12 أغسطس,2020

الولاية التكوينية (2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

تعريف الولاية التكوينية:

مع أننا تعرضنا فيما مضى لتعريف الولاية التكوينية، إلا أننا نعمد إلى ذكره مرة أخرى لربطه بمحل البحث، فنقول، ذكروا في تعريف الولاية التكوينية أنها عبارة عن امتلاك شخص سلطة وقدرة معنوية-بإذن الله-يتصرف بها في شؤون الكون.

وهذه السلطة والقدرة المعنوية ليست على مستوى واحد، بل هي متفاوتة بحسب الأفراد الذين يمتلكونها، لأنها ربما كانت سلطة وقدرة معنوية تامة وعامة، وربما كانت سلطة وقدرة في الجملة، ومنشأ الاختلاف يعود إلى اختلاف المراتب والدرجات، فمثلاً نبينا الأكرم محمد(ص) له ولاية تكوينية عامة على العالم والكون بأكمله، بخلاف بقية الأنبياء والأولياء(ع)، فإن ولايتهم في التصرف في الكون ليست ولاية عامة، بل هي ولاية في الجملة، وهم أيضاً ليسوا جمعياً على مستوى واحد، بل يتفاوتون، بحسب ما لكل واحد منهم من منـزلة ومرتبة.

طرق نيل الولاية التكوينية:

هذا ولا يخفى أن الولاية التكوينية قرب خاص من الباري سبحانه وتعالى، وهذا يعني أن من الشرائط الأساسية ليصل الإنسان إلى هذه المنـزلة بحيث يمتلك الولاية التكوينية، فيكون ولياً أن يكون قريـباً من الباري سبحانه وتعالى، فما لم يكن قريـباً لا يمكن أن يحظى بمثل هذه المنـزلة.

ومتى كان الإنسان قريـباً من الباري سبحانه وتعالى، كان محلاً لأن يفاض عليه من قبل الباري سبحانه وتعالى صاحب الولاية الذاتية، ويفاض عليه لأحد أمرين:

الأول: أن يكون لديه قابلية لذلك، نشأت من خلال قيامه بالمجاهدة والتهذيب للنفس والعمد إلى السيطرة على كافة الغرائز وإطفاء نار الشهوات، وتربية النفس على التعلق التام بالباري سبحانه بحيث تبلغ أعلى مستويات الكمال، وتصل إلى أرفع مدارجه، فيكون عندها أرضاً خصبة لأن يفاض عليه هذه النعمة، وينال هذه العطية الإلهية.

الثاني: أن يوهب ويفاض عليه من قبل الباري سبحانه وتعالى.

ويفرق الأمران أن الثاني ربما كان داعي الإفاضة فيه يعود إلى إظهار صدق مالك الولاية التكوينية لكونه نبياً مرسلاً، أو وصياً منصباً من قبل الله سبحانه وتعالى.

ولذا يكون الأمر الثاني بمثابة الآية الصادرة من الباري سبحانه وتعالى، فهي تـثبت مضافاً إلى صدق مالكها، وجود الذات المقدسة ووحدانيتها وقدرتها وتصرفها في النظام الكوني.

ولعل من الأمر الأول ما ظهر على أيدي جملة من الأولياء الصالحين، مثل سيدنا أبي الفضل العباس(ع)، حيث أنه بلغ أعلى مراتب الكمال، وأرقى مدارج الطاعة والعبادة حتى صدر فيه ما صدر على لسان الإمام المعصوم(ع)، وكذا سيدنا مسلم بن عقيل(ع)، فإنه لا يقل شأناً ومكانة عن سيدنا أبي الفضل(ع)، وكذا سيدتنا ومولاتنا المعصومة الصغرى زينب الحوراء(ع).

ومن الأمر الثاني، ما تحدث عنه القرآن الكريم في شأن نبيـين من أنبياء الله سبحانه، وهما المسيح عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا(ع)، فلاحظ قوله تعالى:- (فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً* يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً* فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً* قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً* وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً)ٍ[1]. فإن كلام عيسى(ع) وهو في المهد ولاية تكوينية مفاضة عليه من قبل الباري سبحانه وتعالى.

وقال تعالى:- (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً* وحناناً من لدنا وزكاة وكان تقياً)[2]. فإن إعطائه الحكم صبياً ولاية تكوينية مفاضة عليه من الله سبحانه وتعالى.

أهل البيت وطريقا تحصيل الولاية:

هذا والظاهر أن أهل البيت(ع) قد حصلوا على الولاية التكوينية بكلا الطريقين اللذين ذكرناهما كيما ينال الإنسان هذه العطية الإلهية ويكون مورداً لأن تفاض عليه، إذ لا إشكال ولا ريب في أنهم قد أفيضت عليهم الولاية من قبل الله تعالى، وجعله سبحانه لهم، بمقتضى كونهم حجج الله تعالى على الخلق، إلا أنه ولكونه أكثر الناس عبادة وأسرعهم في رقي سلم الكمال والوصول إلى أعلى مراتب السمو، والقرب من الله سبحانه وتعالى، والاتصاف بالصفات الجمالية والجلالية له سبحانه، كان مورداً أيضاً لأن تفاض عليهم الولاية التكوينية، لذا قلنا بأنهم نالوا هذه العطية الإلهية بكلا الأمرين المذكورين لنيلها وتحصيلها.

آثار الولاية التكوينية:

ثم إنه متى ما أصبح الإنسان ولياً، وامتلك القدرة على التصرف في الكون والسيطرة عليه بإذن الله سبحانه وتعالى، صار يملك أموراً يمكن من خلالها تميـيز صدقه في نيله هذا الفيض الإلهي، وتلك الأمور هي:

1-التصرف في شؤون الكون، من إيجاد وإعدام، إحياء وإماتة، وتكميل وتنقيص، وبسط وقبض.

2-الإطلاع على ما في القلوب، والتصرف في شؤون النفوس والضمائر.

3-القدرة على رؤية الأشياء على حقائقها نتيجة الإحاطة العلمية في الأشياء، فيرى الأشياء على ما هي عليه في الأصل، متى ما أراد، فيرى الكذب مثلاً عقرباً، كما يرى النميمة زنبوراً، ويرى الحسد ناراً، ويرى الكذاب على شكله الواقعي، كما يرى الصادق كذلك أي على شكله الواقعي، ويمكننا أن نذكر مثالاً يوضح هذا المعنى ما جاء في سبب نزول آية الغيـبة، وهي قوله تعالى:- ( ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه)[3] ، فقد ورد أنها نزلت في رجلين من أصحاب رسول الله(ص)، اغتابا رفيقهما وهو سلمان بعثاه إلى رسول الله(ص) ليأتي لهما بطعام فبعثه إلى أسامة بن زيد وكان خازن رسول الله(ص) على رحله، فقال: ما عندي شيء، فعاد إليهما، فقالا: بخل أسامة، وقالا لسلمان لولا بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله، فقال لهما رسول الله(ص): ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما، قالا: يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحماً. قال: ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة[4].

هذا ويثبت لجملة من الأولياء المالكين للولاية التكوينية منصب آخر، وهو منصب الحجة على جميع العالم، فيكون كل ما يصدر منه من قول أو فعل أو تقرير حجة يقتدى به.

ولاية الرسول وأهل بيته:

هذا وبعدما أحطنا بصورة إجمالية بشيء ما حول الولاية التكوينية الاعتبارية بصورة عامة، نود الآن أن نتحد ث عن ثبوت هذه الولاية لأهل البيت(ع).

مما لا إشكال ولا ريب فيه، ثبوت الولاية التكوينية إلى النبي الأكرم محمد(ص)، وهي تمتاز عن الولاية الثابتة لجميع الأنبياء والأولياء(ع)، كما عرفت ذلك فيما تقدم.

إلا أن الكلام في أن هذه الولاية الثابتة له(ص)، هل هي ثابتة لأهل بيته(ع) أم لا؟…هذا ما نود الحديث عنه، ويتضح الأمر فيه بمعرفة حقيقة هذه الولاية، لأنه ربما يدعي البعض ثبوتها وربما يدعي آخر عدمها، لكن كل واحد منهما ينفي خلاف ما يثبته الآخر، لأنهما ربما يخـتلفان من حيث المراد من الولاية، ولذا نحتاج بداية إلى تشخيص الولاية، وبيان معناها، حتى يتسنى لنا بعد ذلك الحديث عن ثبوتها وعدمه، فنقول:

ذكرت عدة معاني للولاية، بعضها يمكن الالتـزام به والقبول بثبوته لعدم وجود مانع عقلي أو شرعي من ثبوته، لكن بعضها مما لا يمكن الالتـزام به من قريب أو بعيد، ولا يخفى أن الولاية التي نتحدث عنها ليست الولاية على النفس الثابتة للإنسان على نفسه بمقتضى قاعدة السلطنة، وهي ثابتة للنبي(ص) أيضاً بمقتضى قوله تعالى:- ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)[5].

وعلى أي حال، فمن المعاني المذكورة للولاية:

الولاية على الغير المستقلة:

ويراد من ذلك ثبوت سلطة وقدرة معنوية لشخص من الأشخاص على الكون بنحو الاستقلال، فكما أن الله سبحانه وتعالى له ولاية ذاتية على الكون استقلاً وذاتاً، يكون لهذا الفرد أيضاً ولاية على الكون استقلالاً وذاتاً، فيكون موجداً ومعدماً، وخالقاً ومميتاً، ورازقاً ومانعاً، وهكذا.

ولا يخفى أن هذا المعنى من معاني الولاية التكوينية مما لا يمكننا القبول به، لأنه ممنوع عقلاً وشرعاً، بسبب لزوم مجموعة من المحاذير العقلية، وكذا الشرعية لو التـزم به، فمن المحاذير العقلية المانعة من قبوله:

أولاً: يلزم منه وجود شريك لله سبحانه وتعالى مستقلاً في التحكم في هذا الكون والتأثير فيه.

ثانياً: يلزم منه أن ينقلب الممكن ذاتاً إلى واجب ذاتاً.

ثالثاً: يلزم منه أن يتحول الفقير ذاتاً إلى غني ذاتاً.

وأما شرعاً، فهناك جملة وافرة من الآيات والروايات التي تـتحدث على أن المؤثر الوحيد في الكون استقلالاً هو الباري سبحانه وتعالى، وأنه لا يوجد مؤثر سواه.

خلق عيسى الطير:

هذا وربما يتصور أن هناك ما يشير إلى التأثير المستقل في الوجود والعالم استقلالاً لغير الله تعالى من خلال الآيات الشريفة، فلاحظ قوله تعالى:- (أني أخلق من الطين كهيئة الطير)[6] فإنها تضمنت نسبة الخلقة إلى عيسى(ع)، وهذا يعني أن له ولاية استقلالية على الكون مكنـته من الخلقة.

لكن هذا التصور مرفوض، لأن إكمال الآية الشريفة ينفي وجود ولاية مستقلة للمسيح عيسى(ع) على الكون، فلاحظ قوله تعالى:- (فيكون طيراً بإذن الله).

والحاصل، إن الخالقية التي تنسب إلى غيره سبحانه وتعالى، ليست مستقلة عنه تعالى، وإنما بالاستعانة به عز وجل.

الولاية على الغير غير المستقلة:

وهي تعني ثبوت ولاية تكوينية على الكون لشخص ما، لكن هذه الولاية ليست ولاية مستقلة في التأثير، بل هي ولاية طولية أو تبعية لولاية الباري سبحانه وتعالى، فولاية هذا الولي في طول ولاية الباري تعالى.

فالله سبحانه وتعالى، هو من أفاض على هذا الولي هذه القدرة ومنحه هذه السلطة المعنوية.

ولا يخفى أن هذا المعنى من الولاية، لا يتضمن أي محذور عقلي أو نقلي، ولذا لا يوجد ما يدعو إلى عدم قبوله أو التوقف في الالتـزام بثبوته.

بل يمكن البناء على أن ما يتصور ثبوت ولاية استقلالية لفرد ما على الكون، واستقلالية فيا لتأثير، ناظر إلى هذه الولاية، خصوصاً مع ملاحظة ما سبق وذكرناه من محذور البناء على ثبوت الولاية الاستقلالية لفرد ما.

وعندما ندرس سيرة أهل البيت(ع)، نجد أنها تنطوي على كثير من الشواهد المتوافقة مع هذا المعنى، وبالتالي تـثبت وجود هذه الولاية بهذا المعنى لهم(ع)، فأقرأ سيرة النبي(ص)، أو سيرة أمير المؤمنين(ع)، أو بقية المعصومين(ع)، وكفانا النموذج الذي افتـتحنا به المقام، فإنه خير شاهد وبرهان على ثبوت هذه الولاية بهذا المعنى لهم(ع)، بل إن في حادثة رد الشمس لأمير المؤمنين(ع) من الدلالة على ثبوت هذا المعنى من الولاية لهم(ص) كفاية.

ملك مفاتيح الكون:

ومن المعاني التي تذكر للولاية التكوينية التي تعطى لمن يفيض الله تعالى عليه هذه الهبة السماوية، بحيث تكون له سلطة وقدرة معنوية على التصرف في مجاري الكون وأموره، ملك مفاتيح الكون، لأن لهذا الكون جملة من القوانين والنظم، وبالتالي له مغالق ومفاتح، فمعنى ثبوت الولاية لفرد من الأفراد، يعني نيله مفاتيح هذا الكون بحيث يتمكن من التصرف فيه من خلالها.

ولعل من النماذج التي تقرب هذا المعنى تسخير المخلوقات كلها لنبي الله سليمان(ع) فالريح تجري بأمره، والطير يأتمر بأمره.

بل لم ينحصر الأمر في نبي الله سليمان(ع)، بل تعداه إلى من عنده علم من الكتاب، فلاحظ قوله تعالى:- (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين* قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين* قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم)[7].

وخلاصة ما ذكر في بيان هذه الآيات، أن بلقيس أقبلت من اليمن إلى الشام في فلسطين مع حاشيتها إلى سليمان(ع) وتركت عرشها في سبأ، فأراد سليمان(ع) أن يظهر لها صدق نبوته، فطلب من أصحابه من يأتيه بعرشها قبل وصولها إليه، مع وجود المسافة البعيدة ما بين البلدين.

وكان سليمان(ع) يجلس على العرش من الصباح إلى المغرب يشرف على مختلف المخلوقات، فقال له عفريت من الجن أنا آتيك به ما دمت جالساً في مجلسك وقبل قيامك منه، يعني خلال الفترة الزمنية ما بين الصباح إلى الغروب.

ولم يقبل سليمان(ع) مقالته، بل طلب من يأتيه به في مدة زمنية أقصر، وأسرع، فقال له الذي عنده علم من الكتاب، وقد اختلف فيه، فذكرت فيه أقوال، إذ قيل أنه الخضر، وقيل أنه عبد صالح، وقيل أنه آصف بن برخيا. بأنني آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، أي خلال فترة زمنية لا تتعدى رمشة العين.

وما يهمنا من هذه القصة، هي كيفية الإتيان بعرش بلقيس، إذ هناك أقوال، ما يهمنا منها هو أن الذي عنده علم من الكتاب أتى به بواسطة تصرف منه في الكون، لكونه محيطاً بمفاتيحه، وذلك بسبب امتلاكه شيئاً من الاسم الأعظم، مكنه ذلك من أن يملك مفاتيح الكون، أو قل شيئاً من مفاتيحه.

أمير المؤمنين عنده علم الكتاب:

وإذا كان الذي عنده علم من الكتاب، ملك مفاتيح الكون، وتمكن من التصرف فيه، نتيجة ثبوت سلطة وقدرة معنوية لديه على التصرف في هذا الكون، فكيف بمن كان عنده علم الكتاب كله، وهو أمير المؤمنين(ع).

المعاجز والكرامات:

بمعنى أن يملك هذا الولي القدرة على خرق العادة، وهذا واضح في الأنبياء والأولياء، وعليه نص القرآن الكريم، وتواترت به النصوص المعتبرة. وهو على نوعين:

الأول: إلهي، وهو ما يعطيه تعالى لمن يشاء من عباده، لمصالح تقتضي ذلك، وهو ما يكون عادة مع أنبياء الله تعالى ورسله، ليكون وسيلة لإثبات صحة الدعوى في النبوة والرسالة.

الثاني: كسبي، وهو ما يحصل عليه الفرد نتيجة جملة من الارتباط المعنوي، والرياضة الروحية، والسيطرة على النفس الحيوانية، فيملك بعد ذلك قدرة معنوية تخض الأشياء إلى إرادته بإذن الله تعالى.

وقد فسر بعضهم المعجز بهذا المعنى، على أساس أنها خرق للعادة، لكن بواسطة قوة الروح[8].

——————————————————————————–

[1] سورة مريم الآية رقم 27-31.

[2] سورة مريم الآية رقم 12-13.

[3] سورة الحجرات الآية رقم 12.

[4] مجمع البيان ج 6 ص 92.

[5] سورة الأحزاب الآية رقم 6.

[6] سورة آل عمران الآية رقم 49.

[7] سورة النمل الآية رقم 38-40.

[8] المظاهر الإلهية ص 189-210.