18 يناير,2021

الوظيفة النبوية برؤية حداثوية(2)

اطبع المقالة اطبع المقالة

الوظيفة النبوية برؤية حداثوية(2)

 

قال تعالى:- (واذكر في الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً).

المحور الثاني: وقفة مع الأمور المذكورة:

سوف نقصر الحديث على بعض الأمور التي عرضها الحداثويون لسلب البعد التشريعي عن السنة الشريفة، ومن ذلك يتضح الجواب عن بقية الأمور الأخرى، وتلك الأمور هي:

1-التفريق بين مفهومي النبي والرسول.

2-عدم حجية الصادر عن النبي الأكرم محمد(ص) في الأمور الدنيوية، وسوف يندرج فيه الأمران الثالث والرابع أيضاً، بل الخامس كذلك.

3-التأسي برسول الله(ص)، في شؤونه الحياتية الخاصة.

 

فهنا نقاط ثلاث:

الأولى: الفرق بين مفهومي النبي والرسول.

الثانية: الولاية التشريعية للنبي محمد(ص).

الثالثة: التأسي برسول الله(ص) في شؤونه الحياتية الخاصة.

 

النقطة الأولى: الفرق بين مفهومي النبي والرسول:

المعروف بين المسلمين مفسرين ومتكلمين وحكماء عدم ترادف مفهومي النبي والرسول، فكل واحد من اللفظين يشير لمعنى يغاير المعنى الذي يشير إليه الآخر، وهذا هو الظاهر من الآيات القرآنية والتي تضمنت ذكر المفهومين في آية واحدة، ما يكشف عن المغايرة بينهما، فلاحظ مثلاً:

1-قوله تعالى:- (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل).

2-قوله سبحانه:- (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته).

3-قوله عز من قائل:- (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبياً).

4-قول جل وعلا:- (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً).

 

فقد تضمنت الآيات الشريفة ذكر النبي بعد ذكر الرسول، وهو شاهد على اختلافهما في المعنى، والقول بأنه من باب عطف المرادف على مثله، خلاف الظاهر، بل هو صريح بعض الآيات مثل قوله تعالى:- (وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي).

والسؤال: ما هو الفرق بين الرسول والنبي؟ وهذا يكون من خلال معرفة كل واحد منهما، وينبغي الالتفات إلى أن مقتضى التفريق الوارد في كلام الدكتور محمد شحرور، وغيره من الحداثويـوين، يستدعي البناء على أن كل رسول نبي، وكل نبي رسول، لأن هذا هو مقتضى وجود صفتين: صفة سماوية، وهي صفة الرسالة، وصفة بشرية دنيوية، وهي صفة النبوة. مع أن الوارد في كلمات علماء المسلمين كما سوف يتضح وهو المستفاد من الآيات القرآنية المباركة خلاف ذلك، فإن المستفاد أن النسبة بينهما العموم المطلق، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول، وهذا يكفي لبطلان الأمر المذكور في كلماتهم.

 

ونزيد ذلك بياناً من خلال عرض الفروق في كلمات الأعلام:

الأول: وهو ما عليه جمهور المفسرين، من أن الرسول أخص من النبي، لأنه من أوحي إليه وأمر بالتبليغ، أما النبي، فهو من أوحي إليه، سواء أمر بتبليغه أم لم يؤمر.

والظاهر أن منشأه ملاحظة معنى كلمة النبي وهي صفة مشبهة بمعنى ذي النبأ والمطلع عليه، وكون الإنسان ذا نبأ وخبر لا يلازم أن يكون مأموراً بإبلاغه.

وأما الرسول، فإن المستفاد من معنى اللفظة لغة هو من بعث إلى الغير لتنفيذ رسالة كلف بحملها من قبل مرسله.

 

ولو أشكل على هذا الفرق، بقوله تعالى:- (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيـين مبشرين ومنذرين)، لظهورها أن كل نبي مبشر ومنذر.

فإنه يندفع، بأن المقصود من النبيـين في الآية القسم الخاص منهم، وليس جميعهم بقرينة:- (وأنزل معهم الكتاب)، فمن المعلوم أنه لم يكن لكل نبي كتاب، بل كانت الكتب السماوية محدودة، فيكون معنى الآية الكريمة، أن كل نبي قد أنزل عليه كتاب يكون مبعوثاً ومأموراً بالتبشير والإنذار بخلاف النبي الذي يكون معه كتاب.

نعم يمنع قبول هذا التفسير قوله تعالى:- (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي) لظهورها في أن كليهما أعني الرسول والنبي مبعوثان، ومرسلان من الله سبحانه وتعالى.

 

الثاني: ما قاله الزمخشري في كتابه الكشاف، من أن الرسول هو الذي أنزل معه كتاب، أما النبي فهو الذي ينبئ عن الله سبحانه ولو لم يكن معه كتاب، فالرسول صاحب شريعة، لأنه صاحب كتاب، بخلاف النبي فإنه يدعو الناس إلى شريعة من قبله.

ويمكن الاستدلال له بما روي عن النبي(ص) أنه سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، قيل: فكم الرسول منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً.

ويمنع القبول به عدم وجود دليل عليه، مضافاً إلى مخالفته ظاهر بعض الآيات الشريفة، مثل قوله تعالى:- (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً)، فقد وصفه القرآن بكونه رسولاً مع أنه لم يكن صاحب كتاب، ومثل ذلك نبي الله شعيب(ع).

 

وأما الرواية، فإن ذيلها يبين أنه لا يعتبر في الرسول أن يكون صاحب كتاب، فقد جاء فيه، قلت: يا رسول الله، كم أنزل الله من كتاب؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب، وأنزل الله تعالى على شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.

 

الثالث: وهو ما يظهر من البيضاوي، من أن الرسول هو الذي جاء بشرع جديد، وأما النبي فإنه يشمل من جاء بشرع جديد، ومن جاء لتقرير شرع سابق. وقد تمسك له بقوله تعالى:- (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي)، فالرسول هو من بعثه الله سبحانه وتعالى بشريعة مجددة يدعو الناس إليها. والنبي من يعمه ومن بعث لتقرير شرع سابق.

ويمنع القبول به، أن المستفاد من القرآن الكريم والنصوص الشريفة هو حصر الشرائع في خمس، بينما عدد الرسل أكثر من ذلك، فلا يقبل هذا التفسير.

 

الرابع: ما جاء في كلمات بعض الأعلام، وحاصله:

إن المستفاد من التدبر في كلمات اللغويـين والآيات الشريفة أن النبي هو الإنسان الموحى إليه من الله سبحانه وتعالى بإحدى الطرق المعروفة. وأما الرسول فهو القائم بالسفارة من جانب شخص سواء كان هو الله سبحانه وتعالى أم غيره لإبلاغ قول أو تنفيذ عمل.

 

فالنبوة منصب معنوي وارتقاء للنفس الانسانية تستدعي إمكان الاطلاع على الغيب بإحدى الطرق المألوفة.

أما الرسالة فهو سفارة للمرَسل من جانب المرسِل لتنفيذ ما تحمله منه في الخارج، أو إبلاغه إلى المرسل إليهم.

ووفقاً لما تقدم، سوف يكون المقصود من النبي متى أطلق في كلامه سبحانه وتعالى أو جاء في السنة هو من قد خصص بهذه المكانة وهي مكانة تحمل النبأ وشرف الاتصال بالله والعلم بما عنده، والوحي له بإحدى الطرق المذكورة، ولهذا قرن الله سبحانه الوحي بلفظ النبيـين، قال تعالى:- (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيـين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب).

 

وتعدُّ النبوة أساس الرسالة، فلا تستقيم رسالة الإنسان من الله تعالى إلا بارتقائه إلى مقام النبوة واتصاله بالمبدأ الأعلى، ولهذا تعتبر الرسالة من آثار النبوة. وهذا لا يعني أن اللفظيـين مترادفان، ويشيران إلى معنى واحد، بل كل منهما له موضوع خاص به.

ويستفاد من الآيات القرآنية والنصوص الشريفة أن النبي لا يستعمل إلا في الإنسان الموحى إليه من قبل الله سبحانه وتعالى، فهو مطلع على الغيب، أو منبئ عنه.

 

ووفقاً لما تقدم، يكون منصب النبوة أسمى من منصب الرسالة، بل يمكن القول أن النبي في المفهوم القرآني أفضل من مطلق الرسول، لأن وصف الإنسان بكونه نبياً يدل على احتلاله مكانة مرموقة، وليس كذلك حال وصفه بكونه رسولاً، لأنه قد يكون مرسلاً من قبل الله، وقد يكون مرسلاً من قبل غيره، وهذا يفسر سبب تأخر التوصيف بالنبوة بعد الرسالة لبعض الأنبياء، كما في قوله تعالى:- (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل).

والمتحصل مما تقدم، هو عدم تمامية ما ذكره بعض الحداثويين من بيان لحقيقة النبي، وأنه البعد البشري، خصوصاً وأنه لا يساعد عليه دليل، لا من اللغة، ولا من القرآن الكريم، ولا من السنة الشريفة.

 

النقطة الثانية: الولاية التشريعية للنبي(ص):

مع أن ما تقدم في النقطة الأولى والتي عرفت فيها حقيقة النبوة، وعظم المنصب وخطورته، يكفي للاعتماد على ما يصدر عن رسول الله(ص)، إلا أننا نعمد لعرض ثبوت الولاية التشريعية له(ص) أيضاً، وهذا يستدعي الإحاطة بالمقصود من الولاية التشريعية كمفهوم، وتحديد المقصود بها، فنقول:

 

إن المقصود من الولاية التشريعية في المقام، هو ثبوت حق التشريع والجعل للنبي الأكرم محمد(ص)، والأئمة الطاهرين(ع)، بمعنى أنه يحق لكل واحد منهم أن يشرع حكماً لم يكن مشرعاً من قبل، مثل ما ورد في بعض النصوص من أن الصلاة قد فرضت ركعتين، ثم أضاف النبي(ص) إليها ركعتين في الظهرين والعشائين، وركعة في المغرب، وأبقى صلاة الصبح على حالها. وكذلك ما ورد في نصوص أخرى من أنه(ص) قد سن النوافل وشرّعها، وجاء في بعض النصوص أن الله تعالى قد حرم الخمر وحرم رسول الله(ص) النبيذ، وغير ذلك.

 

ويستند في ثبوت حق التشريع إلى رسول الله(ص)، وأنه لا تنحصر وظيفته فقط في بيان القرآن الكريم، وما شابه مما ذكره الحداثويون في كلماتهم إلى دليلين:

الأول: القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى:- (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، فإن مقتضى إطلاقها هو البناء على لزوم طاعة النبي الأكرم محمد(ص)، بصورة مطلقة من دون قيد، فتكون نصاً على حجية قوله(ص) ولزوم العمل بما يقول، سواء كان ذلك بياناً وتوضيحاً للقرآن الكريم، أم كان ذلك جعلاً وتشريعاً منه(ص). ويساعد على ما ذكرناه اشتمال الآية الشريفة على الأمر بطاعة الرسول(ص) مستقلاً عن طاعة الله سبحانه وتعالى، وهذا يكشف عن أن المراد منهما ليس واحداً، وقد أشار لهذا المعنى غير واحد من الأعلام، كالسيد الطباطبائي(ره) في الميزان، قال(قده): إذا عرفت هذا علمت أن لإطاعة الرسول معنى، ولإطاعة الله سبحانه معنى آخر، وإن كان إطاعة الرسول إطاعة لله بالحقيقة، لأن الله هو المشرع لوجوب إطاعته كما قال:- (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)، فعلى الناس أن يطيعوا الرسول فيما يبينه بالوحي، وفيما يراه من الرأي.

 

وهذا المعنى والله أعلم، هو الموجب لتكرار الأمر بالطاعة في قوله:- (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، لا ما ذكره المفسرون: أن التكرار للتأكيد، فإن القصد لو كان متعلقاً بالتأكيد كان ترك التكرار كما لو قيل: وأطيعوا الله والرسول أدل عليه وأقرب منه، فإنه كان يفيد أن إطاعة الرسول عين إطاعة الله سبحانه، وأن الإطاعتين واحدة، وما كل تكرار يفيد التأكيد[1].

 

الثاني: النصوص الشريفة، وهي نصوص تفويض أمر الدين إلى النبي محمد(ص)، وقد وردت في غير مصدر من مصادرنا كالكافي، وبصائر الدرجات، نعم قد خلت مصادر علماء المسلمين الحديثية عن ذكر شيء من النصوص التي تتضمن التفويض له(ص)، في أمر الدين.

ومع خلو مصادر علماء المسلمين الحديثية عن ذكر شيء من النصوص التي تتضمن التفويض له(ص) في أمر الدين، إلا أن كلمات بعض علمائهم قد اشتملت على هذا المضمون، كالرازي، فقد أشار لذلك في تفسيره في سورة الحشر، عند تفسير الآيتين الخامسة والسادسة، وكذا الآلوسي في كتابه روح المعاني في تفسير نفس السورة، والآيتين. بل يمكن أن يجعل المقام من صغريات ما وقع عندهم من بحث مفاده: هل يمكن لرسول الله(ص) أن يجتهد أو لا؟ بمعنى أن تصدر بعض الأمور عنه من باب الاجتهاد منه وفق تشخيصه هو بعيداً عن الوحي، كما أشار لذلك الآمدي في كتابه، وقد ألتـزم هو بثبوت التفويض للنبي محمد(ص).

 

وكيف ما كان، فمن تلك النصوص:

1-معتبرة الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه، فلما أكمل له الأدب، قال:- (وإنك لعلى خلق عظيم)، ثم فوّض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل:- (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وإن رسول الله(ص) كان مسدداً موفقاً، مؤيداً بروح القدس لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله.

ثم إن الله عز وجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات، فأضاف رسول الله(ص) إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة، فصارت عديل الفريضة، لا يجوز تركهن إلا في السفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله له ذلك كله فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة.

 

ثم سنّ رسول الله(ص) النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلي الفريضة، فأجاز الله عز وجل له ذلك، والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدان بركعة مكان الوتر.

وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان، وسن رسول الله(ص) صوم شعبان وثلاثة أيام في كل شهر مثلي الفريضة، فأجاز الله عز وجل له ذلك.

وحرم الله عز وجل الخمر بعينها، وحرم رسول الله(ص) المسكر من كل شراب، فأجاز الله له ذلك.

 

وعاف رسول الله(ص) أشياء وكرهها، لم ينه عنها نهي حرام، إنما نهى عنها نهي إعافة وكراهة، ثم رخص فيها، فصار الأخذ برخصه واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه، ولم يرخص لهم رسول الله(ص) فيما نهاهم عنه نهي حرام، ولا فيما أمر به أمر فرض لازم، فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام لم يرخص فيه لأحد، ولم يرخص رسول الله(ص) لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض الله عز وجل، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً، لم يرخص لأحد في شيء من ذلك إلا للمسافر، وليس لأحد أن يرخص ما لم يرخصه رسول الله(ص)، فوافق أمر رسول الله(ص) أمر الله عز وجل، ونهيه نهي الله عز وجل، ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى[2].

 

2-رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله(ع) قال: إن الله أدب نبيه(ص) على أدبه فلما انتهى به إلى ما أراد قال له:- (إنك لعلى خلق عظيم)، ففوض إليه دينه، فقال:- (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وإن الله فرض في القرآن ولم يقسم للجد شيئاً، وإن رسول الله(ص) أطعمه السدس فأجاز الله له، وإن الله حرّم الخمر بعينها وحرّم رسول الله(ص) كل مسكر فأجاز الله له ذلك، وذلك قول الله:- (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب)[3].

 

والنصوص الواردة في هذا المجال كالنصين المتقدمين، صريحة الدلالة واضحة المضمون في حصول التشريع من النبي(ص) بمعنى الجعل من رسول الله(ص) لمجموعة من الأحكام التي لم يجعلها الله سبحانه وتعالى، وقد تضمنت نصوص موارد غير ما تضمنته هذه النصوص من تحريمه(ص) المدينة المنورة، وجعلها حرماً آمناً، بعدما حرم الله تعالى مكة المكرمة.

وتظهر ممارسة رسول الله(ص) لهذا الحق من إضافة بعض التشريعات في أبواب فقهية متعددة غير ما ذكرناه:

1-جعل المواقيت الخمسة للحج من قبل رسول الله(ص).

2-عدد أشواط الطواف وعدد أشواط السعي.

3-مدة المكث في عرفات.

4-تحديد الزكاة بالموارد التسعة، وغير ذلك.

 

ويدخل ضمن هذا أيضاً ما صدر عنه(ص) من تدبير أمور الحرب والسلم، وقيادة الأمة، إذ لم يرد في القرآن الكريم تحديد وقت الحروب والمعارك والصلح، فإن ذلك كله مما قد فوض إليه(ص).

ويدخل في هذا التفويض بيان المقصود من التشريعات الواردة في القرآن الكريم من خلال شرحها وعرض مصاديقها.

وقد تحصل مما تقدم، ثبوت الجنبة التشريعية للسنة الشريفة، وعدم حصر وظيفة النبي محمد(ص) في خصوص بيان القرآن الكريم، كما ظهر أيضاً حجية ما يصدر عنه(ص).

 

النقطة الثالثة: التأسي بالنبي(ص) في حياته الخاصة:

إن مقتضى قوله سبحانه وتعالى:- (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) اشتمالها على حكم التأسي برسول الله(ص)، وليس ذلك لكونه محمد بن عبد الله(ص)، وإنما لكونه نبياً مرسلاً وأن جميع ما يصدر منه يمثل جنبة شرعية، وهو السنة.

وقد ذكر الشيخ الأعظم الأنصاري(ره)، وجوب التأسي به(ص) في كل شيء حتى العاديات. نعم هناك كلام لبعض علماء المسلمين في دائرة ما يتأسى برسول الله(ص) فيه.

 

والمعروف بين علمائنا هو سعة دائرة التأسي به(ص)، وقد استندوا في ذلك إلى أمرين:

الأول: إن لله تعالى في كل واقعة حكماً شرعياً، ومعنى ذلك شمول الأحكام الشرعية لكل شاردة وواردة، ما يعني أن كل ما يصدر عنه(ص) يمثل حكماً شرعياً.

الثاني: ما دل على عصمته(ص)، فإنه شامل لجميع حالاته من دون استثناء.

 

 

———————————————–

[1] الميزان في تفسير القرآن ج 4 ص 338.

[2]  الكافي ج 1 كتاب الحجة باب التفويض إلى رسول الله والأئمة في أمر الدين ح 4 ص 664.

[3]  بصائر الدرجات ج 2 ح 4 ص 229.