28 نوفمبر,2020

الولاية التكوينية لأهل البيت (1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

روت سيدتنا خديجة(ع): لما حملت بفاطمة كانت حملاً خفيفاً تكلمني من باطني.

مدخل:

عشنا هذا الأسبوع مناسبة سعيدة على الأمة الإسلامية، وهي ولادة البضعة الطاهرة فاطمة الزهراء(ع) أبنة نبي الرحمة محمد المصطفى(ص)، وزوجة الوصي المرتضى أمير المؤمنين(ع)، وأم السبطين الحسنين، والأئمة المعصومين(ع).

واستكمالاً لما سبق وطرحناه في أسابيع ماضية من حديث حول شبهة الغلو التي يتهم بها ملة من المسلمين أبناء الطائفة الشيعية المحقة في أهل البيت(ع)، نتعرض لجملة من تلك المفردات بعدما عرضنا في البحوث الماضية إلى بيان الأسس الأصيلة في هذا المقام.

هذا وإحدى تلك المفردات التي يتهم بها شيعة أهل البيت(ع) فينسب إليهم الغلو في أهل البيت الأطهار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، مسألة الولاية التكوينية، إذ يدعي المتهم أن دعوى ثبوت هذه المفردة لهم(ع) من الغلو الذي لا يرتضيه أهل البيت(ع)، ولا يقبلون أن يوسموا به.

ثم إنه لكي يتضح الحديث حول هذه المفردة، نوقع البحث ضمن نقاط:

أقسام الولاية:

بما أننا نتحدث حول الولاية، فلابد لنا أولاً أن نتعرف على أقسامها-لو كانت مما له أقسام-أو أنها منحصرة في مصداق واحد بحيث لا يوجد لهذا المفهوم أعني مفهوم الولاية إلا خصوص هذا المصداق.

وعلى أي حال، لا يخفى أن الولاية بحسب متعلقها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الولاية التكوينية.

الثاني: الولاية التشريعية.

الثالث: الولاية الشرعية.

ونحتاج إلى التعرف على المقصود بكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة، حتى يتضح ما هو المرتبط بمحل بحثنا وما ليس له ربط بما نحن فيه، فنقول:

أما الولاية التكوينية، فيراد منها: القدرة على التصرف في شؤون الكون والتكوين، وذلك مثل الإيجاد والإعدام، أو التكميل والتنقيص، بمعنى أنه يمكن أن يوصل الممكن إلى حالة الكمال التكويني، كما يمكن أن يوصل الممكن إلى حالة النقص التكويني.

وأما الولاية التشريعية، فيراد منها: القدرة على التصرف في أمر التشريع، وذلك إما من خلال الوضع والجعل، بحيث يكون إلزام أو يكون حظر ومنع، أو من خلال الرفع والتغيـير والتبديل، فبدل ما كانت إباحة وحرية وسعة، يكون إلزام وطلب، أو بدل ما كان إلزام وحظر ومنع، يكون سعة وفسحة، قال تعالى:- (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون)[1]

فإن هذه الآية تتحدث عن جملة من المحظورات التي كانت في الأمم السابقة، فتبدلت إلى حرية وإباحة. وكذا قوله تعالى:- (قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنـزير فإنه رجس أو فسقاً أُهل لغير الله به فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فإن ربك غفور رحيم)[2]

إذ يجد المتأمل أنها تتحدث عما كان يحرمه الناس على أنفسهم، والشريعة تشير إلى عدم الحرمة لشيء من ذلك أصلاً.

الولاية الشرعية:

وأما القسم الثالث، وهو الولاية الشرعية، فنعني به الحق المجعول من قبل الله سبحانه وتعالى لفرد على فرد آخر.

ويستفاد من هذا التعريف أن هذه الولاية في الحقيقة من مصاديق الولاية التشريعية، ولذا يمكن عدّها من أفرادها، وليست قسيمة لها، ضرورة أنها مستندة إلى جعل ووضع من الباري سبحانه وتعالى، لأن القاعدة الأولية، أو ما يسمى بالأصل يقضي بأنه ليس لأحد ولاية على أحد، والقول بثبوت ولاية لفرد على فرد تحتاج إلى دليل، ولنوضح ذلك بمثال: من المسائل ذات الأهمية في البحث الفقهي والحياتي مسألة ولاية الفقيه، فهل للفقيه ولاية على الأفراد أم لا، مقتضى الأصل والقاعدة الأولية البناء على أن الفقيه ليس له ولاية عليهم، والقول بثبوت ولاية له عليهم بحاجة إلى دليل مثل التمسك بالتوقيع المبارك الصادر من الناحية المقدسة: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله.

أقسام الولاية الشرعية:

وعلى أي حال، لهذه الولاية أقسام ثلاثة مذكورة في الفقه:

الأول: حق التصرف، وهو الحق الذي جعله الباري سبحانه وتعالى لبعض المخلوقين في مخلوقين آخرين في الجملة، بحيث أن لهم الحق في منعهم من القيام بما يودون القيام به، ولذلك جملة من الأمثلة والنماذج:

منها: ولاية الأب أو الجد من طرف الأب على البنت الباكر الرشيدة، فإن لهما حق منعها من الإقدام على الزواج من دون رضاهما-شرط أن لا يـبلغ ذلك مرحلة العضل-

ومنها: ولاية الأب على الصغير.

ومنها: ولاية الزوج على زوجته.

الثاني: ولاية الحاكم الشرعي، وهذه أيضاً لها جملة من النماذج والمصاديق مذكورة في البحوث الفقهية، نشير إلى جملة منها:

فمنها: ولايته على اليتامى والقصّر.

ومنها: ولايته على الممتنع في الطلاق.

ومنها: ولايته على الغائب.

بل قد يتوسع في هذه الولاية فيحكم بسعتها بحيث تكون شاملة لولايته على الأمة والمجتمع، وهو ما يعبر عنه بولاية الفقيه المطلقة.

الثالث: ولاية عدول المؤمنين في الأمور الحسبية، ومصاديقها النظر في شؤون الأيتام والأطفال، وإدارة الأوقاف، وما شابه ذلك.

هذا ولا يخفى أن ثبوت هذه الولاية متفرعة على ثبوت الولاية للنبي(ص) وآله الأطهار(ع)، كما هو واضح.

وعلى أي حال، هذا القسم من أقسام الولاية، إما أنه من مصاديق ومفردات الولاية التشريعية، فيكون البحث عنه ملحقاً به، أو أنه يـبحث في الفقه الشريف كما صنع ذلك أعلامنا(رض).

وهذا يعني أن بحثنا ينبغي أن ينصب وينحصر في خصوص القسمين الأولين من أقسام الولاية، أعني الولاية التكوينية والولاية التشريعية.

ولاية حقيقة وولاية اعتبارية:

هذا ويمكننا بعد حصر البحث في خصوص القسمين الأولين، أن نقسم البحث في كليهما إلى بحث في الولاية الحقيقية وإلى بحث في الولاية الاعتبارية، بمعنى أن كل واحد من القسمين ينقسم إلى ولاية حقيقية وولاية اعتبارية، وهذا يعني أن الأقسام عندنا أربعة:

1-ولاية تكوينية حقيقية.

2-ولاية تشريعية حقيقية.

3-ولاية تكوينية اعتبارية.

4-ولاية تشريعية اعتبارية.

ومن الواضح أن هذا التقسيم يستدعي منا بداية بيان الفارق بين كون الولاية حقيقية وبين كونها اعتبارية لكي يكون التقسيم واضحاً، فنقول:

إن الولاية الحقيقية تعني أنها الولاية الثابتة لله سبحانه وتعالى، وهي لا ترتبط بوجود الموجودات والمخلوقات في عالم الدنيا، بمعنى أن ثبوتها للذات المقدسة ليس مرتبطاً بوجود من يكون ولياً عليه.

وبعبارة أخرى، إن ولايته تعالى لا تدور مدار وجود المخلوقات وعدمها، بل هي تدور مدار وجود الواجب سبحانه.

وهذا بخلافه في الولاية الاعتبارية، فإنها ولاية المخلوق، وليست ولاية الخالق، وهي تدور مدار وجود المخلوقات وجوداً وعدماً، ولذا سميت اعتبارية، لأن كل ما يدور وجوده وعدمه مدار وجود الإنسان يسمى اعتبارياً.

على أن الولاية الاعتبارية تخضع للجعل والإذن من الباري سبحانه وتعالى للولي، فلا إذنه له، فلا ولاية له على شيء أصلاً.

ولاية الله سبحانه وتعالى:

ثم إن مقتضى أدلة وجود الواجب، وما ذكر من البراهين على التوحيد، من أن للكون خالقاً عالماً قديراً حكيماً، يثبت أن لهذا الإله ولاية تامة على الكون كله، حدوثاً وبقاء، وكمالاً ونقصاً. وهذه هي الولاية التكوينية الحقيقية.

أبعاد ولايته تعالى:

هذا ولولايته سبحانه وتعالى على الخلق أربعة أبعاد:

الأول: ولاية الخلق والإيجاد.

الثاني: ولاية الإبقاء.

الثالث: ولاية الإنماء.

الرابع: ولاية الجزاء.

ولا بأس بالحديث عن كل واحد من هذه الأبعاد الأربعة بالتفصيل.

ولاية الخلق والإيجاد:

المستفاد من الآيات القرآنية العديدة وجود علة تامة مستقلة بوجودها يوجد الكون، وبدونها يمتنع وجوده، فلاحظ قوله تعالى:- (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء)[3]، وكذا قوله تعالى:- (الله خالق كل شيء)[4].

هذا ولا ريب في أن نسبة الخلق لله سبحانه وتعالى نسبة حقيقية، وليست نسبة مجازية، نعم لو ورد خلق من قبل غير الباري سبحانه، فلابد من تأويله، لكونه من النسبة المجازية، وليس من النسبة الحقيقية كما هو واضح.

ثم إن مقتضى ما ذكر من كونه تعالى الموجد والخالق الحقيقي لهذا الوجود، والمفيض عليه هذه النعمة، ثبوت ولاية للمفيض على المفاض عليه.

ولاية الإبقاء:

وهذه الولاية متفرعة على ولاية الإيجاد والخلق، ضرورة أنه بعد ثبوت تلك الولاية يأتي دور هذه الولاية والحديث حولها، ونعني بولاية الإبقاء الافتقار والحاجة إلى الواجب، فالممكن لا غنى له ولا استقلالية في بقائه واستمراره عن الواجب، بل هو مفتقر إليه، ولعل هذا ما يشير إليه قوله تعالى:- (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)[5]. فلما كان الله سبحانه وتعالى غنياً، ثبت له حينئذٍ ولاية الإبقاء.

ولاية الإنماء:

ونحتاج بداية إلى توضيح الفرق بينها وبين ولاية الخلق والإيجاد وولاية الإبقاء، إذ ربما يتصور عدم وضوح فارق بين الثلاثة.

ولاية الإنماء هي: تحويل الموجود من حال إلى حال آخر، وهو على ثلاث صور:

الأول: أن يكون التحويل إلى الأفضل، وهو ما يعبر عنه بالإنماء الكمالي، مثل الثمرة تتحول من ثمرة غير ناضجة إلى ثمرة ناضجة. ولعل منه حالة التحول التي تكون للمخلوق البشري، إذ أنه يتحول من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب، فبعدما كان في مرحلة الطفولة يعيش حالة من الضعف والوهن، أصبح في مرحلة الشباب يعيش حالة من القوة والقدرة، قال تعالى:- (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم)[6]. ومثله قوله تعالى:- ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيباً يخلق ما يشاء وهو العليم القدير)[7].

الثاني: أن يكون التحويل إلى الأدون، بحيث يحصل النقص، وهذا ما يمكن استفادته من الآيتين الشريفتين اللتين سبق ذكرهما، عند حديثهما عن الحالة التي يصل إليها الإنسان بعد مرحلة الشباب، وما يصيـبه من الكبر والشيخوخة.

الثالث: أن يكون التحويل من حالة إلى حالة أخرى مساوية للحالة السابقة، بحيث لا يكون التغير في الشيء إلا من خلال وجود بعض الصفات التي لا تعدّ دخيلة في تغيره وتبدله، مثل ما لو حصل التغير في اللون مثلاً، كتغير لون ثمرة من الثمر من الأحمر إلى الأصفر مثلاً.

شمول ولاية الإنماء للموت:

هذا ويدخل في ولاية الإنماء الموت، لأن الإنسان عندما يخرج من عالم الدنيا ويموت، يحصل له انماءان، وهما: إنماء كمالي يكون في الروح، وإنماء نقصي، وهو الذي يكون في الجسد.

ولاية الجزاء:

وهي تعني ولايته سبحانه على الجزاء والعقاب، من دون فرق في ذلك بين عالم الدنيا وعالم الآخرة، والحديث عن هذا البحث له مجال آخر ليس هذا محل ذكره.

الولاية التشريعية:

وأما الولاية التشريعية الحقيقية، وهي الثابتة لله سبحانه وتعالى، فلسنا بصدد الحديث عنها، لكننا نشير إلى ذلك بصورة موجزة جداً، فنقول:

بأن الله سبحانه وتعالى لا شريك له في التشريع، بل هو المشرع وليس له شريك في ذلك من قريب أو بعيد[8].

——————————————————————————–

[1] سورة الأعراف الآية رقم 157.

[2] سورة الأنعام الآية رقم 145.

[3] سورة الأنعام الآية رقم 102.

[4] سورة الزمر الآية رقم 62.

[5] سورة فاطر الآية رقم 15.

[6] سورة الحج الآية رقم 5.

[7] سورة الروم الآية رقم 54.

[8] المظاهر الإلهية في الولاية التكوينية ص 91-181.