18 يناير,2019

الإمام المهدي (ع) في فترة الغيـبة

اطبع المقالة اطبع المقالة

مدخل:

نحاول أن نوقع حديثنا حول فترة تعتبر من الفترات، التي شكلت منعطفاً تاريخياً كبيراً جداً في واقع الأمة الإسلامية، وهي فترة الغيـبة الصغرى، التي كانت بعد رحيل الإمام العسكري(ع) عن الدنيا ومارس فيها الإمام المنـتظر(عج) دوره القيادي في قيادة الأمة، من خلال السفراء والنواب الأربعة(رض) الذين قاموا بدور الوساطة بينه وبين الأمة في تبليغها التوجيهات التي كانت تصدر عن الناحية المقدسة.

بداية الغيـبة الصغرى:
تبدأ الغيـبة الصغرى، برحيل الإمام العسكري(ع) عن الدنيا، وتولي الإمام الحجة منصب الإمامة، وأول عمل باشره الإمام المهدي(ع) بعد استلامه هذا المنصب، هو نصب وكيله الأول، الشيخ أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري(رض)، حين قابله وفد القميـين بعد الظهر في يوم شهادة الإمام العسكري(ع).

مميزات هذه الفترة:
ويمكن القول بأن المميـزات لهذه الفترة، ثلاثة ميزات:
الأولى: أنها مبدأ تولي الإمام المهدي(عج) للمنصب الإلهي الكبير في إمامة المسلمين، بعد رحيل أبيه(ع)، لكي يتولى مسؤوليته الكبرى في قيادة قواعده الشعبية خاصة، والبشرية عامة، إلى ما يكفل لها السعادة والسلام.
الميـزة الثانية: عدم الاستـتار الكلي للإمام المهدي(ع)، وإنما كان يتصل بعدد مهم من الخاصة، لأجل مصالح كبرى، وقد بدأ الاستـتار الكلي بعد انتهاء هذه الفترة.
الميـزة الثالثة: وجود السفراء الأربعة، الموكلين بتبليغ تعاليم الإمام المهدي(عج) إلى الناس من قواعده الشعبية، بحسب الوكالة الخاصة المنصوص عليها من قبل المهدي(ع) نفسه، أو من قبل آبائه(ع).
وكان الأسلوب الرئيس للإمام الحجة(ع) في قيادة قواعده الشعبية، وإصدار التعليمات، وقبض الأموال، هو ما يكون بتوسط هؤلاء السفراء، وما يتسنى لهم القيام به من قول أو عمل.
وقد انتهت هذه الوكالة الخاصة، برحيل السفير الرابع(رض) عن الدنيا، فخسرت الأمة الإسلامية هذه الوكالة الخاصة، وانتقل التكليف الإسلامي، بعده إلى الاتكال على الوكالة العامة التي للفقهاء، الثابتة بالأدلة المقررة في محلها، في كتب الفقه، التي تـتعرض لبحث هذه المسألة.

صعوبات هذه الفترة:
ولم تخل هذه الفتـرة من صعوبات، عاناها السفراء الأربعة(رض) والإمام المنـتظر(عج) وهو في غيـبته، من أجل ادعاء أفراد متعددين للوكالة الخاصة زوراً، ومعارضتهم للسفراء الحقيقيـين، وإغرائهم للناس بالجهل.
إلا أنه كانت تكتب لهم الخيـبة والفشل، نـتيجة للجهود الواسعة التي يـبذلها السفراء في تكذيـبهم، وعزل الناس عنهم، استشهاداً بأقوال الإمام المهدي(ع) وبياناته فيهم.

والظاهر أن أول دعاوى السفارة المكذوبة كان في عصر السفير الثاني، إذ أن السفير الأول كان من الجلالة والقوة بحيث لا يجرؤ على معارضته معارض.
وأهم هؤلاء المدعين، وأكبرهم تأثيراً في جماعات من الناس، هو الشلمغاني ابن أبي العزاقر، وكان ذلك في عصر السفير الثالث.
وقد كان الشلمغاني في مبدأ أمره مؤمناً مستقيماً، بل كان وكيلاً للشيخ ابن روح عندما كان مستـتراً عن المقتدر، وكانت تخرج على يديه التوقيعات الصادرة عن الناحية المقدسة، عن طريق الشيخ ابن روح. ثم ظهر انحرافه، وسقم عقيدته، إذ حمله الحسد لأبي القاسم بن روح(رض)، على ترك المذهب، والدخول في المذاهب الردية، وظهر منه مقالات منكرة، وأصبح غالياً، يعتقد بالتناسخ، وحلول الألوهية فيه.

وقد خرج التوقيع ضده عام اثني عشر وثلاثمائة، وجاء فيه: إن محمد بن علي المعروف بالشلمغاني، وهو ممن عجل الله له النقمة، ولا أمهله، قد ارتد عن الإسلام وفارق، وألحد في دين الله، وأدعى ما كفر معه بالخالق جل وعلا، وافترى كذباً وزوراً، وقال بهتاناً وإثماً عظيماً، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيداً، وخسروا خسراناً مبيناً.

وإنـنا قد برئـنا إلى الله تعالى وإلى رسوله وآله صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته عليهم منه ولعناه، عليه لعائن الله تـترى من الظاهر والباطن في السر والعلن، وفي كل وقت وعلى كل حال، وعلى من شايعه وتابعه، أو بلغه هذا القول منا وأقام على توليه بعده…الخ…

كما أن هذه الفتـرة لم تخل من مصاعب بلحاظ المطاردة الحادة التي كانت السلطة توجهها إلى الإمام الحجة(ع) بالخصوص، وقواعده الشعبية على وجه العموم، وبلحاظ المناقشات وأنحاء الكلام والطعن الذي كان يصدر من القواعد الشعبية غير الموالية للأئمة(ع)، وخاصة أولـئك المتملقين للدولة، والمستأكلين على مائدتها، والمنـتفعين بسياستها.

ولعل الثغرة التي كان يمكن لهؤلاء أن يصلوا إليها في مناقشاتهم، كانت أوسع بعض الشيء مما كانت عليه مناقشات أمثالهم في زمان ظهور الأئمة(ع)، فإن القواعد الشعبية الموالية، كانت في هذه الفتـرة فاقدة للاتصال المباشر بشخصية الإمام(ع)، تلك الشخصية الفـذة النـيرة التي تعطي من توجيهها، وتدبـيرها في نقض الشبهات، وحل المشكلات، الشيء الكثير، مما يصعب على الوكلاء، والسفراء القيام به، إلا بشكل يكون أضيق دائرة، وأقل درجة.

مع أن الإمام المهدي(عج)، لم يكن في مقابلاته للآخرين وبياناته الصادرة عنه، يألُ جهداً في المناقشة والتوجيه والتدبير.

الاتجاه العام للإمام المهدي في فترة الغيـبة الصغرى:
كان الاتجاه العام لسياسة الإمام(عج)، في اتصاله بقواعده الشعبية، وقيادته لهم، على ما يدلنا عليه التاريخ، مندرجاً في عدة نقاط:

الأولى: إقامة الحجة على وجوده بشكل حسي واضح:
لكي يكون مستمسكاً واضحاً أكيداً لدحض ما قد يثار من الشبهات، والأسئلة حول ولادته، ووجوده.
وكانت هذه النقطة مما سار عليه الإمام العسكري(ع)، حيث ينقل لنا التاريخ أنه كان يعرض ولده المهدي(ع) على الخاصة من أصحابه، وينص على إمامته بعده، وأنه هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
وقد كان استمرار الإمام المنـتظر(ع) على ما سار عليه أبوه(ع) في ذلك، لاستمرار الأسئلة والإشكال، عن قصد أو غير قصد، خاصة مع اختفاء الإمام وغموض مكانه، ووجود الانحرافات بين أصحابه، كما صدر ذلك من عمه جعفر بن علي، وسمعناه عن الشلمغاني، وغيرهما.

طرق الإمام المهدي في إثبات وجوده:
وقد كان للإمام المهدي(عج) لإثبات وجوده بالطريق الحسي الواضح عدة طرق:
الأول: تمكين عدد من الخاصة من مشاهدته عياناً، وإيصاؤهم بتبليغ ما شاهدوه إلى الناس، وخاصة القواعد الشعبية الموالية للإمام(ع)، مع إيصائهم بكتمان المكان وغيره من الخصوصيات التي قد تدل عليه، وتيسر للسلطة طريق الوصول إليه.

الثاني: إقامة المعجزة بطريق غير مباشر لبعض الأشخاص ممن لا يواجهه مباشرة، بإرسال رسالة شفوية إليه عن طريق خادم أو غيره، تـتضمن اسم الشخص، الذي ينـبغي أن يكون مجهولاً عادة، ووصفه للمال الذي يحمله، والبلد الذي جاء منه، ونحو ذلك، مما لا يمكن أن يصدر إلا عن حجة الله تعالى على خلقه.
الثالث: الأجوبة على المسائل، وحل المشكلات، وقضاء الحاجات عن طريق وكلائه، بطريق منطقي حكيم منسجم، مع أسلوب آبائه(ع) في مثل هذه المواقف، بنحو يعلم بعدم تمكن السفير من أن يأتي بمثله، أو يخطر على باله، وخاصة إذا اقترن ذلك بأمر يجهله السفير أساساً، مما قد أثبته الإمام المهدي(ع) في توقيعه.

الرابع: الـتزام نحو معين من الخط، الذي كان يعرفه الخاصة من مواليه، وموالي أبيه(ع)، فإن اختلاف الخطوط باختلاف الأشخاص من أوضح الواضحات، وهو يستخدم على التعرف على صاحبه في مخـتلف المجالات، القانونية والفقهية، وغيرها.
فكان لخط الإمام المهدي(ع)، مـمـيزاته الخاصة التي يعرفها الخاصة، والتي لا يمكن تقليدها، كخط أي شخص آخر، حتى للسفير نفسه، على أنها كانت محفوظة بذاتها ومتشاكلة على أيدي السفراء الأربعة، على اختلاف خطوطهم الشخصية، وطبائعهم النفسية.

النقطة الثانية: الاختفاء عن السلطة:
الاختفاء عن السلطة اختفاء تاماً، بحيث يتعذر وصولهم إليه، مهما كلف الأمر، ويتحقق ذلك بعدة طرق:
الأول: عدم تمكين المشاهدة، إلا لمن يحرز فيه عمق الإخلاص وعدم إفشاء السر الذي قد يؤدي إلى الخطر.
الثاني: إيصاء الشخص المشاهد، تأكيداً لذلك بعدم الإفشاء والاحتياط من هذه الناحية على إمامه، بحيث يكون الفرد ذا مهمة مزدوجة، فهو يجب عليه التبليغ عن مشاهدة الإمام(ع) كما يجب عليه الالتزام في إخباره وتبليغه، بأن لا يزلق إلى ما لا يحمد عقباه.

الثالث: تحريم التصريح بالاسم، ومنعه منعاً تاماً، إلى حد يمكن أن يقال: أنه كان مجهولاً عن الكثير من الخاصة الموالية، فضلاً عن سائر المسلمين، وخاصة من يمت للسلطة بصلة.
ولهذا كان الخاصة يعبرون عنه عند الحاجة بتعبيرات مخـتلفة تشير إليه إجمالاً، ولا تعينه شخصاً، كالقائم، والغريم، والحجة، والناحية، وصاحب الزمان، ونحو ذلك، ويتجنبون بالكلية التعرض لأسمه الصريح، فإنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه، وإن وقفوا على المكان دلوا عليه.

الرابع: الاختفاء التام عن السلطة، وعن كل من يواليها، اختفاء تاماً مطلقاً، فلـئن كان(ع) في غضون الغيـبة الصغرى، قد يجتمع بـبعض الموالين، فإنه لا يجتمع بمن سواهم على الإطلاق، إلا ما كان لإقامة الحجة، وإظهار التحدي للسلطات مع عدم إمكان إلقاء القبض عليه، كما حدث لرشيق صاحب المادراي، حين أرسلته السلطة للكبس على دار المهدي(ع) في سامراء.

الخامس: تحويل مكانه بين آونة وأخرى، بنحو لا يلفت الأنظار، كما يستنـتج ذلك من مجموع الروايات الدالة على مكانه في الجملة، حيث يدل بعضها على وجوده في مكان، ويدل بعضها الآخر على وجوده في مكان ثانٍ، أو ثالث، وهكذا….وهذا صحيح بحسب اختلاف الأزمان، وتعدد الأيام والسنين خلال الغيـبة الصغرى.
السادس: السكوت التام، بل الجهل بطريقة اتصال الوكيل الخاص بالإمام المهدي(عج)، هل هو بطريق المواجهة، أو أنه يتم بطريق آخر. وأين تحدث المواجهة، وكيف؟…

ولو لم تحدث المواجهة، فكيف تصل أجوبة المسائل، وحلول المشكلات، كل ذلك كان مجهولاً تماماً لدى كل إنسان مهما كان خاصاً ومقرباً، ما عدا السفير، الذي يضطلع بالمهمة.
ومن المحتمل قوياً جداً القول بأن السفير كان منهياً عن التصريح به أساساً لكل أحد، ومن ثم كان الشخص يقدم السؤال، ثم يأتي بعد يومين أو أكثر ليأخذ جواب سؤاله، ولم يرد في الروايات أي إشارة لطريقة استحصال الجواب من الإمام(ع).

السابع: إيكال الوكالة الخاصة، أو السفارة، إلى أشخاص يتصفون بدرجة من الإخلاص عظيمة، بحيث يكون من المستحيل عادة أن يشوا بالإمام الحجة(عج)، أو أن يخبروا بما يكون خطراً عليه، ولو مزق لحمهم، ودق عظمهم.

النقطة الثالثة: الأجوبة الصادرة منه:
لقد كانت أجوبته(ع) على الأسئلة التي كان إيصالها إليه(ع) من أهم مهام السفراء، والتي كانت تجتمع عند السفير بكثرة من مخـتلف طبقات المواليـين.
وقد يكون الجواب الصادر منه(عج) توقيعاً، أي جملة مخـتصرة مكونة من بعض كلمات، وقد يكون مطولاً مسهباً، بحسب ما يراه الإمام المهدي(روحي لتراب مقدمه الفداء) من مصلحة السائل والمجتمع.

ويندرج في ذلك الأسئلة الفقهية والعقائدية التي كانت توجه إليه والطلبات الشخصية، كاستئذان بالحج، وسؤاله عن ميلاد الولد، أو التوفيق بين زوجين متشاكين. كما يندرج في ذلك مناقشاته للشبهات التي كانت قد تـنجم بين الموالين، وللدعاوى الكاذبة بالسفارة عنه(عج)، ولعن المدعي وكشف اتجاهاته المنحرفة.

كما يندرج في ذلك، ما خرج عنه(ع)، من الترحم على السفير الأول، وتعزية ولده السفير الثاني. وما خرج في بيان انقطاع السفارة بعد السمري السفير الرابع(رض)، وغير ذلك من التوقيعات.

النقطة الرابعة: قضاؤه لحوائج الناس من قواعده الشعبية:
من الناحية الشخصية، فيندرج في ذلك المال الذي يأخذه بعضهم من الإمام الحجة المنـتظر(عج) مباشرة إذا وفقوا للقائه. والمال الذي يأخذه الآخرون من السفراء، أو غيرهم ممن يمت إلى الإمام بصلة، وهي بمجموعها، أموال مهمة لا يستهان بها.

كما يندرج في ذلك نصحه(عج) لمستنصحيه، بالقيام بعمل معين، كالحج أو غيره، أو الامتناع عنه، بحسب ما يرى من المصلحة التي يتضح بعد ذلك للسائل مطابقتها لمقتضى الحال.
ويندرج هنا أيضاً، الأكفان والحنوط والأثواب التي كان يعطيها لبعض الخاصة مع الطلب، أو بدونه، وذلك قبل موت ذلك الشخص بقليل.