12 أغسطس,2022

ما بعد الدولة المهدوية

اطبع المقالة اطبع المقالة

ما بعد  الدولة المهدوية

 

إن المراجع للنصوص الشريفة يجدها مختلفة في الحديث عما سوف يكون له المآل بعد انتهاء الدولة المهدوية، فيظهر منها وجود محتملات ثلاثة في مصير العالم البشري بعدها:

الأول: ما أشار إليه الشيخ المفيد(ره) في كتابه الإرشاد من أن آخر الدول هي الدولة المهدوية، فلا دولة بعدها، ويموت الإمام المهدي(عج) قبل القيامة بأربعين يوماً، فيحصل الهرج والمرج، ويعيش الناس فوضى إلى أن تقوم الساعة.

وما أفاده(ره)، مخالف لما تعتقده الإمامية من أن الأرض لا تخلو من حجة، كما هو مقتضى حديث الثقلين وغيره من النصوص.

 

الثاني: البناء على استمرار الدولة المهدوية حيث يتصدى للحكم من بعده المهديون، وهم أثنا عشر مهدياً، يحكمون بعده من ولده، والمفروض أنهم أئمة على أساس أن الأرض لا تخلو من حجة.

ويكفي لرد هذا القول المناقشة في ثبوت الذرية للإمام صاحب العصر والزمان(عج)، لأن التسليم به يقوم على الالتـزام بثبوت ذلك له، وأما مع البناء على عدم ثبوته، ولا أقل من الشك في ذلك، فإنه سوف يلتـزم بمنعه وعدم تماميته.

الثالث: الالتـزام بالرجعة، وذلك لأن الحكم في الدولة المهدوية ينتهي بانتهاء الحياة المباركة للناحية المقدسة(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، فيكون الحكم عندها لأحد المعصومين من آبائه(ع) الذين يرجعون إلى الحياة من جديد، وفقاً لما تضمنته النصوص، لا أنه يأتي إمام جديد.

وتبلغ النصوص المتحدثة عن الرجعة حدّ التواتر، فربما بلغت نصوصها خمسمائة رواية، أو قريب من ذلك يقف عليها كل من يراجع المصادر الحديثية.

 

الرجعة حقيقتها ودليلها:

لقد نص اللغويون على أن الرجعة ترادف العودة، فيقال لكل من عاد بأنه قد رجع، فالمسافر الذي خرج من وطنه، وعاد إليه بعد مدة من الزمن يقال له بأنه قد رجع.

كما أن الطير الذي يخرج صباحاً من عشه ويعود إليه بعد الغروب يقال له بأنه قد رجع، وهكذا.

 

والظاهر أنهم لا يفرقون بين كون الرجوع رجوعاً مادياً، وبين كونه رجوعاً معنوياً، فيلتزمون أن من كان يؤمن بفكرة أو برأي ثم غيّر فكرته أو رأيه فرجع عنهما، يقال له أيضاً أنه قد رجع.

وأما في الاصطلاح، فإن المراجع لكلمات الأعلام والباحثين يجدها تتضمن تفسيرات متعددة، نشير لثلاثة منها:

 

أحدها: إن الرجعة تعني ظهور الإمام المهدي(عج)، ورجوع الملك إلى آل رسول الله(ص) ويكون ذلك بيد الإمام الثاني عشر(عج).

والظاهر أن هذا التعريف احتوى خلطاً بين مفهومين، وهما الرجعة والكرة، مع أن هناك فرقاً بينهما، فإن الكرة أخص من الرجعة، لأنها التي تتضمن مواجهات وحروباً وقتالاً، وإلى هذا المعنى تشير جملة من النصوص.

ثانيها: أن يكون المقصود من الرجعة عبارة عن تمثل الأشخاص من عالم البرزخ في الحس الظاهر.

 

ولا يختلف حال هذا التفسير عن سابقه من حيث حصول الخلط فيه، فقد خلط بين المفهومين، فإنهما وإن كانا يشتركان في بعض الأمور، إلا أن لكل واحد منهما حقيقة مختلفة.

ثالثها: أن يقصد من الرجعة عودة الحياة إلى مجموعة من الأموات قبل يوم القيامة بعد تحقق النهضة العالمية للإمام المؤمل المنتظر(عج).

وقد اشتمل هذا التعريف قيوداً ثلاثة:

 

الأول: أن العودة للحياة ليست عامة، وإنما هي خاصة بفئة معينة من الناس، وسوف يكون عودهم وفقاً لاشتمالهم على مجموعة من الصفات، وتوفر مجموعة من الشروط فيهم.

الثاني: أن هذا الرجوع الحاصل إليهم للحياة، سوف يكون قبل القيامة.

الثالث: أن وقت العودة يكون بعد تحقق النهضة العالمية المباركة للناحية المقدسة(روحي لتراب حافر جواده الفداء).

 

دليل الكتاب:

وقد استدل على الرجعة من الكتاب العزيز والسنة المباركة، فمن الكتاب، تمسكوا بمجموعة من الآيات:

منها: قوله تعالى:- (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل)[1]. وتقريب دلالتها على المدعى بملاحظة الموتتين اللتين وردتا في الآية الشريفة، ذلك أنه متى عرف المقصود منهما كان ذلك موجباً لثبوت المطلوب، وقد تعددت كلمات مفسري الجمهور في بيان ذلك كي ما تدفع دلالة الآية على الرجعة.

 

وعلى أي حال، فإن المقصود من الموتة الأولى هي الموتة التي تكون عند انتهاء الآجال في عالم الدنيا، ويقصد من الموتة الثانية التي تكون بعد الرجعة، ولا مجال لتوهم أن المقصود من الموتة الأولى التي تكون قبل الخلق، لأن الموت كما هو معلوم لا يكون إلا لخصوص الحي، وهذا يستدعي وجودهم أحياء وهم في العدم، وهو لا يستقيم، لأنه من التتناقض الواضح جداً.

والحاصل، إن الموتة الأولى هي موتة الخروج من عالم الدنيا، بعدما كان الإنسان حياً فيها، والموتة الثانية هي التي تكون بعد الحياة الثانية والتي تكون في الرجعة، وتكون الحياة الثالثة في عالم البعث والنشور، ويساعد على ذلك بل يدل عليه أيضاً قوله تعالى:- (ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بأياتنا)، فقد استدل بها العلامة الطبرسي(ره) في المجمع على الرجعة أيضاً، من خلال الاستناد لكلمة(من) الواردة فيها، لدلالتها على التبعيض، فيكون مفاد الآية أن المحشورين هم فئة خاصة دون بقية الناس، وهذا لن يكون يوم القيامة لدلالة قوله تعالى:- (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً)، على الشمولية والاستيعاب لجميع المخلوقين دون استثناء.

 

النصوص:

وسوف تأتي الإشارة إلى جملة منها في طيات البحث عن الحديث عن الراجعين في عالم الرجعة.

 

وقت الرجوع:

ومع أن رجوع فئة من الناس وفق شروط وضوابط محددة مسلم، وفقاً للأدلة، إلا أن تحديد وقت الرجوع غير واضح، فيوجد احتمالان:

الأول: أن يكون ذلك بعد تحقق النصر المظفر للناحية المقدسة(عج)، واستتباب الحكم للدولة المهدوية المباركة، وبعد قضاءه(بأبي وأمي) مدة حكمه وخلافته، يكون الرجوع عندها.

 

ومنشأ هذا الاحتمال أمور:

1-ما ثبت عندنا بالطريق المعتبر من أن الأرض لا تخلو من حجة، وأن المعصوم لا يلي أمره إلا معصوم مثله، وبالتالي لابد وأن يوجد معصوم في الأرض إلى حين قيام القيامة، وهو الذي سوف يتولى تجهيز سيدي ولي النعمة(عج).

2-تصريح غير واحد من النصوص برجوع الإمام الحسين(ع) ليتسلم من الإمام المنتظر(عج) مواريث الأنبياء والأوصياء، ومن ثم يتولى(ع) القيام بجهازه(روحي له الفداء).

3-ما تضمنته النصوص من التعليل بأن فيه إقراراً لعيون المؤمنين بما يرونه من حق وانتصار، ويحين عندها وقت الانتقام من الظالمين، وهذا لا يكون إلا بعد تحقق إقامة الدولة الكريمة.

 

الثاني: أن يكون وقت الرجوع عند حصول الظهور المقدس للإمام ولي النعمة(عج)، بل قد أصر بعضهم على تحديد وقت تحققه، وهو بين شهري جمادى ورجب، وأنه المقصود من قولهم: العجب كل العجب، فترجع جماعة في عصر الظهور، ويشاركون المولى ولي النعمة(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، في حركته الإصلاحية، وإقامة دولة الحق. ويمكن استفادة هذا المعنى أيضاً من دعاء العهد: فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني شاهراً سيفي، مجرداً قناتي ملبياً دعوة الداعي إذا دعاني.

وربما قيل: أن وجود المعارضة المتصورة بين النصوص في تحديد وقت الرجوع يوجب رفع اليد عنها، بسبب المعارضة، أو بسبب الاجمال الحاصل في تحديد وقت الرجوع، وعندها لن يكون في المقام ما يدل على الرجعة.

ويتم الاحتمال المذكور لو كانت المعارضة مستقرة بين النصوص، ولم يمكن ترجيح طائفة منها على أخرى، بل لم يمكن التوفيق والجمع العرفي بينها.

 

والصحيح أنه يمكن التوفيق بين النصوص بالالتـزام بوجود نوعين من الرجوع:

الأول: الرجوع الذي يكون وقت ظهور الناحية المقدسة(ع)، ويكون للذين يشاركونه إقامة دولة الحق، بل ربما كان لبعضهم مناصب قيادية أو إدارية في الدولة المهدوية المباركة، وهذا كما هو المستفاد من دعاء العهد.

الثاني: الرجوع الذي يكون بعد انتهاء العمر المبارك لسيدي ولي النعمة(روحي لتراب حافر جواده الفداء).

ويساعد على هكذا جمع ملاحظة ما تضمنته النصوص من بيان للراجعين، فإن المتأمل فيها يجدها تذكر نوعين، وهما بعض الأولياء والعباد الصالحين، والنبي الأكرم(ص)، وأمير المؤمنين، والإمام الحسين(ع)، وآخرون. ومن الواضح أن النوع الأول وهم بعض الأولياء وبعض العباد الصالحين سوف يكون رجوعهم في النهضة المباركة للناحية المقدسة(عج) للمساهمة والمشاركة في النصرة له(بأبي وأمي)، وأما النوع الثاني، فإنه الذين يكون رجوعهم بعد انقضاء العمر المبارك له(روحي له الفداء).

 

من هم الراجعون:

وبعد الفراغ عن الإحاطة بحقيقة الرجعة، وتحديد وقتها، يبقى الحاجة لمعرفة من هم الراجعون؟

إن الطريق لتحديد ذلك يستدعي ملاحظة النصوص التي تحدثت عن الرجعة، ويمكن تقسيم النصوص التي تضمنت الحديث عن ذلك إلى طوائف وفق ما تدل عليه، وهي متفاوتة من حيث السعة لتشمل عدداً كبيراً من الراجعين، وضيقة لينحصر الراجعون في عدد قليل:

الأولى: ما دل على انحصار الرجوع في خصوص رسول الله وأمير المؤمنين(ع):

منها: ما رواه بكير بن أعين، عن الباقر(ع) أنه قال: أن رسول الله(ص)، وعلياً سيرجعان[2].

 

ومنها: ما رواه عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: إن إبليس قال:- (أنظرني إلى يوم يبعثون)، فأبى الله ذلك عليه، فقال:- (إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم)، فإذا كان يوم الوقت المعلوم ظهر إبليس لعنه الله في جميع أشياعه منذ خلق الله آدم إلى يوم الوقت المعلوم وهي آخر كرة يكرها أمير المؤمنين(ع) فقلت: وإنها لكرات؟ قال: نعم، إنها لكرات وكرات، ما من إمام في قرن إلا ويكر معه البر والفاجر في دهره حتى يديل الله المؤمن(من)الكافر، فإذا كان يوم الوقت المعلوم كر أمير المؤمنين(ع) في أصحابه وجاء إبليس في أصحابه، ويكون ميقاتهم في أرض من أراضي الفرات، يقال له: الروحا، قريب من كوفتكم، فيقتتلون قتالاً لم يقتتل مثله منذ خلق الله المؤمنين(ع)، قد رجعوا إلى خلفهم القهقهرى مائة قدم، وكأني أنظر إليهم، وقد وقعت بعض أرجلهم في الفرات.

الثانية: ما دل على أن الرجوع يكون لبعض الأئمة الأطهار(ع)، كأمير المؤمنين، والإمام الحسين(ع):

 

منها: ما رواه جابر بن يزيد، عن أبي عبد الله(ع) قال: إن لعلي(ع) في الأرض كرة مع الحسين ابنه صلوات الله عليهما يقبل برايته حتى ينتقم له من بني أمية ومعاوية آل معاوية، ومن شهد حربه، ثم يبعث الله إليهم بأنصاره يومئذ من أهل الكوفة ثلاثين ألفاً، ومن سائر الناس سبعين ألفاً فيلقاهم بصفين مثل المرة الأولى حتى يقتلهم، ولا يبقى منهم مخبراً، ثم يبعثهم الله عز وجل فيدخلهم أشد عذابه مع فرعون وآل فرعون. ثم كرة أخرى مع رسول الله(ص) حتى يكون خليفة في الأرض وتكون الأئمة(ع) عماله وحتى يبعثه الله علانية، فتكون عبادته علانية في الأرض كما عبد الله سراً في الأرض. ثم قال: إي والله، وأضعاف ذلك-ثم عقد بيده أضعافاً-يعطي الله نبيه(ص) ملك جميع أهل الدنيا منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم يفنيها حتى ينجز له موعوده في كتابه كما قال:- (ويظهره على الدين كله ولو كره المشركون).

الثالثة: ما تدل على رجوع الأنبياء(ع):

 

منها: ما رواه في منتخب البصائر، عن السيد الجليل بهاء الدين علي بن عبد الحميد الحسيني، رواه بطريقه عن أحمد بن محمد الأيادي يرفعه إلى أحمد بن عقبة، عن أبيه، عن أبي عبد الله(ع) سئل عن الرجعة أحق هي؟ قال: نعم، فقيل له: من أول من يخرج؟ قال: الحسين يخرج على أثر القائم(ع)، قلت: ومعه الناس كلهم؟ قال: لا، بل كما ذكر الله تعالى في كتابه:- (يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً)، قوم بعد قوم.

وعنه(ع) ويقبل الحسين(ع) في أصحابه الذين قتلوا معه، ومعه سبعون نبياً كما بعثوا مع موسى بن عمران، فيدفع إليه القائم(ع) الخاتم فيكون الحسين(ع) هو الذي يلي غسله وكفنه وحنوطه ويواريه في حفرته.

 

الرابعة: ما يظهر منه أن الرجوع لكافة الأئمة المعصومين(ع)، ويشير لذلك ما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة المروية عن الإمام الهادي(ع): مؤمن بإيابكم، مصدق برجعتكم. على أساس أن الخطاب للمعصومين(ع)، وليس مختصاً ببعضهم.

كما يشير لذلك أيضاً ما روي عن جابر بن يزيد عن أبي عبد الله(ع) قال: إن لعلي(ع) في الأرض كرة مع الحسين ابنه صلوات الله عليهما يقبل برايته حتى ينتقم له من بني أمية ومعاوية آل معاوية، ومن شهد حربه، ثم يبعث الله إليهم بأنصاره يومئذ من أهل الكوفة ثلاثين ألفاً، ومن سائر الناس سبعين ألفاً فيلقاهم بصفين مثل المرة الأولى حتى يقتلهم، ولا يبقى منهم مخبراً، ثم يبعثهم الله عز وجل فيدخلهم أشد عذابه مع فرعون وآل فرعون. ثم كرة أخرى مع رسول الله(ص) حتى يكون خليفة في الأرض وتكون الأئمة(ع) عماله وحتى يبعثه الله علانية، فتكون عبادته علانية في الأرض كما عبد الله سراً في الأرض. ثم قال: إي والله، وأضعاف ذلك-ثم عقد بيده أضعافاً-يعطي الله نبيه(ص) ملك جميع أهل الدنيا منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم يفنيها حتى ينجز له موعوده في كتابه كما قال:- (ويظهره على الدين كله ولو كره المشركون).

 

الخامسة: ما تضمن أن الرجعة تكون لمن محض الإيمان محضاً، ومن محض الكفر والنفاق محضاً، فقد روي عن أبي عبد الله(ع) قال: أول من تنشق الأرض عنه، ويرجع إلى الدنيا، الحسين بن علي(ع)، وإن الرجعة ليست بعامة، وهي خاصة لا يرجع إلا من محض الإيمان محضاً، أو محض الشرك محضاً.

 

والمتحصل من النصوص أن الراجعين صنفان:

الأول: المعصومون، وقد اختلف في تحديدهم لاختلاف النصوص:

 

1-أن الراجع هم خصوص بعض الأئمة، كالإمام أمير المؤمنين علي(ع)، والإمام الحسين(ع).

2-أن الراجع هم بعض المعصومين(ع)، وهم خصوص النبي الأكرم محمد(ص)، والإمام علي بن أبي طالب، والإمام الحسين(ع).

3-الالتـزام بثبوت الرجوع لكافة الأئمة الأطهار(ع).

 

الثاني: القول برجوع جملة من الأنبياء، بل كل الأنبياء، مضافاً إلى رجوع كل المعصومين(ع)، بل رجوع كل من حض الإيمان قلبه محضاً، ومن محض الكفر قلبه محضاً.

 

 

[1]

[2] بحار الأنوار ج ص ح