11 ديسمبر,2019

خصائص النبي صلى الله عليه و آله و سلم

اطبع المقالة اطبع المقالة

مدخل:

نعيش هذا اليوم ذكرى رحيل منقذ البشرية النبي الأكرم محمد(ص)، وقد تضمنت شخصيته المباركة مجموعة من الجوانب الجديرة بالوقوف معها والتأمل فيها رغبة في الاستفادة منها، ومن الواضح أنه ليس لكل أحد القدرة على تعريف الشخصية المباركة للنبي(ص)، وإنما ينحصر طريق التعريف بها كي ما يستطيع الأفراد الاستفادة منها، في أحد أمرين:

الأول: في الذات الإلهية، وذلك من خلال ما صدر عنه سبحانه في مقام التعريف بنبيه الكريم في كتابه العزيز ببيان جملة من الصفات، وبيان مجموعة من الملكات النفسانية التي امتازت بها الشخصية المباركة.

الثاني: المعصوم، سواء على لسان أخيه ووصيه وخليفته من بعده أمير المؤمنين(ع)، أم كان ذلك على لسان ابنـته المظلومة والمهضومة بعد رحلته، أم على لسان أحد ولده من الأئمة المعصومين(ع).

ومن الواضح أن منشأ ما ذكرناه من حصر طريق معرفة النبي(ص) في خصوص الأمرين السابقين، ما ورد على لسانه(ص): يا علي لا يعرفني إلا الله وأنت[1].

والظاهر أنه يمكن التعدي من الشخص المبارك لأمير المؤمنين(ع) بحيث تـثبت هذه المنـزلة لبقية المعصومين(ع) على أساس أن المناط في ذلك يعود لملكة العصمة، والله العالم.

وعلى أي حال، فمن الأمر الأول، حديثه سبحانه وتعالى عن بداية تخلقه، وكيف أنه كان ينتقل من صلب طاهر إلى رحم مطهر، قال تعالى:- (وتقلبك في الساجدين)[2]، بناءاً على ما ورد في تفسيرها من الإشارة إلى انتقاله في أصلاب الموحدين.

ونراه مرة أخرى يتحدث عن الدور المناط به، فيقول سبحانه:- (هو الذي بعث في الأميـين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)[3].

ومرة ثالثة يتحدث عن الملكات النفسانية التي امتاز بها، فمرة يتحدث عنه أنه رحمة للعالمين، وثانية يتحدث عن علو أخلاقه، وثالثة يشير إلى تجليات الأسماء الإلهية في شخصه من خلال توصيفه بكونه رؤوفاً رحيماً.

وأما الأمر الثاني، فهناك أيضاً عديد من الأمور، فهذا أمير المؤمنين(ع) في نهج البلاغة يتحدث عن رسول الله(ص) فيقدم دروساً تعريفية بشخصيته المباركة، وبصور مختلفة، فمرة يتحدث عن مرحلة الطفولة في حياته، وأخرى يتحدث عنه(ص) لما كان شاباً، ومن ثمّ لما كان كهلاً، ونراه يتحدث بأسلوب آخر عندما يعمد لبيان بداية بعثته وما لاقاه من إحن ومحن، وكيف أنه تحمل تلك الظروف الصعبة رغبة منه هداية أمته، بل لم يكتفي بذلك بل واصل المسيرة الجهادية حتى بعدما انتصر الإسلام وأطلع على كافة أرجاء الجزيرة العربية، عمد إلى تعليم الأمة وهدايتها، والسعي للرقي بها كي ما تبلغ مرحلة الكمال، والوصول إلى أرقى الدرجات.

فمن تلك الكلمات التي صدرت عنه(ع) يتحدث فيها عن مولده المبارك، قال(ع): حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى إلى محمد(ص) فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً، وأعز الأُرومات مغرساً، من الشجرة التي صدع منها أنبيائه، وانتجب منها أمنائه، عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم، وبسقت في كرم[4].

وقد تحدث عنه(ع) وكيف أنه كان ينتقل في الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة، فذكر: لم يسهم فيه عاهر، ولا ضرب فيه فاجر[5].

وعندما يتحدث(ع) عن بعثته الشريفة، ويشير إلى جملة من ملكاته ومميزاته، يقول: حتى بعث الله محمداً(ص) شهيداً، وبشيراً، ونذيراً، خير البرية طفلاً، وأنجبها كهلاً[6].

وأشار إلى مدى العناية الإلهية التي أحاطت النبي(ص) منذ ولادته، فقال(ع): ولقد قرن الله به(ص) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره[7].

وهذه الزهراء فاطمة روحي لها الفداء، تتحدث عن أبيها(ص) وعن بعثته المباركة، فتقول في خطبتها في المسجد: إخاره وانتجبه قبل أن اجتبله، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة.

ونراه أيضاً تتحدث عن الإنجازات المباركة التي قام بها رسول الله(ص)، فتقول: وقام في الناس بالهداية، وأنقذهم من الغواية، وبصرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الصراط المستقيم.

خصائص رسول الله:

وعلى أي حال، فلو أردنا أن نستقصي ما ورد في النبي(ص) من كلمات سواء في القرآن الكريم، أم على لسان المعصومين، لطال بنا المقام، لكننا نشير إلى جملة من الخصائص التي أختص بها رسول الله(ص) دون البقية، ومنها يتضح مدى عظمة هذه الشخصية وما كان لها من الأهمية، سواء عند الباري سبحانه وتعالى، أم عند المعصومين(ع)، وفي المقابل يتضح لنا مدى جهل الأمة بمقامه هذه الشخصية العظيمة، وعدم أدائها لحقها، سواء هؤلاء الذين كانوا بالأمس معاصرين له(ص)، أم الذين جاءوا بعد ذلك وإلى يومنا هذا.

هذا ويمكن تقسيم خصائص النبي الأكرم(ص) إلى قسمين، كما ذكر ذلك بعض الأعلام(قده)[8]:

الأول: الخصائص الفقهية.

الثاني: الخصائص التكوينية.

وقد جرت عادة الفقهاء في القديم التعرض لهذه الأمور، بل إن بعضهم قد ألف كتاباً في هذا الباب، ويذكرون عادة هذه الخصائص في كتاب النكاح، فهذا المحقق الحلي(ره) في كتابه شرائع الإسلام، يتعرض لذلك في كتاب النكاح، وكذلك العلامة(ره) في كتابه التذكرة يتعرض لتعداد ما يقارب سبعين أمراً من اختصاصات الرسول الأكرم(ص).

وقد تعرض لجملة من تلك الخصائص الفقيه الماهر صاحب الجواهر(ره)[9]، ومن قبله تعرض لذلك أيضاً الفقيه الكبير الشيخ صاحب الحدائق(ره)[10].

الخصائص الفقهية:

ونعني بها الخصائص التي تشير إلى امتياز رسول الله(ص) واختصاصه بجملة من الأحكام الشرعية غير ما هو ثابت لبقية المسلمين، بحيث يكون الثابت للمسلمين أمراً، ويكون الثابت لبقية النبي(ص) أمراً آخر.

وتنقسم هذه الخصائص الفقهية إلى قسمين:

أولها: ما يكون مربوطاً بكتاب النكاح.

ثانيها: ما لا يكون مربوطاً بكتاب النكاح، بل هو جارٍ في باب فقهي آخر.

ما يكون مربوطاً بكتاب النكاح:

وقد ذكر الفقهاء(رض) عدة أمور في كتبهم الفقهية:

منها: أنه لا ينحصر عدد زوجاته بعقد النكاح الدائم في عدد معين محدد بكونه أربع زوجات، مع أن الثابت بنص القرآن الكريم أن الذي يحق للمسلم إيقاع النكاح عليهن بالعقد الدائم، هن خصوص أربع نساء، بحيث يكن مجتمعات عنده في وقت واحد، وعلى ذمته.

وقد علل ذلك المحقق الحلي(ره) بأن لعل الوجه في ذلك يعود للوثوق بعدله بينهن، بينما غيره لا يوثق فيه من هذه الناحية، فلا يأمن أن يميل كل الميل.

لكن الشهيد الثاني(ره) ناقشه في كتابه المسالك، بأنه لو كانت العلة الداعية إلى القول بتسويغ ذلك له ما ذكر، لكان ذلك مانعاً من اختصاصه بالرسول الأكرم(ص)، لأنه سوف يسوغ ذلك للإمام المعصوم، أيضاً لنفس النكتة، وهي أنه يوثق بعدله بين زوجاته، ولن يميل كل الميل.

نعم ذكر الفقيه الماهر صاحب الجواهر، أن الظاهر أن ما ذكره المحقق الحلي(ره) ليس من باب العلة للحكم حتى يقال بثبوتها في كافة الأفراد، وإنما لعلها من بابا لحكمة ليست إلا، وفرق بين الحكمة والعلة، كما لا يخفى[11].

وعلى أي حال، فقد ذكر أنه(ص) قد تزوج بخمسة عشر امرأة، جمع بين إحدى عشرة منهن، ودخل بثلاث عشر، وطلق امرأتين في حياته، وتوفت في حياته امرأتان من نسائه، ومات(ص) عن تسع، وقد كان لهن سواهن، وقد تعرض الشيخ الكليني(ره) إلى ذكرهن بأسمائهن في كتابه الكافي، فلاحظ.

ومنها: أنه يجوز له إيقاع عقد النكاح بلفظ الهبة، وذلك بأن تأتي امرأة إليه(ص) فتهب نفسها له، فإذا قبل بذلك، فقد دخلت في حبائله، وقد وقع ذلك في حياته(ص) حيث أن امرأة من الأنصار كانت أيماً جائت فوهبت نفسها لرسول الله(ص)، وأنزل الله سبحانه وتعالى على نبيه حلية هبة المرأة نفسها لرسول الله(ص) ولا يحل ذلك لغيره.

ومنها: تحريم نكاح الإماء عليه بالعقد عليهن، وقد علل بأنه إنما سوغ نكاهن لأجل خوف العنت، وهو معصوم، منـزه عن ذلك، فتحرم عليه الإمام لعدم توفر شروط مسوغية الزواج.

ومنها: أنه يحرم عليه(ص) استبدال نسائه، ولا الزيادة عليهن، لقوله تعالى:- ( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج).

ومنها: أنه لا يجب عليه(ص) أن يقسم بين زوجاته، بينما القسم واجب على غيره، ويشهد لذلك قوله تعالى:- ( ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك)[12].

ومنها: وجوب التخيـير لنسائه بين البقاء معه، وبين مفارقته، وهذا لقوله تعالى:- (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً)[13].

وهذا يعني أن التي تختار منهن المفارقة، فإنه(ص) سوف يعمد إلى طلاقها، لا أن مجرد اختيارها لمفارقته يوجب حصول الطلاق لها، بمعنى أن الاختيار لا يوجب الطلاق، بل لابد من وقعه بعد ذلك بعدما تختار.

ما يجري في غير كتاب النكاح:

وقد ذكر الفقهاء أن له خصائصاً أيضاً فقهية كما عرفت تجري في غير باب النكاح:

منها: وجوب السواك عليه، وقد أشار لذلك بقوله(ص): ثلاث كتبت عليّ ولم تكتب عليكم: السواك، والوتر والأضحية.

ومنها: وجوب الوتر عليه(ص).

ومنها: وجوب الأضحية عليه، بأن يعمد إلى الذبح في يوم عيد الأضحى.

ومنها: قيام الليل، وهو أعم من وجوب الوتر، لأنه يتحقق القيام من دون أن يأتي الإنسان بصلاة الوتر، وذلك من خلال قراءة القرآن والتهجد، والعبادة، وغير ذلك.

ومنها: تحريم الصدقة عليه، واجبة كانت كالزكاة، أم مستحبة.

ومنها: تحريم خائنة الأعين، وهي الغمز بالعين والإيماء بها إلى مباح من ضرب أو قتل على خلاف ما يظهر به ويشعر الحال، وليس هذا بمحرم على غيره، إلا إذا كان مستوجباً لمحظور.

ومنها: أنه يـباح له صيام الوصال، بأن يصل صوم النهار بالليل، مع أنه محرم على غيره.

ومنها: أنه ينام قلبه ولا تنام عينه، بمعنى أنه يبقى التحفظ والإحساس موجودان عنده، فيكون ملتفتاً إلى ما حوله.

ونتيجة لعدم تحقق النوم منه، فإن سوف يترتب على ذلك استمرارية وضوئه، وعدم صدور حدث النوم منه.

ومنها: أنه يبصر وراءه كما يبصر من أمامه.

ومنها: وجوب مشاورته لأصحابه.

ومنها: أنه يسوغ له دخول مكة من شاء من دون إحرام.

ومنها: أنه متى لبس لامة حربه، يحرم عليه أن ينـزعها حتى يلقى عدوه، ويقاتل.

الخصائص التكوينية:

وهي التي تكون مربوطة خلقه(ص) وإيجاده، وما له من الله تعالى من ولاية ثابتة، وما جرى له أو على يديه من الكرامات، وما أعطي من المعجزات والملكات، وما شابه ذلك.

ولما كان هذا المورد كثيراً جداً، ويحتاج إلى زيادة تتبع في الآيات الشريفة والروايات المعصومية حتى يتسنى لنا الإحاطة بذلك، فلأجل ذلك لن نستوعب جميع ما ذكر، بل سوف نعرض إلى جملة منها فقط، ويمكن للقارئ العزيز المتابع بعد ذلك.

فمن تلك الموارد، قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً). إذ يجد القارئ أن الآية الشريفة قد أثبتت له(ص) جملة من الصفات، وصفه الله تعالى بها، وتلك الصفات هي:

1-أنه مرسل من قبل الله تعالى، فيثبت له صفة الرسول.

2-أنه شاهد، والظاهر أن شهادته لا تنحصر في خصوص شهادته على أمته، فإن هذا ثابت لبقية الأنبياء كما يستفاد من جملة من كتب التفسير، بل ذكروا أن المارد من شهادته أنه(ص) شاهد على كافة الأمم، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين(ع).

3-أنه مبشر بالجنة.

4-أنه نذير بعقاب الله تعالى.

5-أنه داعية إلى الله تعالى بإذنه.

6-أنه سراج.

7-أنه منير.

ونراه تعالى يتحدث في آية أخرى عن بعد الرحمة في شخصية النبي الأكرم(ص)، فيقول تعالى:- (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)[14].

ويتحدث الباري سبحانه في موضع آخر فيشير إلى أن رسالة المصطفى(ص) رسالة عالمية غير منحصرة في أمة من الأمم، ولا في مكان محدد، فضلاً عن زمان، قال تعالى:- (وما أرسلنام إلا للناس كافة)[15].

كما أن القرآن قد تعرض إلى أنه خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى:- (وخاتم النبيـين)[16]، وغير ذلك من الايات الشريفة التيت حدثت عما لهذه الشخصية المباركة من جهات ومواصفات ميزتها عن بقية الأفراد، مما أعطاه الأفضلية التامة، والمحبة في قلوب المؤمنين.

وأما في مجال السنة، فقد عرفت في مطلع الحديث أنها واسعة، لا مجال للاستقصاء فيها، نعم يمكن التأمل في خصوص الزيارة المباركة له(ص) والصادرة عنهم(ع)، وما تضمنته من مضامين يمكن الوصول من خلالها إلى جملة من الخصائص التي ذكرها أهل البيت(ص)، ومثل ذلك أيضاً التدبر في دعاء عرفة الواردة عن الإمام زين العابدين(ع).

——————————————————————————–

[1] مناقب ابن شهراشوب ج 3 ص 267.

[2] سورة الشعراء الآية رقم 219.

[3] سورة الجمعة الآية رقم 2.

[4] نهج البلاغة الخطبة رقم 94.

[5] المصدر السابق الخطبة رقم 214.

[6] المصدر السابق الخطبة رقم 105.

[7] المصدر السابق الخطبة رقم 192.

[8] ما وراء الفقه ج 6 ص 47.

[9] جواهر الكلام ج 10 ص 410 من الطبع الكبير.

[10] الحدائق الناضرة ج 23 ص 94-107-109.

[11] جواهر الكلام ج 10 ص 410.

[12] سورة الأحزاب الآية رقم 51.

[13] سورة الأحزان الآيتان رقم 28-29.

[14] سورة الأنبياء الآية رقم 107.

[15] سورة سبأ الآية رقم 28.

[16] سورة الأحزاب الآية رقم 40.