21 أكتوبر,2019

دروس في الثقافة الفقهية (1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

سن البلوغ في الأنثى:

والمشهور بين أصحابنا هو القول بأن الأنثى تبلغ سن التكليف فتلزم بالعبادات الإلهية، إذا أكملت تسع سنين هلالية، ودخلت في العاشرة.

وقد عبر الفقيه النجفي في جواهره في كتاب الحجر، أن هذا هو الذي استقر عليه المذهب. بل في السرائر نفى وجود خلاف بين الأصحاب في المسألة.
لكن الشيخ الطوسي في كتابه المبسوط باب الصوم، وابن حمزة في كتابه الوسيلة قالا ببلوغها بعشر سنين.

هذا وقد يقال، أنهما لا يخالفان المشهور، لأن الظاهر أن مرادهما من بلوغها بعشر سنين دخولها في العاشرة، وهذا ما عبر عنه المشهور، بإكمالها تسع سنين.
أما بالنسبة للشيخ الطوسي(قده)، فالتوجيه المذكور، خلاف الظاهر من عبارته، حيث قال(قده): وأما البلوغ فهو شرط في وجوب العبادات الشرعية، وحده هو الاحتلام في الرجال والحيض في النساء أو الإنبات أو الإشعار أو يكمل له خمس عشر سنة، والمرأة تبلغ عشر سنين.

إذ يمكن القول، أن مراده إكمالها عشر سنين، بقرينة نصه على ذلك في الذكر، ولا أقل من ظهور ذلك، فتأمل.
وأما ابن حمزة، فإن هذا التأويل غير جارٍ بالنسبة لكلامه من أصل، لأنه نص في خمس الوسيلة على أن بلوغ الأنثى بإتمام عشر سنين، قال(قده): وبلوغ المرأة بأحد شيئين: الحيض، وتمام عشر سنين.

ثم إن الشيخ الطوسي ذكر في كتاب الحجر من المبسوط أن الأنثى تبلغ بتسع سنين، وجعل بلوغها بعشر مروياً، ولم يعلق عليه.
وكذا ذكر ابن حمزة في كتاب النكاح من الوسيلة، بأن بلوغها يعرف ببلوغها تسع سنين، قال(ره): وبلوغ المرأة يعرف بالحيض أو بلوغها تسع سنين فصاعداً.
ولا يخفى التنافي بين الفتويـين، فلاحظ.

هذا وقد استدل المشهور على بلوغها بإكمالها تسع سنين والدخول في العاشرة بالتالي:
الأول: الإجماع، المدعى من قبل الشيخ في كتابه الخلاف، والغنية، وغير ذلك.

هذا ولابد لتمامية هذا الدليل، من توفر أمرين:

أولها: أن يكون إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم، غير مستند لمدرك من المدارك، ولا محتمل الاستناد.
ثانيها: أن يكون إجماعاً محصلاً، غير منقول، لعدم حجية الإجماع المنقول كما عرفت في الأصول.

وكلاهما غير متوفر في المقام، مما يعني أنه لا يمكن الركون لمثل هذا الإجماع في المدعى.
على أن هذا الإجماع من الشيخ وفي كتابه الخلاف، والظاهر عدم حجية مثل هذه الإجماعات، إما لكونها مدركية غالباً، أو لكونها غير تعبدية، أو لكونها مختصة بأهل عصر دون عصر.

وهذا بنفسه يجري بالنسبة إلى إجماعات السيد ابن زهرة في كتابه الغنية، حيث أن الإجماع عنده غير محرز التعبدية، فلا يعول على إجماعه.

نعم أدعى الإجماع على ما حكي ابن إدريس في السرائر في نوادر القضاء، والعلامة في التذكرة والأردبيلي في آيات الأحكام، كما حكى ذلك عنهم السيد العاملي في المفتاح.
ويكفي لمنع حجية مثل هذا الإجماع، فضلاً عن عدم تعبديته، كونه إجماعاً مدركياً، مما لا يمكن الاعتماد عليه.

الثاني: الشهرة، ففي المختلف وغاية المرام، أنه المشهور. وقال الشهيد الثاني في المسالك: أن بلوغ الأنثى بالتسع مشهور، وعليه العمل. وقد حكيت الشهرة عليه في المهذب البارع والروضة ومجمع البرهان والكفاية والمفاتيح، ومثل ذلك جاء في الجواهر أيضاً.

وهذا الدليل يعتمد على مقدمتين، كبرى وصغرى:

أما الكبرى، فهي عبارة عن الالتزام بحجية الشهرة الفتوائية.
وأما الصغرى، فشهرة القول ببلوغ البنت بتسع سنين.
ولا يخفى أن الصغرى متحققة في المقام، لوجود الدعوى بذلك. بل الإنصاف أنه لم يعرف مخالف في ذلك إلا من عرفت.

لكن الإشكال في الكبرى، حيث أن المذكور في الأصول، المنع من حجية الشهرة الفتوائية. نعم جملة من الأعلام كالسيد البروجردي، والسيد الإمام الخميني(ره) يقولان بحجيتها، وبالتالي يكون هذا الدليل صالحاً لإثبات المدعى عندهما، وعند من وافقهما في ذلك.

الثالث: وهو العمدة، التمسك بالنصوص الدالة على أن بلوغ الأنثى بتسع سنين.
ويكفينا في المقام التعرض لرواية واحدة، وهي ما رواه ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله(ع) قال: حد بلوغ المرأة تسع سنين .
ولا ريب في تمامية دلالته على المدعى، كما أن سنده معتبر، لا لقبول الكبرى التي حكاها الشيخ(ره) في العدة، وإنما لأن ابن أبي عمير نقله عن غير واحد، وهذا يعني أنه عدد لا يقل عن ثلاث، واحتمال أن لا يكون بينهم شخص واحد ثقة ضعيف جداً لا يعتني به العقلاء، فيدخل في دائرة الحجية.

هذا والإنصاف أن جميع ما ذكر لا إشكال فيه، لكنّ المشكلة تكمن في كون هذه الرواية نقلها شيخنا الصدوق في كتابه الخصال، ولم ينقلها في كتابه الفقيه الذي جعله حجة بينه وبين ربه، وهذا كاشف عن نحو تأمل في الجملة لدى الصدوق في حجية هذه الرواية والاطمئنان بصدورها، وإلا لِـمَ لم ينقلها في كتابه المذكور.

كما أن عدم نقل شيخنا الكليني من قبله في كتابه القيم الكافي، شاهد سلبي آخر على دخولها دائرة الحجية وقبولها، بل حتى أن الشيخ(قده) وهو الذي تصدى لنقل ما أعرض عنه العلمان الكليني والصدوق، لم ينقلها في كتابيه، فهذه كلها تدعو للتأمل في قبول هذا الخبر. خصوصاً على ما سلكناه في الأصول من أن الحجية، إنما هي للخبر الموثوق بصدوره.
وبالجملة إن هذه الأمور كلها، مانعة عن التسليم بحجية مثل هذا النص بحسب النظر الأولي، إلا أن تكون هناك شواهد مساعدة عليه، بحيث يمكن قبوله وكونه حجة.

والصحيح أن الشواهد عليه كثيرة، حيث أن هناك نصوصاً واردة بمضمونه مما يشرف الفقيه على الاطمئنان أقلاً بصدوره عن المعصوم، وأنه غير متروك.
لكنه كغيره من النصوص في ورود الإشكال من عدم دلالته على إكمال التسع، ليدل على مدعى المشهور، لما سبق وذكرناه في معنى البلوغ عند الحديث عن البلوغ في الذكر، فلاحظ.
هذا ويـبقى عندنا في المقام، ما يتصور كونه مانعاً من قبول قول المشهور، ونعني به النصوص المعارضة لما دل على المدعى، فتذكر النصوص الدالة على خلاف مدعى المشهور، وسنقصر الحديث على خصوص ما هو المعتبر منها، وهو موثق الساباطي، فقد روى عمار عن أبي عبد الله(ع) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة، قال: إذا أتى عليه ثلاث عشر سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم .

ودلالتها على أن البلوغ في الأنثى بالدخول في الثالثة عشر، لأنه هي التي يقال لها أتى عليها ثلاث عشرة سنة.

هذا وقد أجاب عنها بعض الأساتذة(حفظه الله) بوجهين:

الأول: إعراض المشهور عنها، وهذا واضح بعد الالتفات إلى وجود هذه الرواية في كتب الأصحاب والتفاتهم إليها، ومع ذلك لم يعملوا بمضمونها.
الثاني: حصول الاطمئنان بعدم مطابقة هذه الرواية للحكم الواقعي، وذلك لكثرة ما دل على تحقق البلوغ بالتسع، بحيث يصل إلى حد الاستفاضة، بل ما هو أزيد من ذلك، مما يوجب الاطمئنان العادي بصدق واحد منها على الأقل، فتسقط الموثقة عن الحجية، لحصول الاطمئنان حينئذٍ بعدم صحتها .

والحديث في مدى مقبولية مثل هذه الإجابة، يترك إلى البحوث التخصصية، ومن أرادها، فليرجع إليها.

نبات اللحية:

بقي أن نشير في المقام إلى أن المستفاد من السيد الماتن(دامت أيام بركاته) أنه يرى أن نبات الشعر في الوجه بالنسبة للذكر من العلامات الدالة على تحقق البلوغ على الأحوط وجوباً، وقد تضمنت النصوص التي تعرضت إلى بلوغ الذكر بالسن إلى أن إحدى العلامات التي يمكن أن يتمسك بها في ثبوت البلوغ للذكر هي نبات الشعر على وجهه، فلاحظ ما جاء في خبر يزيد الكناسي قال: قلت لأبي جعفر C: متى يجوز للأب أن يزوج ابنـته ولا يستأمرها؟ قال: إذا جازت تسع سنين-إلى أن قال-قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟ فقال: يا أبا خالد إن الغلام إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان بالخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك .

نعم من المحتمل قوياً جداً أن يكون الأصحاب قد أعرضوا عن العمل بهذا المضمون من النص، وبالتالي مع وجود شبهة الإعراض من الأصحاب، يكون ذلك سبباً يدعو الفقيه إلى التحفظ من الفتوى، خصوصاً إذا لاحظنا أن إحدى الأمور التي توجب ترجيح فقيه على آخر في بعض الحالات كما سيأتي الإشارة لها إن شاء، هي الأورعية، التي هي بمعنى التورع في الفتوى، فلا يفتى بما يكون مخالفاً للمشهور.

الحيض:
وكما أن هناك كلاماً في وجود علامة مختصة للذكر غير ما ذكر، وقد عرفتها، هناك أيضاً كلام في وجود علامة خاصة بالأنثى، حيث أن بعض الأعلام(قده) يلتـزمون بأن إحدى العلامات الدالة على بلوغ الأنثى الحيض، فلو حاضت الفتاة قبل بلوغها سن التاسعة، فإنه يحكم عليها بالبلوغ، بل إن جملة من الأصحاب لا يرون علامة السن بالمقدار المذكور إلا كاشف عن تحقق الحيض.

نعم جملة من الأصحاب يلتـزمون بخلاف ذلك، فيحكمون بأن الحيض كاشف عن تحقق البلوغ، لا أنه علامة على تحققه، والله سبحانه وتعالى أعلم بحقائق الأمور، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

العقل:
وهو الشرط الثاني من شرائط التكليف، ونعني به وجود الرشد لمن يراد تكليفه بحيث يكون فرداً واعياً وشاعراً بالمسؤولية والتكليف، لذا لا تكليف للمجنون والأبله الذي لا يدرك الواضحات بسبب بلاهته وقصور عقله.

هذا ويدل على شرطيته، أمران:
الأول: عبارة عن حكم العقل، إذ أن العقل يحكم بقبح التكليف بما لا يطاق، ولا ريب في أن المجنون لا طاقة له على امتـثال التكاليف، حيث لا إدراك عنده، ولا وعي لما يدور حوله.
الثاني: التمسك بالنقل، وهو متمثل في عدة نصوص، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع): لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبُّ إليّ منك ولا أكملتك إلا في من أحب. أما إني إياك آمر وإياك أنهى وإياك أعاقب وإياك أثيب . وتقريب الاستدلال به من خلال الذيل بفقرتيه:

الأولى: قوله: إياك آمر وإياك أنهى، فإنها تدل على أن الأمر والنهي يدوران مدار وجود العقل، فما لم يكن العقل موجوداً، فلا أمر حينئذٍ، ولا نهي.
الثانية: قوله: وإياك أعاقب، وإياك أثيب، فإنها تدل على أن الداعي لاستحقاق الفرد للمثوبة أو العقوبة، يعود لوجود العقل عنده، فلما كان ممتلكاً للعقل، فلا ريب في أنه يستحق المثوبة، وكذا الكلام بالنسبة للعقوبة، أما لو لم يكن ممتلكاً له، فلا يكون مورداً لاستحقاق العقوبة أو المثوبة، فلاحظ.

تقسيم المجنون:
ثم إن مقتضى شرطية العقل في التكليف، وأنه يعتبر في المكلف أن يكون عاقلاً، عدم توجه التكليف للمجنون كما عرفت

هذا وينقسم المجنون إلى قسمين:
1-المجنون الإطباقي، وهو الذي لا توجد عنده فترة يفيق فيها من جنونه ويشعر لما يدور حوله.
2-المجنون الإدواري، وهو الذي تكون له حالة يصبح فيها سوياً فيدرك ما يدور حوله.
أما الأول، فهو الذي أشرنا قبل قليل إلى كونه غير مكلف، وأما الثاني، فيختلف الحال بالنسبة إليه بحسب وضعه وحاله، فإذا كان في وقت الإفاقة والإدراك والشعور لما يدور حوله، فإنه يكون مكلفاً، بخلاف ما لو كان الحال في وقت الجنون، فإنه لا يكون مكلفاً بشيء، إذ ينطبق عليه حينئذٍ عنوان المجنون، فلا مجال لتكليفه لما عرفت قبل قليل من كون المجنون غير مكلف، فلاحظ.

هذا ولو سألنا: أنّا لو وجدنا شخصاً يعي في الجملة، أي أنه لا يعي وعياً كاملاً، إذ هو يدرك بعض التكاليف دون البعض الآخر، فهل يكون مكلفاً أم لا؟…
وجوابنا عن مثل هذا السؤال، أن هذا الفرد يكلف بالمقدار الذي يكون ممتلكاً إياه من الوعي، بحيث أنه يكلف بما يملكه من وعي، أما ما يكون خارجاً عن إدراكه فإنه لا يكون مكلفاً به.

القدرة:
وهذا هو الشرط الثالث من شرائط التكليف، والمراد من كونه كذلك، أن يكون قادراً على امتـثال التكاليف الإلهية الموجهة إليه، سواء كانت أوامر أم كانت نواهي، ولذا لا يجب على العاجز عن الامتـثال الإتيان بالتكاليف، لكونه معذوراً.

ويدل على شرطية هذا الشرط أمران:

الأول: حكم العقل القطعي.
الثاني: قوله تعالى:- ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) أي طاقتها وقدرتها.
ثم إن المراد من القدرة هنا القدرة التكوينية بالمعنى الأعم، أي أن لا يكون عاجزاً تكويناً، وأن لا يكون هناك مانع يمنع من امتثال التكليف.