25 أكتوبر,2021

المختار الثقفي في الميزان(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

أدلة المحقق المامقاني:

ومن الذين لم يرتضوا نسبة المختار للكيسانية، المحقق الشيخ المامقاني(ره) في موسوعته الرجالية تنقيح المقال، فقد عرض مجموعة من الأدلة الدالة على كونه إمامياً، وعرض بعدها أدلة القائلين بكيسانيته، وفندها.

أما أدلة كونه إمامياً[1]:

الأول: النص الدال على أن الإمام الحسين(ع) يخرجه من نار جهنم، وتقريب الاستدلال به: من المعلوم أننا نعتقد أن الشيعي الإمامي لا يخلد في النار، وإن دخلها، وهذا يعني أن كل من دخل إليها وخرج منها، فهو شيعي إمامي، ولما كان المختار ممن خرج من النار، وفقاً للنص المذكور، فيثبت المطلوب.

ولا يخفى ما فيه، ضرورة أنه لو سلم عن أن الخلود من مختصات غير الشيعة الإمامية، كما هو أحد الأقوال في المسألة، إلا أن ذلك لا ينفع في المقام، لأن هناك فرقاً بين أن يكون المذنب خارجاً من النار لانتهاء ما يستحقه من العقاب، وأنه لا يكون من الخالدين، وبين أن يكون العاصي مخرجاً منها بواسطة الشفاعة، وموردنا من الثاني، ذلك أن المفروض في الخبر المذكور كونه قد لحقته شفاعة الإمام الحسين(ع)، وهذا لا ربط له بكونه إمامياً، كما لا يخفى.

الثاني: لقد نص المؤرخون على أن المختار الثقفي قد أرسل مجموعة من الهدايا الخطيرة إلى الإمام زين العابدين(ع)، فلو لم يكن المختار معتقداً إمامة الإمام زين العابدين(ع)، ما كان ليرسل إليه بمثل تلك الهدايا.

وضعف هذا الوجه واضح جداً، ضرورة أن من المنقول تاريخياً أيضاً أن الإمام(ع) قد رد هداياه، وأنه وسمه بالكذاب، كما أن من الثابت تاريخياً أنه قد كان يرسل الهدايا إلى محمد بن الحنفية، وأن إرساله الهدايا للإمام كان في مبتدأ أمره، وكأنه أراد بذلك أن يعطي لنفسه شرعية في ما يود القيام به، ولهذا أتخذ هذا الأسلوب، إذ أن قبول الإمام بهداياه، يكشف عن رضاه بما يقوم به، ويحقق له غرضه.

الثالث: لقد روى الأصبغ بن نباتة أن أمير المؤمنين(ع) كان يجلس المختار على فخديه ويسميه كيساً،

وهذا يثبت كونه إمامياً، لأنه لا يتصور أن تكون عاقبة الرجل خافية على أمير المؤمنين(ع) وكيف تخفى عليه، وهي لم تخف على تلميذه ميثم التمار، وعليه لو لم يكن الرجل على طريق الحق، ولم يكن متبعاً له، ما كان ليصدر من أمير المؤمنين تجاهه ما صدر.

والإنصاف، ضعف هذا الوجه، مضافاً إلى أنه للاستحسان أقرب منه للدليل، إذ أي معنى ليكون إجلاس أمير المؤمنين(ع) إياه على رجله يكاشفاً عن حسن معتقده، فلعل صدور ذلك من أمير المؤمنين(ع) بلحاظ انتماء أسرته العقدي، لأن أحد أعمامه وهو سعد بن مسعود كان والياً له على المدائن، مضافاً إلى أن من المحتمل أن يكون نظره (ع) في هذا كله لما سوف يقوم به من دور، في طلب الثأر، وأين هذا مما نحن بصدد الحديث عنه.

الرابع: دعاء الإمام السجاد(ع) إليه، بأن يجزيه الله خيراً، والظاهر أن منشأ ذلك أنه لا يتصور أن يصدر الدعاء من المعصوم(ع) إليه لو لم يكن متخذاً طريق الحق.

وهو كما ترى، ذلك أن الأمر لا يخرج عن كونه دعاءً صادراً من المعصوم(ع)، وهو لا يكشف عن حسن حال المدعو إليه، أفهل يتصور أن دعاء الإمام الحسين(ع) لبعض أهل الكوفة يوم الطف كاشف عن حسن حالهم؟!

ومثل ذلك، عدم صلوح الاستناد في الإثبات بما ذكره(ره) من ترحم الإمام الصادق(ع) عليه، لما قرر في علم الرجال، من أن الترحم لا يعدّ من أمارت التوثيق، بل ولا الحسن، فضلاً عن ظهوره في صلاح المعتقد، بل هو نظير ما صدر منه(ع) من الترحم على زوار الحسين(ع) جميعاً، ومن المعلوم أن بينهم من ليس على الطريق القويم، فتدبر.

ومنه يتضح أنه عدّه(ره) مجرد صدور الفعل الحسن بأخذه بالثار، لا يصلح أن يكون موجباً للترحم، في غير محله، لما عرفت من أن الإمام(ع) يترحم على أشخاص لمجرد أنهم قد قاموا بزيارة المولى أبي عبد الله(ع).

العلامة الأميني في الغدير:

وقد جعل العلامة الأميني(ره) الدليل على كون المختار إمامياً، ورفض نسبته للكيسانية، الترحم الصادر في شأنه من الأئمة الهداة، الإمام زين العابدين، والإمام الباقر، والإمام

الصادق(ع)، بل إن المبالغة في الثناء عليه من الإمام الباقر(ع) شاهد على إماميته[2].

ولا يذهب عليك أن هذا الاستدلال يعتمد على القبول بكون الترحم الصادر منهم(ع) دال على حسن حال، ووثاقة، فضلاً عن حسن معتقد، وقد عرفت ما فيه، كما أنه سوف يتضح عند مناقشة النصوص، فأنتظر.

موانع كونه إمامياً:

هذا وكما تذكر شواهد أو أدلة تساعد على كون الرجل من الشيعة الإمامية، فإن في النصوص ما يمنع من ذلك أيضاً، وقد ذكرها المحقق المامقاني(ره)، وأجاب عنها، ونحن نعمد لذكرها، وننظر في إجابته(قده).

فمن تلك الأمور، ما ورد من رد الإمام زين العابدين(ع) لهداياه التي أرسلها إليها، وعدم قراءته لكتابه، ورميه بالكذب.

ومنها: لقد صدر من الإمام زين العابدين(ع) فيه لعن، وهذا ينفي كونه شيعياً إمامياً، لأنه لو كان كذلك، لم يصدر في حقه مثل ذلك.

ومنها: ما عرف عنه من أنه قام بدعوة الناس إلى إمامة محمد بن الحنفية، فإن هذا يمنع كونه إمامياً، لأنه لو كان كذلك، فسوف يدعو الناس إلى إمامة الإمام السجاد(ع).

ومنها: المحادثة التي ذكرها المؤرخون بينه وبين عمه سعد بن مسعود، عندما عرض عليه أن يقوم بتسليم الإمام الحسن(ع) إلى معاوية طمعاً في أمارة العراق، فإن هذا لا ينسجم وكون الرجل يعتقد بإمامة الأئمة من أهل البيت(ع).

ومنها: ما تضمنته كتب العامة من إدعائه النبوة، وأنه كان ينـزل عليه الأمين جبرائيل(ع) بالوحي.

ومنها: الخبر المذكور في التهذيب وغيره من المصادر من أنه يدخل النار.

وقد أجاب المحقق المذكور(ره) عن الأمرين الأول والثاني، بأنهما محمولان على التقية، ولم يصدرا من الإمام(ع) على نحو الجد والإرادة الحقيقية، فرد الإمام(ع) لهداياه يعود لخوفه من عبد الملك بن مروان، فإن سلطة المختار لم تبلغ المدينة المنورة، وقد كان المستولي عليها عبد الملك، فاتقاه الإمام(ع) وترك المال عنده. ويشهد لما ذكرناه من أن رده تلك الهدايا كان تقية، أمور:

أحدها: أن الخبر نفسه يناقض بعضه بعضاً، لأنه قد تضمن أن الإمام(ع) قد استجاز عبد الملك في التصرف فيه في ما بعد، وقد أجازه، فإذا كان المال حراماً، فإنه لا يعود حلالاً بإجازة عبد الملك، كما لا يخفى، لأنه ليس إمام حق حتى يرجع المال إليه، فضلاً عن أن يحلله.

ثانيها: لقد تطابقت النصوص الواردة عن أهل البيت(ع) على حلية جوائز الظالم، سيما للسجاد(ع) المالك لجميع الدنيا بجعل من الله سبحانه.

وبالجملة، لما كان(ع) مطلعاً على المصير الذي سيؤول له المختار، من قتل عبد الملك إياه، وبالتالي لو قبل هداياه لعده عبد الملك ممضياً لتصرفاته وراضيا بأفعاله، ومحباً له، فيكون مورداً لانتقامه منه، ولأجل أن يدفع ذلك عن نفسه، ترك المال ولم يأخذه.

ثالثها: لقد سبق وقبل الإمام(ع) هدايا من المختار في الخفاء واستعملها في عمارة الدور، وتزويج بعض الهاشميـين.

ولنفس السبب أعرض عن قراءة كتابه، ذلك أنه قد جاءه بيد رسول خاص، وقد أخذ أمر المختار في الظهور والشياع.

ولا مجال لاستنكار حمل أخبار الذم على التقية، فقد صدر مثل ذلك في شأن غيره من الرواة كزرارة وليث المرادي وغيرهما، وهذا بنفسه وجه لعنه(ع) إياه، لا ما تصوره صاحب التكملة من حمله اللعن على أساس كونه من باب لو فرض أنه يدعي النبوة لكان ملعوناً، وليس اللعن الصادر منه حقيقياً. ويشهد لكون لعن الإمام(ع) إياه تقية نهي الإمام الباقر(ع) عن سبه، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن وجه للمنع من سبه. على أنه لم يدع النبوة، وإنما أدعى الأمارة، وكيف يتصور دعوته إياها، وهو يدعو الناس كما قيل إلى إمامة محمد بن الحنفية.

وأجاب عن دعوته لمحمد بن الحنفية، بما سبق وذكرناه عن الإمام الخوئي(ره) في رد نسبته للكيسانية، فليراجع.

وأما قضية الإمام الحسن(ع)، فجوابها بأمور:

أولاً: أنها رواية ضعيفة السند، فإن شيخنا الصدوق(ره) رواها مرسلة.

ثانياً: مع التسليم بثبوتها فإنه يستلزم الكفر، مع أن الأخبار تكاد تكون متواترة على أنه شيعي، فيطرح لكونه معارضاً لما هو المعلوم.

ثالثاً: إن أقصى ما يستفاد من الخبر أنه أراد أن يفعل، وإرادة الفعل لا تعد معصية يستحق عليها النار، بل أقصى ما يمكن أن يستفاد منه هو خبث السريرة.

وأما دعوى الوحي، فقد كانت عن تورية وسياسة، وتعمية على الناس، مع أن نسبته لدعوى النبوة ليس لها في كتب أصحابنا عين ولا أثر. مع أن مصدرها العامة، ويردها أيضاً الأخبار المادحة له.

وأما خبر دخوله النار، فإن أقصى ما يدل عليه أنه كسائر أفراد الشيعة، يدخلونها لأنهم قد ارتكبوا ذنوباً، لكنهم لا يخلدون فيها. وقد وقع الخلاف في سبب دخوله النار، فهل هو بسبب بعض الأفعال الصادرة منه في الأمارة على غير الميزان الشرعي، أو لوجود حب الشيخين في قلبه، أو وجود حب الدنيا والرئاسة فيه، كلها محتملات، وتحقيقها غير مهم[3].

والإنصاف، عدم صلوح شيء مما ذكر جواباً، ذلك أن الحمل على التقية ليس من الوضوح بمكان، خصوصاً والقارئ لسيرة الإمام زين العابدين(ع) فإنه يتلمس ذلك، على أن هناك موارد رد الإمام(ع) فيها هدايا الرجل، وأنكره وكذبه من دون أن يكون هناك موجب للتقية، كما سنذكر ذلك في حديث له(ع) مع عمه ابن الحنفية. مع أن المحقق المذكور قد خلط الأخبار بعضها مع بعض، ذلك أن هناك خبرين يعرضان قضية رد الهدايا، وأحدهما يتضمن دخول شخصية عبد الملك دون الآخر، والاستشهاد كان بالخبر الذي لا يوجد لعبد الملك فيه وجود، فتدبر.

وأما الاستشهاد لذلك بنصوص حلية جوائز السلطان، فغريب جداً، ومنشأ الغرابة أنها صادرة عن الأئمة المتأخرين عن الإمام زين العابدين(ع) فكيف يستند الإمام إلى ما لم يصدر عنه، ولا وجه للقول بأنها كانت من المحفوظات عنده، لأنه يقال أن وقت تبليغها بعد لم يحن، وذلك مثل ما يقال في عدم عمل الإمام الحسين(ع) بالتقية، فلاحظ.

وأما الاستشهاد بكونه قد قبل هداياه في السر، فهو مصادرة على المطلوب، ذلك أن الحديث في الرد، فكيف يكون الرد بالقبول، لأن ما دل على القبول ممنوع الحجية لوجود ما دل على الرد.

وأما حمل اللعن على التقية والاستشهاد له بما ورد في شأن زرارة مثلاً، فلا يخفى على الخبير بأن هناك دواعي كانت توجب صدور النصوص من المعصومين(ع) في تلك الفترة تقية، وهو ما لا يتصور في المقام، لأن الأمر لم يكن مستتباً للأمويـين بصورة تامة. على أنه لو سلم بذلك، فإن من صدر في حقه النصوص تقية تضمنت بيان الإمام(ع) لذلك، كما هو في زرارة، فقياس مقامنا على تلك الموارد من القياس مع الفارق.

وقد عرفت عند الحديث مع الإمام الخوئي(ره) عدم القبول بالوجوه المذكورة في رد نسبته للكيسانية، فلتراجع.

وأما رد قضية الإمام الحسن(ع) فلا يخفى أنه لو كان الحديث-كما لعله الظاهر-في موضوع تاريخي، فليس المطلوب أكثر من الوثوق بالمصدر المنقول عنه، وكون مؤلفه لا يعرف بالكذب والتزوير، وعدم اشتمال الخبر على ما ينافي مقام العصمة، وهو ما يتوفر عليه الخبر، كما لا يخفى. والقول بمعارضته بالنصوص الكثيرة الموجبة لكونه شيعياً إمامياً، قد عرفت جوابها، مع أنها ليست من الكثرة بمكان، بل هي لا تتعدى كونها أخبار آحاد لم تبلغ حتى الاستفاضة.

وقد كفانا(ره) المؤونة في تقريب دلالة الخبر المذكور على ذم المختار، وبيان سوء سريرته على أقل التقادير، وهذا ما سبقت منا الإشارة إليه.

وأما دعوى الوحي، فكون مصدرها العامة عهدتها عليه، بل سوف نذكر رواية ذكرها شيخ البحار(ره) تضمنت أن الإمام زين العابدين(ع) يتهمه بذلك. وحمل ذلك على التورية والسياسة تبرعي لعدم وجود ما يساعد على ذلك.

وأما ما ذكره جواباً عن رواية دخوله النار، فقد كفينا مؤونة تقريبه، وحمله على أنه شيعي قد عصى، يتوقف على تمامية ما استدل به على أنه إمامي، وقد عرفت جوابه.

وقد تحصل من جميع ما تقدم، أنه لم ينهض ما يصلح دليلاً لإثبات كونه إمامياً، بل القرائن الخارجية والشواهد مساعدة على أنه كان كيسانياً، بل ربما ذهب أبعد من ذلك، وبني على أنه لم يكن حسن العقيدة، لعدم وضوح انتمائه لأهل البيت(ع)، نعم الجزم بذلك يحتاج مزيد تأمل.

[1] تنقيح المقال ج 3 ص 205.

[2] الغدير ج 2 ص 402.

[3] تنقيح المقال ج 3 ص 205-206.