15 ديسمبر,2018

استظهار المعنى الباطن (2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

لا زال كلامنا في مشروعية منهج استظهار المعنى الباطن، وقد ذكرنا فيما تقدم دليلين، وهما:

1-الدليل القرآني.

2-السنة الشريفة.

ثالثاً: منهج علماء الإسلام:

رغم أن هذا المنهج لم يقدّم لنا دراسات تفسيرية كاملة إلا من قبل بعض العرفاء، إلا أن التأمل في الأبحاث العلمية لعلماء الإسلام، وفي مجالات مختلفة يؤكد أنهم جميعاً استخدموا هذا المنهج ومارسوه في تخصصاتهم.

علماء الفقه:

فلقد استخدمه علماء الفقه بكثرة في عشرات الموارد التي اثبتوا فيها حكماً فقهياً بالاستناد إلى دلالة آية قرآنية على سبيل استظهار المعنى الباطن.

أمثلة ونماذج:

هذا ولنشر إلى بعض الأمثلة والنماذج التي تـثبت صحة ما قلناه:

منها: فقد استدلوا مثلاً على القول بأن الأمين لا يضمن، بقوله تعالى:- (وما على المحسنين من سبيل)[aa1] ، على اعتبار أن المؤتمن محسن لصاحب الأمانة فلا سبيل عليه إذا تلفت بغير عمدٍ.

ومنها: ما قام به بعضهم من محاولة الاستدلال على اعتبار بيوت مكة المكرمة بمثابة المسجد الحرام، فلا يجوز بيعها، من خلال التمسك بقوله تعالى:- ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)، لأن من المعلوم أن الإسراء كان من بعض بيوت بني هاشم، وليس من المسجد الحرام، ورغم ذلك فقد اعتبرت الآية أن الإسراء كان من المسجد الحرام، مما يدل على أن كل بيوت مكة بحكم المسجد.

ومنها: المحاولة التي قام بها بعض الفقهاء(رض) من الاستدلال على انعتاق العبد قهراً على مولاه إذا أسلم العبد، وكان مولاه كافراً، لقوله تعالى:- ( لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً).

وغير ذلك من النماذج والأمثلة التي يجدها المتـتبع في الكتب الفقهية.

علماء الأصول:

وممن استخدم هذا المنهج أيضاً، علماء الأصول، حيث استدلوا بالآيات القرآنية في موارد عديدة من أجل إثبات قاعدة أصولية، فتراهم يستدلون على أن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب بقوله تعالى:- ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره).

ويستدلون على حجية خبر الواحد بقوله تعالى:- ( ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، لأنه قد جعل الحذر واجباً عند إبلاغ الأحكام الشرعية من قبل الرواة.

ويستدلون على حجية الإجماع بقوله تعالى:- ( ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوّله ما تولى ونصله جهنم).

واستدلالهم على البراءة الشرعية بقوله تعالى:- ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً).

وغير ذلك من الموارد التي يجدها المتابع للكتب الأصولية.

علماء العقيدة:

وممن استخدم هذا المنهج من علماء الإسلام أيضاً علماء العقيدة والمذهب وبكثرة، حتى نلاحظ أن العلامة الحلي(قده) سعى إلى تقديم ألفي دليل من القرآن الكريم في إثبات إمامة أمير المؤمنين(ع)، وذلك من خلال اعتماده هذا المنهج، واستخدامه لهذا الأسلوب في أكثر تلك الموارد.

علماء العرفاء:

وجاء العرفاء فاستخدموا هذا المنهج بشكل واسع جداً، من أجل إثبات نظراتهم في مختلف مجالات المعرفة الإلهية، فهم يستدلون مثلاً على نظرية قيام الجنة والنار بالفعل بقوله تعالى:- ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد)، حيث يستفيدون من كلمة(غفلة) معنى عدم الانتباه للشيء القائم بالفعل[aa2] .

ليس هذا منهج الصوفية:

هذا والذي نصل إليه بعد استعراض اعتماد علماء الإسلام على هذا المنهج هو، أن هذا المنهج ليس منهجاً مستحدثاً، ومستجداً، وليس من ابتداع المتصوفة، كما تصور ذلك البعض، فدعاهم ذلك إلى إطلاق عنوان المنهج الصوفي عليه. نعم مما لا ينكر أن المتصوفة قد أفرطوا في استخدام هذا المنهج، وتجاوزوا الحدود الصحيحة له، وعمدوا لتفسير شامل للقرآن ينسجم مع تصوراتهم، بينما لم يقم أصحاب الاختصاصات بوضع تفسير شامل للقرآن الكريم في ميدان اختصاصهم، وإنما عمدوا إلى وضع دراسة للآيات التي تختص بميدان بحثهم دون سواها.

مستويان لاستخدام هذا المنهج:

هناك مستويان لاستخدام هذا المنهج:

المستوى الأول: هو المستوى التفسيري: ويقصد به محاولة تفسير الآية في ضوء هذا المنهج وادعاء أن المعنى المستظهر منها هو المقصود الحقيقي للقرآن.

المستوى الثاني: هو المستوى التطبيقي: ويقصد منه استلهام واستيحاء معنى معين من الآية ليس على أساس أنه هو المقصود منها، بل على أساس إمكانية تطبيق الآية عليه باعتباره أحد المحتملات في معناها، أو أحد مصاديق المعنى.

وليتضح المدعى بشكل أكثر نشير لمثال: يقف المفسر عند قوله تعالى:- ( ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله)، ويحاول تطبيقها على من يخرج من بيت نفسه، ويقضي على كل أنانياته، ويتحرك نحو الله ورسوله، ويذوب في القيم الإلهية والأهداف الدينية فتموت الأنا الشيطانية عنده، وحينئذٍ يكون أجره على الله سبحانه وتعالى.

وهذا يعني أن أصحاب هذا القول ليس مقصودهم تفسير الآية بهذا المعنى، واعتباره مدلولاً لها، وإنما يقصدون تقديم نموذج آخر للهجرة إلى الله سبحانه يمكن أن يكون تطبيقاً من تطبيقات الآية الشريفة.

ولما كان هذا المستوى من التفسير هو الغالب في التفاسير التي اعتمدت هذا المنهج، لذا أطلق عليه اصطلاح(التفسير الاشاري)، و(التفسير الفيضي)، للدلالة على أن أصحاب هذا المنهج لا يزعمون أن المعنى المذكور هو مقصود الآية ومدلولها اللفظي، وإنما يزعمون إشارة المعنى الذي استفادوه، وأن التأمل في عمق الآية وبعناية من الباري سبحانه وتعالى، وتوفيقه هو الذي أوجب إفاضة هذا المعنى الجدير عليهم، وانبثاقه في أذهانهم.

هذا ولابد من أن يكون هذا المعنى الباطن الذي يكتشف من خلال التأمل، معنى ينسجم مع مدلول الآية، ولا يصطدم معه.

ولهذا عرف التفسير الإشاري، بأنه: تأويل الآيات على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة.

الحدود الصحيح لهذا المنهج:

هذا ولما كان هذا المنهج يمثل اكتشافاً لباطن القرآن، فلابد أن يخضع إلى ضوابط تصحح هذا الاكتشاف وتؤكد سلامته، ومن دون ذلك ربما تخضع العملية للأمزجة والأهواء، وتشهد ألواناً غير واقعية من الادعاء، وبالتالي فسوف تفقد قيمتها العلمية، ومن ناحية ثانية لابد أن تكون تلك الضابطة مقبولة شرعاً حتى يمكن الاعتماد عليها، فالكتاب هو كتاب الله، والمقاصد هي مقاصد الله تعالى، وكيف يمكن أن نعتمد في فهم المعاني الباطنة لهذا الكتاب على ضابطة لم تؤيد في شريعة الله سبحانه!

هذا وتوجد في المقام ثلاثة ضوابط يمكن اعتمادها:

الأولى: تكوين الظهور العلمي:

وقد تقدم الحديث منا فيما سبق عن وجود قاعدة تسمح لنا بالخوض في تفسير القرآن الكريم، وهي التي تعرف بقاعدة(اعتماد الظهور القرآني)، فكلما دخل في الظهور وفقاً لقواعد ومناهج التخاطب في اللغة العربية أمكن اعتماده، وكلما لم يدخل في الظهور، لا نستطيع اعتماده لقوله تعالى:- ( ولا تقف ما ليس لك به علم)، ويجب أن نترك أمره إلى الراسخين في العلم الذين هم أعلم بمقاصد القرآن الكريم.

وحينئذٍ سيكون من حقنا اعتماد هذا المنهج حينما نتمكن من تحويل المعنى الباطن إلى معنى ظاهر من خلال جمع الأدلة والقرائن على إرادته من اللفظ، الأمر الذي يدعونا لاستذكار ما سبق منا الإشارة إليه تحت عنوان الظهور الابتدائي والظهور العلمي.

ذلك أن هذا الظهور الذي نكونه في عملية استكشاف المعنى الباطن والذي لا يـبدو بالنظرة الأولى، ويحتاج إلى جهد علمي من أجل اكتشافه هو ظهور من المستوى الثاني الذي نصطلح عليه بـ(الظهور العلمي) اقتباساً من قوله تعالى:- ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) والتي تشهد على أن هذه الآيات رغم ظهورها وكونها بينات إلا أن ذلك الظهور يختص بالذين أوتوا العلم ولا يكاد يظهر لغيرهم.

ونستطيع أن نقول في ضوء ذلك، أن المعنى الذي يراد اكتشافه بهذا المنهج هو(ظاهر) من جهة و(باطن) من جهة أخرى، فهو ظاهر للذين أوتوا العلم وباطن لغيرهم.

ولهذا أطلقنا على هذه الضابطة قاعدة استظهار المعنى الباطن، أي جعل المعنى الباطن ظاهراً.

والحقيقة أن كل الممارسات التفسيرية لعلمائنا في المجالات المختلفة لم تكن تخرج عن هذه الضابطة، فتجدهم يجمّعون القرائن والأدلة لإثبات أن المعنى المستكشف هو معنى يظهر للعيان من خلال الالتفات إلى تلك القرائن والأدلة، وهو معنى رغم تستره وغموضه، إلا أن تلك القرائن والدلائل كافية في إزاحة الستار عنه وإظهاره.

الثانية: الثبوت في السنة الصحيحة:

ومن الأمور التي يمكن فيها الاعتماد على هذا المنهج، ما إذا ثبت ذلك التفسير بطرق صحيحة معتبرة في السنة الشريفة، لأننا نقبل ما جاء عنه(ع) في بيان كشف المعاني الواقعية المقصودة للقرآن الكريم، سواء في مجال الحديث عن بطون القرآن، أم في مجال الحديث عن تأويله.

الثالثة: اكتشاف عموم الفكرة:

ويمكن أن يعتمد على هذا المنهج، إذا أمكن أن نكتشف من مجموع القرائن والدلائل المحيطة بالنص عموم الفكرة المطروحة فيه، وحينئذٍ نستطيع العودة إلى قاعدة(عموم الفكرة) التي تقدم الحديث عنها.

تفاسير العرفاء:

هذا والظاهر أن أكثر ما جاء في تفاسير العرفاء التي اعتمدت على هذا المنهج، هو من هذه الحالة، إذ يعمدون إلى تطبيق الفكرة المذكورة في الآية على مصاديق أخرى تلتقي مع المصداق المذكور في الآية على أساس التماثل.

ولنشر إلى نموذج من ذلك، فلاحظ تفسير قوله تعالى:- ( ومن يخرج من بيته مهاجراً) على طريقة العرفاء، سوف لا تجده تفسيراً للآية بمقدار ما هو تطبيق معناها على مصداق جديد، حيث يتحدّ في فكرته ومفهومه مع نفس المصداق الظاهر في الآية.

وكذلك لو لاحظنا تفسيرهم إلى قوله تعالى:- ( اذهب إلى فرعون إنه طغى)، فإننا نجد المحاولة نفسها.

هذا ولكن ما ينبغي التنبيه والتركيز عليه في هذا المقام، هو ضرورة الدقة العلمية في العثور على الفكرة القرآنية المقصودة، ومن دون ذلك فسوف يدخل الأمر في باب إتباع الظن، والتفسير الرأي.

——————————————————————————–

[aa1]سورة التوبة الآية رقم 91.

[aa2]الميزان في تفسير القرآن .