21 أكتوبر,2019

الاجتهاد النبوي (1)

اطبع المقالة اطبع المقالة
الاجتهاد النبوي(1)

 

خلت كتب أصول الفقه الأمامي من الحديث حول مسألة الاجتهاد النبوي، وقد اختلف المتعرضون منهم إليها في كتبهم، فبين من نفى ذلك بصورة مطلقة، كشيخ الطائفة(ره) في كتابه العدة، ومن أشار إلى إمكان ذلك لا وقوعه، كالسيد المرتضى والمحقق الحلي. بل قد صرح الشيخ البهائي(ره)، بأن منع ثبوت ذلك عليه إجماع الطائفة، وعدّ العلامة المجلسي(ره) أن ذلك هو دين الإمامية. ومرد ذلك إلى ما يعتقدونه من ثبوت العصمة المطلقة للنبي(ص)، وعلم الغيب اللدني، فلا يكون محتاجاً بعد ذلك للاجتهاد وممارسته.

وعلى خلاف ذلك كانت حركة المسألة المذكورة في كتب الجمهور، فقد أخذت عناية خاصة، ونالت أهمية من البحث، ووقع الخلاف فيها بينهم، ما بين الإمكان والوقوع.

فوقع البحث بينهم في أنه(ص) يمارس الاجتهاد في غير ما يوحى إليه، ولا أقل في الموضوعات الخارجية التي لا ربط لها بأصل التشريع، مثل تأبير النخل، وإدارة الحرب، وكذا في الحوادث الجزية، أم أنه لا يصدر منه شيء من ذلك.

 

إمكان الاجتهاد النبوي:

ونعني بالإمكان، قابلية أن يتعبد الله سبحانه وتعالى نبيه(ص) بالاجتهاد، وإمكانية حصوله من النبي(ص) في النص أو خارجه عقلاً، وقد أختلف القائلون بذلك على أقوال:

 

الأول: ما بنى عليه كثير من علماء الجمهور، كمالك وأحمد، وأبي يوسف والغزالي، والآمدي، والفخر الرازي، وابن تيمية، وأختاره من علمائنا السيد المرتضى، والمحقق الحلي(ره)، من القول بالجواز مطلقاً، فيجوز للنبي الأكرم محمد(ص) الاجتهاد دونما قيد ولا شرط.

الثاني: البناء على المنع مطلقاً، وهذا هو المعروف بين علماء الطائفة المحقة، بل عن الشيخ البهائي(ره) كما سمعت، دعوى الإجماع عليه[1]، وعدّه العلامة المجلسي غواص بحار الأنوار(قده)، من ضروريات دين الإمامية كما تقدمت الإشارة إليه، قال(قده): فائدة: أقول: قد تقدمت الأخبار المستفيضة في كتاب العلم في أن النبي(ص) والأئمة(ع) لا يتلمون إلا بالوحي ولا يحكمون في شيء من الأحكام بالظن والرأي والاجتهاد والقياس، وهذا من ضروريات دين الإمامية[2].

وهو مختار جماعة من علماء المسلمين أيضاً، بل قد صرح ابن حزم الأندلسي بأن ظن جواز الاجتهاد على الأنبياء كفر عظيم[3].

الثالث: الالتـزام بالتفصيل بين الأمور الدنيوية وغيرها، فيجوز له(ص) الاجتهاد في الأمور الدنيوية كقضايا الحروب، فيحفر الخنادق، ويقسم الجيوش، بوضع فرقة هنا وفرقة هناك، وغير ذلك، ويتدخل في بعض شؤون الحياة كتأبير النخل، وما شابه ذلك. أما قضايا الدين بكل مضامينه، فلا يجوز له الاجتهاد فيها مطلقاً.

الرابع: الالتزام في المسألة بالتوقف، وعدم الجزم بشيء فيها، لا نفياً ولا إثباتاً.

 

وقوع الاجتهاد النبوي:

بعد التسليم بإمكان الاجتهاد النبوي، وأن الالتـزام به لا يتضمن منافاة، يبحث عن وقوع ذلك منه(ص) في الخارج من عدمه، ومع التسليم بوقوعه، فما هي الأحداث التي اجتهد النبي(ص) فيها.

وكما كان مقام الإمكان محل خلاف بين أهل العلم، فإن مقام الوقوع كذلك أيضا، إذ وجدت عدة أقوال أيضا:

أحدها: الالتـزام بوقوع الاجتهاد من النبي الأكرم محمد(ص)، مطلقاً، وهو منسوب لأحمد ابن حنبل، وأبي يوسف وأختاره الآمدي، بل قيل هو مختار الجمهور.

ثانيها: البناء على وقوع الاجتهاد من النبي(ص) لكن لا مطلقاً، وإنما يقع ذلك منه في حال حصل عنده اليأس من نزول الوحي عليه في الواقعة التي تحتاج حكماً. وقد نسب هذا لقدماء الحنفية، وهو مذهب المتأخرين منهم.

وقد اختلف أصحاب هذا القول في تحديد المدة الزمنية التي يلزم النبي(ص) أن ينتظرها، ليحصل بسبب مضيها اليأس من نزول الوحي، ليسوغ للنبي(ص) الاجتهاد، فقيل: الانتظار مدة ثلاثة أيام. وقيل: أن يخاف فوات الواقعة من دون حصول حكم شرعي فيها، فيكفي ذلك لتحقق اليأس، كما لو سئل عن حكم في صلاة الظهر، فإن وقتها ينتهي بعد أمد محدد، ما يوجب فوات الواقعة التي سئل عنها(ص) دن أن يكون فيها حكم، فإنه يكفي هذا الخوف لحصول اليأس عنده فيجتهد حينئذٍ.

ثالثها: القول بعدم وقوع الاجتهاد من النبي محمد(ص) أصلاً مطلقاً.

رابعها: البناء على التفصيل في المسألة، فيحكم بوقوع الاجتهاد منه(ص) في أمور ما، دون بقية الأمور الأخرى.

 

وق اختلف المفصلون في ذلك:

منها: التفصيل بين الأمور الدنيوية، كشؤون الحرب مثلاً، وبين الأحكام الشرعية، فيلتـزم بوقوع الاجتهاد منه في الأول دون الثاني.

ومنها: التفصيل بين حقوق الله سبحانه وتعالى، وحقوق الناس، فلا يقع منه(ص) الاجتهاد في الأول منهما وهو حقوق الله تعالى، وقد وقع في الثاني، وهو حقوق الناس.

وقد تبين من خلال عرض مقامي الإمكان والوقوع، وبيان الاختلاف الحاصل بين أهل العلم في ذلك، أنه لا مجال للقول بوجود إجماع في المسألة نفياً أو إثباتاً بين المسلمين، نعم يمكن إحراز ذلك بين أهل المذهب الواحد.

 

عدم اختصاص الاجتهاد بالنبي الأكرم:

لا يذهب عليك، أنه لو بني على مشروعية الاجتهاد في حقه(ص)، سواء بنحو الإمكان فقط، أم بنحو الوقوع أيضاً، فلن يكون ذلك مختصاً به(ص)، بل سوف يكون جارياً في بقية الأنبياء(ع) أيضاً، لعدم وجود ما يوجب الاختصاص به(ص).

ومجرد كون الأدلة المستند إليها نفياً وإثباتاً مختصة به(ص)، وأنه موضوعها، لا يوجب ذلك، لأن الظاهر أن ذلك كان بلحاظ منصب النبوة والرسالة، وليس بلحاظ شخصه الشريف(ص).

بل إنه سوف يكون البحث جارياً في شأن الأئمة الأطهار(ع) أيضاً، فيلتـزم بجريان ذلك في حقهم، كما يجري في شأن جدهم المصطفى(ص).

 

العلاقة بين الاجتهاد النبوي وحجية السنة:

وسوف يترتب على القول بمشروعية الاجتهاد النبوي، إمكاناً ووقوعاً، قابلية التشكيك في حجية السنة النبوية، وهي كما عرفت في كلمات الأعلام: قول النبي، أو فعله، أو تقريره[4]، فإذا كان يمكن حصول الخطأ من النبي(ص)، في اجتهاده، ولن يقره الله تعالى على خطأه، فسوف تفقد السنة حجيتها في كل ما اجتهد فيه.

أما لو رفضت فكرة الاجتهاد منذ البداية، ومنع من قبولها من رأس، أو قبلت مع الالتـزام بعدم حصول الخطأ منه(ص)، لكونه معصوماً، فلا مجال للتشكيك في حجيتها أصلاً، لأنها تكون مطابقة للواقع.

 

العصمة والاجتهاد النبوي:

قد عرفت ضعف الاهتمام بهذا البحث في كتب الشيعة الإمامية، وعدم عنايتهم به، جراء قولهم بالعصمة المطلقة للنبي الأكرم محمد(ص)، وأنه يعلم الغيب بالعلم اللدني، لأن القول بها يمنع من حصول الخطأ من النبي(ص) في كل ما يصدر عنه، وأنه يكون موافقاً ومطابقاً للواقع.

 

نعم لو بني على حصر مورد جريانها في خصوص التلقي لما يوحى إليه(ص)، وقيامه بتبليغه للمسلمين، فلا تشمل العصمة موارد التطبيق، والامتثال بعد ذلك، أمكن البناء على تصور الخطأ في ما يصدر من اجتهاد عن النبي الأكرم محمد(ص).  وأوضح من ذلك ما لو منع من ثبوت العصمة له(ص).

 

وربما قيل، بنفي الملازمة في المقام، فلا محذور من الالتـزام بثبوت العصمة للنبي(ص)، والالتـزام بحصول الاجتهاد منه(ص)، وإمكانية حصول الخطأ والاشتباه عنده، وذلك من خلال تحديد المقصود من العصمة، سعة وضيقاً، فلو بني على أنها منحصرة في خصوص نفي الذنب والمعصية، فيكون معنى كونه(ص) معصوماً يعني أن لا يصدر منه ذنب ولا معصية، وهذا قد يتحقق حال صدور قول أو فعل من رسول الله(ص) معتمداً في ذلك على الظن وعدم العلم، أو يجتهد(ص) في أمر من الأمور، ثم يتبين موافقته للواقع، فإنه لن يكون قد صدر منه معصية، ولا ذنب. فيلتزم بصدور الاجتهاد منه، مع عدم منافاته للعصمة.

 

نعم لا يتصور منع الملازمة في المقام بين العصمة ونفي الاجتهاد، إذا كانت العصمة تستبطن العلم اللدني، فعندها لن يصدر منه(ص) فعل أو قول عن ظن أو عن اجتهاد، وإلا كان منافياً لقانون العصمة، ولو لم يخطأ(ص) في اجتهاده، لأن الاجتهاد متى كان يستبطن الظن وعدم العلم، يكون منافياً لكونه(ص) يعلم علماً لدنياً.

 

ومع أنني لم أقف على قائل من علمائنا بهذا المعنى الضيق للعصمة، بل حتى من عرفها منهم(رض) بهذا المعنى نظره لذكر اللازم وإرادته للملزوم، وهو أن له(ص) اطلاعاً وانكشافاً للحقائق فيعرفها كما هي فيكون ذلك مانعاً له(ص) من أن يقدم على فعل الذنب والمعصية، أو يخطأ الصواب الذي يلزم سلوكه واتخاذه.

 

فإنه لا مجال للقبول بالنتيجة المذكورة حتى على هذا المعنى الضيق للعصمة، لأنه مبني على التفكيك بين العلم اللدني للنبي(ص) بالغيب، وبينها، فيحكم بأنه معصوم عن خصوص المعاصي والذنوب، ويغفل عن الإشارة إلى علمه اللدني بالغيب، والمفروض أنهما لا ينفكان عن بعضهما، لأن ثبوت العصمة له وإن كان بالمعنى الضيق المذكور، لا ينفي وجود العلم اللدني عنده(ص)، ومع وجوه سوف يكون صدور العمل بالظن منه، والاجتهاد منافياً لذلك.

والحاصل، إن مقتضى الالتـزام بثبوت قانون العصمة، والعلم اللدني للنبي(ص)، يمنعان من الالتـزام بثبوت الاجتهاد له(ص) مطلقاً.

 

………………………………………………

[1] زبدة الأصول ص 161.

[2] بحار الأنوار ج 17 ص 155.

[3] الإحكام لابن حزم ج 5 ص 699.

[4] هي عند علماء الطائفة المحقة، قول المعصوم، أو فعله، أو تقريره، وإنما حصر التعريف بشخص النبي(ص)، لأن الحديث عن حجية السنة النبوية.