26 أكتوبر,2020

الوظيفة النبوية برؤية حداثوية(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

الوظيفة النبوية برؤية حداثوية(1)

 

 

من الشبه التي أثارها الحداثويون حول السنة الشريفة وتمسكوا بها من أجل عدم الاستناد إليها نفي البعد التشريعي عنها، فلا تعدّ السنة مصدراً من مصادر التشريع، وإنما ينحصر التشريع في خصوص القرآن الكريم فقط.

وقد استندوا في دعواهم إلى أمور ثلاثة:

الأول: تأخر جعل الحجية للسنة، فإنها لم توضع إلا في عصر متأخر، وقد كان أصحاب رسول الله(ص) رافضين لحجيتها.

الثاني: وظيفة النبي الأكرم محمد(ص).

الثالث: السنة القولية والسنة العملية والتواتر وخبر الآحاد.

 

وقد سبق منا الحديث عن الأمر الأول في العام الماضي، وقد عرفت تمامية الدليل من القرآن الكريم على حجية السنة.

وأما الأمر الثالث فإن البحث عنه يستوجب طولاً في المقام، نسأل الله تعالى التوفيق للحديث عنه في بحث لاحق إن شاء الله، ولذا سوف أقصر الحديث على خصوص الأمر الثاني منها، وعليه يقع الحديث ضمن محاور:

الأول: رؤية الحداثويـين لوظيفة النبي الأكرم محمد(ص):

من الأمور التي تمسك بها الحداثويون كالدكتور محمد شحرور وغيره لنفي البعد التشريعي عن السنة، وظيفة النبي الأكرم محمد(ص)، ويمكن إجمال أقوالهم ضمن أمور ستة:

 

أحدها: التفريق بين النبي والرسول:

فرّق الحداثويون بين مفهومي النبي والرسول بطريقة مغايرة لما عليه علماء المسلمين، حيث جعلوا المدار في التفريق بينهما على الوظيفة مع التـزامهم أن الوصفين يجتمعان في شخص النبي محمد(ص)، فهو يحمل صفة الرسالة، لأنه رسول، ويحمل صفة النبوة لكونه نبياً. إلا أن وظيفة كل منهما تختلف عن الأخرى، فإن الرسول وظيفته توصيل الرسالة من الله تعالى إلى عالم البشر دون اجتهاد أو إعمال نظر.

أما في مقام النبوة، فإن النبي يقوم بالاجتهاد والعمل حسب المعطيات والإمكانيات المعرفية الموجودة، وهذا يعني أن الجانب التشريعي يتمثل في الرسالة. أما النبوة فيتمثل فيها الجانب المعرفي المادي والتاريخي، فالرسالة تحمل الأوامر والنواهي وهي التي أمر الله سبحانه وتعالى بطاعة نبيه الكريم محمد(ص)، فيها وهو عبارة عن كل ما نزل به الملك جبرئيل على محمد(ص)، ويتمثل ذلك في القرآن، وهو الذي عصم الله نبيه فيه من الخطأ.

 

ولذا يقول هؤلاء: إن الأمر بالاقتداء بالرسول في الصلاة والزكاة في مقام الرسالة. ولذا يقررون أنه لا توجد عندنا أحاديث رسولية، لأن رسالة النبي محمد(ص) هي القرآن، وهذا كان سبب امتناع الصحابة عن كتابة ما أراد أن يوصيهم وهو في حال الاحتضار، لأنه(ص)، قد أدى رسالته المتمثلة في القرآن، وقد اتضح تفريق الحداثويـين بين المفهومين من حيث الوظيفة.

 

ثانيها: عدم حجية الصادر من النبي(ص) في الأمور الدنيوية:

بناءاً على التفريق بين مفهومي الرسول والنبي، وأن مقام النبوة يعتمد على تشخيص الإنسان واجتهاده وفق المعطيات الموجودة عنده، ورفض الحداثويـين الأحاديث الصادرة عن النبي(ص)، والتي تتناول الشؤون الحياتية الدنيوية في كافة المجالات، سواء في الشؤون السياسية، وإدارة شؤون الدولة والحكم والحكومة، أو الطبية أو الاقتصادية، أو التربوية أو الأسرية، وغير ذلك.

وقد برروا ذلك بأن الصادر منه(ص)، مجرد أوامر إرشادية، فليست واجبات ولا مندوبات لعدم اعتبار قصد القربة فيها، ولأن عصمته(ص)، من الخطأ تنحصر في خصوص ما يؤديه عن الله تعالى وهو القرآن الكريم.

 

إن قلت: ماذا نقول: في قوله تعالى:- (وأذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)، فإن الحكمة التي أمرن أن يذكرنها ما يصدر عن رسول الله(ص).

قلت: لقد ذكر الدكتور محمد شحرور: المقصود من الحكمة عبارة عن مجموعة من الوصايا والتعليمات الأخلاقية، وليست أموراً تشريعية، وهي نظير الوصايا العشر عند المسيح عيسى(ع).

 

ثالثها: وظيفة النبي محمد(ص)، الدعوة إلى دين الله وليس الحكم أو الملك وإدارة شؤون الدولة:

إن المستفاد من الآيات القرآنية المتضمنة الأمر بالتبليغ والدعوة إلى الله تعالى، عدم ثبوت وظيفة دنيوية للنبي محمد(ص)، فهو لم يؤمر بإقامة دولة ولا بحكم، بل إن توجيهات القرآن الكريم له تنحصر في القيام بالبلاغ، وأن مهمته بالبلاغ المبين، لأنه ليس مسيطراً ولا حفيظاً، ولا وكيلاً، قال تعالى:- (ليس عليك هداهم)، و:- (إنك لا تهدي من أحببت)، و:- (وما عليك ألا يزكى).

 

مضافاً إلى اختلاف صفات النبي الرسول عن صفات القائد السياسي، فإن من صفات النبي الرسول الرحمة والهداية للعالمين، فهو متجرد عن كل هيمنة، وليس جباراً أو مسيطراً، وهي صفات تبعده عن السلطة، بينما هي صفات الحاكم السياسي، فالولاية التي للنبي الرسول على قومه ولاية روحية تنشأ من إيمان القلب وخضوعه الصادق الذي يتبعه خضوع الجسم، بينما ولاية الحاكم مادية تعتمد على إخضاع الجسم، ولا يكون لها اتصال بالقلوب.

والأولى هداية إلى الله تعالى، وأما الثانية فهي ولاية تدبير لمصالح الحياة وعمارة الأرض، والأولى للدين والثانية للدنيا، والأولى زعامة دينية، أما الثانية فسياسية.

 

وجعل هؤلاء دليلهم على عدم ثبوت ولاية سياسية ولا سلطة ولا حكم للرسول على الأرض، عدم نصبه خليفة من بعده، لأن ذلك شأناً دنيوياً الناس أعلم به، ولهذا لم ينصاعوا لطلبه عند الاحتضار أن يكتب لهم كتاباً.

قد يقول قائل: وكيف تفسرون إقامة رسول الله(ص) الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، ثم في مكة المكرمة، وتلويه(ص) إدارة شؤونها.

ويجاب عنه: إن هذا عمل خارج نطاق الرسالة، وحدود واجبات الرسول(ص)، وهو عمل دنيوي الذي لا علاقة له بالرسالة، ولهذا لم يعيّن القضاة، ولا الولاة.

والحاصل، ما دامت وظيفة الرسول منحصرة في الدعوة إلى الله تعالى، ولا شأن له بالحكم والسياسة، فسنته ليست تشريعاً، ولا يلزم أحد أتباعها بعد وفاته(ص).

 

رابعها: إن وظيفة النبي هو توضيح الكتاب، وبيانه:

فلا تستقل السنة بالتشريع ولا يؤخذ منها إلا ما كان توضيحاً، أو تفسيراً، للكتاب الحكيم.

وعليه، لن تكون السنة مصدراً للتشريع لأنها ليست وحياً، بل تفسير وبيان لما أجمله الكتاب، بل لو سلمنا بأنها مصدر للتشريع، فإنها لا تستقل بنفسها، ولا تضيف إلى النص الأصلي وهو القرآن شيئاً لم يتضمنه.

 

خامسها: إن وظيفة الرسول هو تبليغ ما يوحى إليه من القرآن فقط:

وما يوجب الالتـزام هو ما أمر بالالتـزام به صراحة، ولا يعدّ القضاء بين الناس حكماً بالمعنى السياسي، بعد البناء على حصر وظيفة النبي(ص) بنظرهم في تبليغ الوحي، فلا يلزم إتباعه في كل أقواله وأفعاله من قبيل الخصوصية التي لا ينبغي تعميمها على البشر، لأن ما قد يكون سائغاً يكون محرماً على غيره كصوم الوصال، وعليه، لن تكون السنة واجبة الاتباع، إلا في خصوص ما أمر به النبي(ص) صراحة، كالأمر الصادر منه(ص) بإتباعه في كيفية الصلاة والحج والعبادات.

إن قال قائل: كيف تعالجون الآيات التي تضمنت أمر النبي(ص) بالحكم بين الناس، قال تعالى:- (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله).

 

قالوا: إن هذه الآيات محمولة على الحكم بما أنزل الله في كتابه لا أنها تكشف عن كون السنة مصدراً تشريعياً، وعلى ذلك يحمل حديث معاذ بن جبل، فإن المقصود من سنة رسول الله(ص) يعني ما يسلكه رسول الله من العادة المتبعة عند العرب، لا أن الرسول مشرع بذاته وأن سنته تشريع للأمة.

 

سادسها: إخراج شخص الرسول من موضوع النبوة:

والمقصود من ذلك أن وظيفته تنحصر في إيصال الرسالة من المرسل إلى المرسل إليهم، وهذا يعني أن شخص النبي(ص) ليس داخلاً في النبوة، فصفاته الذاتية الشخصية ليس مجالاً للاقتداء أو التأسي بها، ولذا قرر بعضهم أن الأنبياء مجرد وسائل لتبليغ الوحي وليس لهم أي فضل بأشخاصهم على غيرهم، كما لا يوجد تفاضل بينهم أيضاً. فالنبي بشر كسائر البشر ليس له أي ميزة إضافية، وبناءاً عليه، فإن الاقتداء بسيرة النبي(ص)، في أكله وشربه ومشيه ولبسه وعلاقته مع أصحابه وإدارة شؤون الحياة وغيرها، ليس من الإسلام بشيء، لأنه شخص كأي شخص آخر.

 

ويمكننا تلخيص الشبهات التي طال عرضها في التالي:

1-التفريق بين مفهومي النبي والرسول.

2-لا حجية لما يصدر عن النبي(ص) في الأمور الدنيوية.

3-حصر وظيفة النبي(ص) في الدعوة إلى دين الله تعالى.

4-تتلخص وظيفة النبي(ص) في توضيح الكتاب الكريم وبيانه.

5-لا يتبع النبي(ص) إلا في خصوص ما أمر هو(ص) بإتباعه فيه، وليس قضائه بين الناس إلا تنفيذاً لما في القرآن الكريم.

6-لا يتخذ رسول الله(ص) أسوة في شؤونه الحياتية الخاصة.