29 مايو,2020

الاجتهاد النبوي(5)

اطبع المقالة اطبع المقالة

الاجتهاد النبوي(5)

 

آية العبوس في وجه الأعمى:

ومنها: قوله تعالى:- (عبس وتولى* أن جاءه الأعمى* وما يدريك لعله يزكى* أو يذكر فتنفعه الذكرى* أما من استغنى* فأنت له تصدى* وما عليك ألا يزكى* وأما من جاءك يسعى* وهو يخشى* فأنت عنه تلهى)[1]، وتعتمد دلالتها على المدعى على الالتـزام بنـزولها في رسول الله(ص)، أما لو بني على نزولها في غيرها(ص)، فسوف تكون أجنبية عن المدعى تماماً.

وتقريب دلالتها وفقاً لذلك، أن يقال: أن التصرف الصادر من رسول الله(ص) بالإعراض عن ابن أم مكتوم والاشتغال بأعيان ووجهاء قريش كان اجتهاداً منه(ص)، وذلك لأنه رأى أن المصلحة في الاهتمام بدعوة هؤلاء والاشتغال بهم أولى وأهم من الاشتغال بغيرهم، لأنهم وجهاء قومهم، ومتى آمنوا فسوف يؤمن قومهم تبعاً لهم.

والحاصل، إن العناية بهؤلاء الأغنياء والوجهاء، والأعراض عن الفقير المعدم، كان اجتهاداً من النبي(ص)، لم يأمره به الله سبحانه وتعالى فيثبت وقوع الاجتهاد منه(ص)، بل حصول الخطأ أيضاً، كما يظهر ذلك من لهجة العتاب الوارد في الآية المباركة.

 

الأقوال في سبب النزول:

وحتى تلحظ تمامية دلالة الشريفة لابد من معرفة سبب نزولها، ومن قد نزلت فيه، لما عرفت من أن دلالتها تقوم على ذلك، وهذا يعني الحاجة إلى الاستعانة بالروايات لملاحظة مدى تمامية دلالتها وعدمها.

ولا يذهب عليك أنه لو كنا والآيات الشريفة في نفسها، فإنه يصعب جداً تحديد الغائب والمخاطب الذي تتحدث عنهما، إذ أقصى ما يستفاد منها أن هناك تصرفاً قد صدر من شخص تجاه شخص أعمى، دون تحديد منها لذلك الشخص، وقد أشار لذلك السيد المرتضى(قده) في كتابه تنـزيه الأنبياء، قال(ره): أما ظاهر الآية فغير دال على توجهها إلى النبي(ص)، ولا فيها ما يدل على أنها خطاب له، بل هي خبر محض لم يصرح بالخبر عنه[2].

 

وعند الرجوع لكلمات المفسرين المستفادة من النصوص تجدها تضمنت أقوالاً في تحديد العابس والمعبوس في وجهه، عمدتها قولان:

الأول: ما عليه علماء الجمهور، بل أدعى الرازي في تفسيره إجماع المفسرين عليه[3]، من نزولها في رسول الله(ص)، فهو (ص) العابس، والمعبوس في وجهه هو ابن أم مكتوم، فقد ذكروا أنه بينما كان رسول الله(ص) مشغولاً بدعوة صناديد قريش، وهم: عتبة بن ربيعة، وأخوه، شيبة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، وأخوه أبي، والوليد بن المغيرة، رجاء أن يسلموا، وكان(ص) يذكرهم بأيام الله تعالى، ويحذرهم بطشه وجبروته، ويعدهم أحسن المثوبة إن أسلموا، إذ جاء عبد الله بن أم مكتوم، وهو يقول: يا رسول الله إقرأني، وعلمني مما علمك الله، فجعل يناديه، ويكرر النداء، ولا يدري أن النبي الكريم(ص) مشتغل مقبل على غيره طمعاً منه(ص) بإسلامهم، وإسلام الكثير من قومهم تبعاً لهم، فثقل ذلك على رسول الله(ص) حتى ظهرت الكراهة في وجهه(ص)، لقطعه كلامه معهم.

 

وقال(ص) في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنما أتباعه العميان والعبيد، فأعرض عنه وأقبل على القوم الذين كان يكلمهم، لأنه رأى أن ابن أم مكتوم إن لم يتعلم الآن يتعلم في وقت آخر، إذ كان في كل وقت أو أكثره في خدمة الرسول(ص)، وهؤلاء العتاة إذا خرجوا من عند الرسول(ص) ولم يسلموا فقد أفلتوا، وليس باستطاعة الرسول الاجتماع بهم ثانية، وهذه فرصة سانحة يجب استغلالها، ولما رأى من ابن أم مكتوم إصراره على تعليمه قطب وجهه طلباً للأهم في نظره، وهو إسلام هؤلاء العتاة وصناديد قريش حتى نزلت الآية الكريمة وتاليها.

 

وبرر القائلون بهذا القول الفعل الصادر من رسول الله(ص) بلحاظ أنه(ص) كان ينظر إلى أمر كلي وهو رجاء إسلام قريش، وأنه في الظاهر أهم من إجابة رجل أعمى عجول على الفور[4].

وقد استند أصحاب هذا القول إلى روايات ذكرها السيوطي في كتابه الدر المنثور، وغيرها:

منها: ما روته عائشة قالت: أنزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم، قالت: أتى رسول الله(ص) فجعل يقول: أرشدني، قالت: وعند رسول الله(ص) من عظماء المشركين، قالت: فجعل رسول الله(ص) يعرض عنه، ويقبل على الآخرين[5]. ومثل ذلك روي عن ابن عباس أيضاً وأنس.

 

وقد يتمسك لهذا القول أيضاً بما روي عن الإمام الصادق(ع) على ما في مجمع البيان، أنه قال: كان رسول الله(ص) إذا رأى عبد الله ابن أم مكتوم، قال: مرحباً مرحباً، والله لا يعاتبني الله فيك أبداً، وكان يصنع به من اللطف حتى كان يكفّ عن النبي(ص) مما يفعل به[6]. لظهورها في الإقرار منه(ص) في نزولها فيه عتاباً من الله تعالى له في إعراضه عنه.

الثاني: ما عليه علماء الطائفة المحقة، أعلى الله كلمتهم وأنار برهانهم، من أنها قد نزلت في غير رسول الله(ص)، وتتعدد الآراء فتوجد لهم أقوال متعددة في تحديد من نزلت فيه:

منها: أنها قد نزلت في رجل من بني أمية.

 

ومنها: من قال بنـزولها في عثمان بن عفان. وغير ذلك، والمهم هو نفي نزولها في الرسول الأكرم محمد(ص).

وقد ذكروا أنه كان الرجل الذي قد نزلت الآيات الشريفة فيه حاضراً عند رسول الله(ص)، وهو يدعوا، فجاء عبد الله ابن أم مكتوم، فقام الرجل يجمع ثيابه ونفسه حتى لا يصيبه ابن أم مكتوم وتقذر منه، وعبس وأعرض عنه بوجههه، فحكى الله تعالى ذلك وأنكره عليه.

وقد استندوا في ذلك إلى جملة من النصوص:

منها: ما رواه الطبرسي في مجمع البيان، عن الإمام الصادق(ع) أن عبس وتولى نزلت في رجل من بني أمية، كان عند النبي(ص) فجاءه ابن أم مكتوم فلما رآه تقذر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه[7].

 

تحقيق الصحيح من القولين:

ويمنع القول الأول، لمنع مستنده، ذلك أن النصوص المذكورة في مصادر الجمهور معلوم حالها، فلا مجال للاستناد إليها، بسبب ضعف أسنادها.

 

وأما الخبر المروي عن الإمام الصادق(ع) في المجمع، فمضافاً لكونه مرسلاً، فهو يخالف القاعدتين الشرعية والعقلية المعتبرتين في حجية الخبر:

أما القاعدة الشرعية، فلأنه يخالف الكتاب العزيز، فقد تضمنت الآيات الشريفة أمرين مولويـين صادرين من الله تعالى في بيان المنهج الذي يلزم رسول الله(ص) اتباعه في تعامله مع المؤمنين، وهما:

الأول: قوله تعالى:- (وأنذر عشيرتك الأقربين* واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)[8]، فقد تضمنت الآية الثانية أمراً مولوياً لرسول الله(ص) أن يخفض جناحه للمؤمنين، وهي واردة في إحدى السور المكية، ومن المعلوم أن معنى خفض الجناح، يعني التواضع للمؤمنين، ومتى خالف رسول الله(ص) ذلك الأمر المولوي بقول أو فعل كان مرتكباً ذنباً ومعصية، وحاشى أن يصدر ذلك من رسول الله(ص).

 

الثاني: ما جاء في سياق قوله سبحانه وتعالى:- (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين)، قال سبحانه:- (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين)، وهي نازلة في أول الدعوة المحمدية، وقد تضمنت أمراً مولوياً للنبي(ص) بخفض الجناح للمؤمنين ويكون ذلك بالتواضع إليهم، واحترام إيمانهم، وقد تضمنت أيضاً نهياً لرسول الله(ص) أن يمدّ عينيه للدنيا ولأهلها.

ومن الواضح أن صدور العبوس منه(ص) والإعراض مخالف لهاتين الآيتين، ما يجعل الخبر الذي تضمن ذلك مخالفاً للقرآن الكريم، فيسقط عن الحجية.

 

وأما القاعدة العقلية، فلمانعين في المقام:

أحدهما: مخالفة النص المذكور لقانون العصمة الثابتة بصورة مطلقة للنبي الأكرم محمد(ص)، ذلك أن مقتضى القبول بالخبر المذكور، البناء على صدور المعصية منه(ص) ولا أقل من أنه قد خالف الأولى كما قيل، وتظهر المخالفة بملاحظة الأمرين المولويـين المتوجهين إليه(ص) في كيفية التعامل مع المؤمنين، فعندما يعبس(ص) في وجه عبد الله ابن أم مكتوم يكون مخالفاً لهذا الأمر الإلهي، وعاصياً بفعله الذنب. وهذا يخالف ما ثبت في محله من ثبوت العصمة له(ص) بقول مطلق، فيلزم رفع اليد عن الخبر المذكور.

 

ثانيهما: صدور القبيح منه(ص)، وهو لا ينسجم مع ما وصف به(ص) من كمال الأخلاق وسموها، وقد وصفه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، بأنه على خلق عظيم، قال تعالى:- (وإنك لعلى خلق عظيم)[9]. قال السيد المرتضى(ره): وقد عظم الله تعالى خلقه(ص)، فقد قال تعالى في سورة(ن) والتي اتفقت الروايات على نزولها بعد سورة اقرأ وقبل نزول سورة عبس:- (وإنك لعلى خلق عظيم)، فكيف يعقل أن يعظم الله تعالى خلقه في أول بعثته ويطلق القول في ذلك، ثم يعود فيعاتبه على بعض ما ظهر من أعماله الخلقية ويذمه بمثل التصدي للأغنياء وإن كفروا، والتلهي عن الفقراء وإن آمنوا واسترشدوا[10]. وقد حكى هذا الكلام عنه(ره) أيضاً صاحب الميزان(قده)[11].

 

على أننا لو رفعنا اليد عن كل ما تقدم، فإنه يكفي لرفع اليد عن الخبر المذكور، ما تضمنته كلمات العلامة الطباطبائي(ره)، من أن الخليفة الإلهي في الأرض لابد وأن يكون مظهراً لأسماء الله تعالى الحسنى، ولصفاته الكمالية، وهذا يستدعي أن يكون منـزهاً عن كل عيب ونقص، وان لا يفعل ما ينافي الكمال أبداً، وممن الواضح جداً أن العبوس نحو من أنحاء العيوب والنقص التي لا تنسجم مع الخلافة الإلهية في الأرض، قال(قده): الخلافة هي قيام شيء مقام آخر لا تتم إلا بكون الخليفة حاكياً للمستخلف في جميع شؤونه الوجودية وآثاره وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلف، والله سبحانه في وجوده مسمى بالأسماء الحسنى متصف بالصفات العليا، من أوصاف الجمال والجلال، منـزه في نفسه عن النقص ومقدس في فعله عن الشر والفساد جلت عظمته، والخليفة الأرض بما هو كذلك لا يليق بالاستخلاف ولا يحكي بوجوده المشوب بكل نقص وشين الوجود الإلهي المقدس المنـزه عن جميع النقائص وكل الأعدام[12].

 

ولنختم المقام بنقل ما ذكره السيد المرتضى(ره) في كتابه تنـزيه الأنبياء، قال(قده): أما ظاهر الآية فغير دال على توجهها إلى النبي(ص)، ولا فيها ما يدل على أنها خطاب له، بل هي خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه، فيها ما يدل عند التأمل على أن المعني بها غير النبي(ص)،، لأنه وصفه بالعبوس وليس هذا من صفات النبي(ص) في قرآن ولا خبر مع الأعداء المباينين، فضلاً عن المؤمنين المسترشدين، ثم وصفه بأنه يتصدى للأغنياء، ويتلهى عن الفقراء، وهذا مما لا يصف به نبينا (ص) من يعرفه، فليس هذا مشبهاً لأخلاقه الواسعة وتحننه إلى قومه وتعطفه، وكف يقول له(ص):- (وما عليك ألا يزكى)، وهو(ص) مبعوث للدعاء والتنبيه؟ وكيف لا يكون ذلك عليه وكان هذا القول إغراء بترك الحرص على إيمان قومه؟ وقد قيل: إن هذه السورة نزلت في رجل من أصحاب رسول الله(ص) كان منه هذا الفعل المنعوت فيها، ونحن وإن شككنا في عين من نزلت فيه فلا ينبغي أن نشك في أنها لم يعن بها النبي(ص)، وأي تنفير أبلغ من العبوس في وجوه المؤمنين، والتلهي عنهم، والإقبال على الأغنياء الكافرين؟ وقد نزه الله تعالى النبي(ص) عما دون هذا في التنفير بكثير[13].

 

منع دلالة الآية على المدعى:

ثم إنه لو قيل بالبناء على ثبوت نزول الآيات الشريفة في النبي(ص)، فإنها لن تكون صالحة للدلالة على إمكان الاجتهاد من النبي(ص)، فضلاً عن وقوعه، وذلك لأمرين:

الأول: إن ما صدر من النبي(ص) من فعل كان امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعال، وتنفيذاً لما أمر به تعالى، لقوله سبحانه:- (وأنذر عشيرتك الأقربين)، فقد كان رسول الله(ص) مأموراً بالإنذار، وظاهره التقديم على التعليم، فهو مطلوب أولاً وقبل كل شيء بممارسة عملية الإنذار، وهذا هو الذي قام به رسول الله(ص)، ولم يكن الفعل الصادر منه(ص) من عند نفسه حتى يتوهم أنه اجتها منه(ص)، في هذه الحادثة.

الثاني: إنه بعد التسليم بعدم وجود أمر متوجه له(ص) بالإنذار، فإن الآيات الشريفة لا تتضمن حكماً شرعياً مترتباً عليه حتى يكون لحصول الاجتهاد وصدوره منه(ص) معنى، لأنه حتى يبنى على ربطها بذلك، لابد من البناء على إلغاء خصوصيتها والتعدي منها، لتكون دالة على إمكانية تحقق الاجتهاد منه(ص) حتى في التشريعات، وهو خلاف المتفاهم العرفي جزماً.

 

 

 

[1] سورة عبس الآيات من 1-10.

[2] تنـزيه الأنبياء ص 118.

[3] تفسير الرازي ج ص

[4] تفسير البصائر ج 52 ص 308.

[5] سنن الترمذي ج 5 ص 104، مسند أبي يعلى الموصلي ج 8 ص 161، صحيح ابن حبان ج 2 ص 294.

[6] مجمع البيان ج 10 ص 266.

[7] مجمع البيان ج 7 ص 266.

[8] سورة الشعراء الآيتان رقم 214-215.

[9] سورة القلم الآية رقم

[10] تنـزيه الأنبياء ص 118.

[11] الميزان ج 20 ص 203.

[12] الميزان ج 1 ص 115.

[13] تنزيه الأنبياء ص 118-119. بحار الأنوار ج 17 ص 77-78.