12 أغسطس,2022

نعين رسول الله(ص)

اطبع المقالة اطبع المقالة

نعين رسول الله(ص)

 

المعروف وفقاً لما تضمنته النصوص الشريفة أن شهر شعبان المعظم هو شهر رسول الله(ص)، وقد أعطي هذا الشهر حرمة خاصة وعناية، فإنه الشهر الذي يسبق شهر رمضان المبارك، وهو شهر الضيافة الإلهية التي يكون العبد فيه ضيفاً على الله تعالى.

 

وقد اشتملت كلمات العلماء وفقهاء الطائفة الإشارة إلى ضرورة العناية بهذا الشهر والاهتمام به، فهذا آية الله الملكي التبريزي(ره)، وهو من أهل السير والسلوك، يتحدث عن فضل هذا الشهر العظيم، فيقول: وهذا المنزل من منازل العمر للسالك إلى الله تعالى، له شأن عظيم، وفضل كثير، وفيه ليلة من ليالي القدر، وقد ولد فيها مولود وعد الله بالانتصار على يديه لكل مظلوم من أوليائه وأنبيائه وأصفيائه مذ هبط أبونا آدم على نبينا وآله وعليه السلام إلى الأرض، وأن يملاً الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وكفى في شأن شهر شعبان أنه شهر رسول الله، فقد روي عنه(ص) أنه قال: شعبان شهري رحم الله من أعانني على شهري[1].

 

وهو(ره) يشير لما ورد عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: أن رسول الله(ص) كان إذا رأى هلال شهر شعبان أمر منادياً أن ينادي في المدينة: يا أهل يثرب إني رسول الله إليكم، ألا إن شعبان شهري، فرحم الله من أعانني على شهري.

ولا ريب أن هذا الاهتمام من رسول الله(ص) بهذا الشهر العظيم يوحي بوجود دلالات عظيمة ينطوي عليها، ما أوجب أن يشير إلى مدى أهمية هذا الشهر من خلال الدعاء لخصوص من يقوم بعملية الإعانة له(ص) فيه.

 

ولعل أبرز ما يتبادر إلى الأذهان حين سماع هذا النص المحمدي هو التساؤل عن كيفية تحقيق الإعانة لرسول الله(ص)، وتحصيلها خلال هذا الشهر العظيم؟

وإن شئت، فقل ما هي سبل الإعانة التي يمكن للمؤمن من خلالها نيل الدعاء النبوي بالحصول على الرحمة؟

 

لقد اشتملت النصوص المباركة الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة على ذكر أمور يمكن عدّها موجبات تحقيق الإعانة وتحصيلها، وهي متمثلة في أمور نشير لبعضها:

 

الصيام:

فقد وردت نصوص عديدة في فضل وثواب الصوم في هذا الشهر، وما يعطاه الصائم من الأجر والثواب، فقد جاء عن رسول الله(ص) أنه قال: من صام يومين من شعبان حطت عنه السيئة الموبقة. والمقصود من الموبقة يعني المهلكة.

 

وجاء عن الإمام أبي عبد الله الصادق(ع) قوله: من صام أول يوم من شعبان وجبت له الجنة ألبتة، ومن صام يومين نظر الله إليه في كل يوم وليلة في دار الدنيا، ودام نظره إليه في الجنة.

ويظهر من النصوص مزيد عناية بصوم كل خميس من هذا الشهر، فقد جاء عن رسول الله(ص) أنه قال: تتزين السماوات في كل خميس من شعبان فتقول الملائكة: إلهنا اغفر لصائمه وأجب دعاءهم، فمن صلى فيه ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وقل هو الله أحد مائة مرة، فإذا سلم صلى على النبي(ص) مائة مرة، قضى الله له كل حاجة من أمر دينه ودنياه، ومن صام فيه يوماً حرم الله جسده على النار.

 

الصدقة:

وهي وإن لم تكن من مميزات هذا الشهر، ولا من خاصياته، إلا أن العمومات التي وردت في الحث عليها، كفيلة أن تكون من مصاديق ما يحقق الإعانة لرسول الله(ص) في هذا الشهر، ويوجب نيل الإنسان الرحمة الإلهية المذكورة في دعائه(ص).

 

الاستغفار:

والكلام فيه هو عين الكلام في الصدقة، فإنه مطلوب في كل وقت وكل حين، ولا يختص بزمان دون آخر، إلا أنه يتأكد الاتيان به ولزوم المداومة عليه في بعض الأوقات خصوصاً ذات المزية الخاصة، كشهر شعبان المعظم، فيكون الاتيان به والمداومة عليه من مصاديق تحقق الإعانة للرسول الأكرم محمد(ص) في شهره الشريفة، وتلبية لطلبه.

ومع ذلك فقد وردت فيه نصوص خاصة في هذا الشهر، فقد جاء عن الإمام الرضا(ع) أنه قال: من استغفر الله تبارك وتعالى في شعبان سبعين مرة غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل عدد النجوم. وجاء عنه(ع) أيضاً: من قال في كل يوم من شعبان سبعين مرة أستغفر الله وأساله التوبة كتب الله له براءة من النار وجوازاً على الصراط، وأدخله دار القرار.

 

ولا يتوهم أحد وجود تعارض بين النصين، إذ كلاهما مثبت، نعم لم يحدد الأول منهما صيغة معينة لعملية الاستغفار، وجعل ذلك مطلقاً، فيمكن للمؤمن استعمال أي صيغة شاء، بخلاف النص الثاني، فإنه حدد ذلك بخصوص صيغة معينة، وعليه يمكن للمؤمن أن ينال ثوابين لو استعمل الصيغة الواردة في النص الثاني، لأنه يكون قد حقق الاستغفار، وبخصوص هذه الصيغة.

وجاء عن الإمام رئيس المذهب(ع) أنه قال: من قال في كل يوم من شعبان سبعين مرة أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الحي القيوم، وأتوب إليه، كتبه الله تعالى في الأفق المبين. قلت: وما الأفق المبين؟ قال: قاع بين يدي العرش فيه أنهار تطرد فيه من القدحان عدد النجوم.

 

وهذا النص كالنص الثاني يشير إلى مطلوبين، وهما أصل الاستغفار، وكونه بصيغة خاصة، وهذا يعطي مزيداً من الأجر والثواب، فلو اقتصر المكلف على الأول منهما حقق غرضه، ولو أتى بالثاني أيضاً كان مستحقاً الفضل التام.

 

الصلوات الشعبانية:

وهي دعاء يقرأ في أيام شهر شعبان وبالتحديد عند الزوال، وقد أطلق عليه الصلوات من قبل الشيخ الطوسي(ره)، وغيره، ولعل ذلك لأن كل فقرة من فقراته تبدأ بالصلاة على محمد وآله(ع)، وهو مروي عن الإمام زين العابدين(ع)، وقد ورد أنه كان يدعو به عند كل زوال من أيام شعبان، وفي ليلة النصف منه، ويصلي على النبي(ص) بهذه الصلوات، وهو يحتوي ثمان فقرات، ست منها تبدأ بالصلاة على محمد وآله(ع)، وأما السابعة والثامنة فهما ما ينبغي أن يطلبه الداعي خلال هذا الشهر العظيم، وعلى أي حال تبدأ هذه الصلوات الشعبانية بقوله(ع):

اللهم صل على محمد وآل محمد شجرة النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعدن العلم وأهل بيت الوحي. اللهم صل على محمد وآل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق.

 

وتحتاج هذه الصلوات الشعبانية إلى وقفة تأملية فاحصة للوقوف على المعاني والمضامين العالية التي تضمنتها، فقد حوت بعداً عقدياً، كما حوت بعداً عملياً.

بعض الصلوات الخاصة بهذا الشهر:

ويمكن الوقوف على ذلك بمراجعة بعض كتب الأدعية، ككتاب مفاتيح الجنان للمرحوم الشيخ عباس القمي(ره)، فقد نص عليها، وقد ذكر صلاة كل ليلة من ليالي هذا الشهر.

ولا ينبغي للمؤمنين الغفلة عن ذلك وعدم العناية بالإتيان بها، ولا يضر بذلك ضعف أسنادها، لأنه يمكن أداؤها بعنوان رجاء المطلوبية.

 

المناجاة الشعبانية:

وهي المناجاة المروية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، وهي مذكورة في كتب الأدعية مثل كتاب مفاتيح الجنان، وقد وردت توصيات عديدة من العلماء بالعناية بها والمداومة على قراءتها، كما يحكى ذلك كثيراً عن الإمام الخميني(ره)، وهي محتوية على مضامين عقدية عالية، ومفاهيم مهمة جديرة بالوقوف عندها والتأمل فيها كثيراً، بل هي كنز من كنوز المعرفة.

 

الصلاة على النبي وآله:

فقد أكدت النصوص الشريفة على أهمية الاكثار منها خلال هذا الشهر المعظم، فقد جاء عن رسول الله(ص) أنه قال: وأكثروا في شعبان من الصلاة على نبيكم وأهله.

 

شعب خيراته:

وقد أشير لذلك في قول أمير المؤمنين(ع): هذا غرة شعبان وشعب خيراته الصلاة واليوم والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، والقرابات، والجيران، وإصلاح ذات البين، والصدقة على الفقراء والمساكين.

ويعدّ هذا النص منهجاً عملياً لما ينبغي فعله والقيام به خلال هذا الشهر المعظم.

 

 

 

[1] المراقبات ص