجتمعات الجديدة في العالم من خلال التطور التقني،ووجود أساليب التـرف والاستمتاع بالشهوات.

وهنا نجد كيف اهتم أهل البيت(ع)في تلك الفتـرة الزمنية بتقوية هذا الجانب عند أصحابهم،وعلينا أن نقتدي بهم(ع)في ذلك،خصوصاً مع وجود هذه الهجمات الشرسة على الإسلام،فضلاً عن الهجمات على التشييع،

ويتضح دور أهل البيت(ع)من خلال ما يلي:

1-الالتزام بطرح العقائد التي تستنبط من القرآن الكريم،والسنة النبوية الصحيحة،إذ كانوا يستشهدون على ما يطرحونه من عقائد من القرآن الكريم والأحاديث النبوية،مضافاً لانسجام الطرح مع الفطرة الإنسانية السليمة.

2-ملاحظة التكامل بين النظرية والتطبيق،وبين العقيدة والسلوك،وبين الأصول والفروع،فيشاهد الإنسان الربط بين الإيمان بالولاية وتكامل الأعمال والسلوك.

3-الشمولية في الطرح العقائدي،فلم يتركوا فراغاً في هذا الجانب يتصرف فيه أحد برأيه واجتهاده.

4-إرساء قواعد المنهج الصحيح في علاج قضايا العقيدة،من خلال التأكيد على الحرية العقائدية في المجتمع الإسلامي،مضافاً لاعتماد المنطق السليم وتحكيم العقل والوجدان وفطرة الإنسان الصافية.

فالبناء العقائدي،أو الاستقامة العقائدية ركن مهم جداً لتحقيق الشخصية الإسلامية المتكاملة.

2-الاستقامة في الأخلاق:

والأخلاق تمثل القاعدة والأساس الثاني في بناء المجتمع،وهو جانب وجداني أساس لسلوك الإنسان،ولعلاقاته الإنسانية التي ترتبط بالعدل والظلم.

ولا يخفى على أحد دور الأخلاق في المجتمع الإنساني،وعلاقته بإرادته وتكاملها من خلال إرادته ومسئوليته تجاهها.

ثم إننا ينبغي أن نستقي قيمنا الأخلاقية،من أهل البيت(ع)ومن المنهج الذي وضعوه لأصحابهم.

إذ أكدوا على أن يكون لأصحابهم دور القدوة،والمنـزلة العليا بين أفراد المجتمع،والاتصاف بالدرجة العالية من التقوى والطاعة والإخلاص لله سبحانه.

وقد ركزت النصوص على الزهد،وهو أن لا يملكك شيء،وليس قلة الأكل والشرب،والالتزام في العلاقات الاجتماعية بمبدأ الحب في الله والبغض في الله،بعيداً عن المؤثرات الأخرى الدنيوية،أو الميول النفسية.

كما حثت النصوص على الاتصاف بروح الإنصاف والتناصر والتعاضد والمواساة للأخوان،من أجل الحفاظ على العلاقات الاجتماعية بين أبناء المجتمع الواحد.

وقد كان إعداد الشخصية الإسلامية المتورعة الملتـزمة بالخط الإسلامي في الحياة أحد أهداف عمل الأئمة(ع)،فعن أبي عبد الله(ع):ليس منا ولا كرامة من كان في مصر فيه مائة ألف،أو يزيدون،وكان في ذلك المصر أحد أورع منه[6].

وعنه(ع)أيضاً:إنا لا نعد الرجل مؤمناً حتى يكون بجميع أمرنا متبعاً مريداً ألا وإن من اتباع أمرنا وإرادته الورع، فتـزينوا به يرحمكم الله وكيدوا أعدائنا ينعشكم الله[7].

3-الاستقامة الفكرية:

وعدم المساومة في الأفكار،وتقديم التنازلات،والتميعات الفكرية أما الضغوط الحضارية القادمة من الخارج.

وتنشأ المساومة والتنازلات الفكرية،وعدم حصول الاستقامة الفكرية،من تأثر أبناء المجتمع بالقيم الحضارية والفكرية المستوردة،فيسعون لتغيـير فكر مجتمعهم مستندين لتلك الأفكار المستوردة.

وهذا من الأمور الخطيرة التي تؤدي إلى انطماس معالم الفكر والمنهج الإسلامي ومبادئه القويمة.

——————————————————————————–

[1] سورة الفاتحة الآية رقم 6.

[2] سورة الأنعام الآية رقم 161.

[3] سورة الزخرف الآية رقم 61.

[4] سورة الأحقاف الآيتان رقم 13-14.

[5] سورة آل عمران الآية رقم 101.

[6] أصول الكافي ج 2 باب الورع ح 10.

[7] المصدر السابق ح 13.