10 أغسطس,2020

التكليف طريق القرب

اطبع المقالة اطبع المقالة

 

التكليف طريق القرب

 

لقد أوجبت غفلة بعض الحداثيـين عن الإحاطة بالغايات التي من أجلها جعل الله سبحانه وتعالى التشريعات السماوية كثرة الإعتراض منهم على الشريعة الإسلامية، والتعاليم الدينية، حتى صاروا يوسمون الدين بسمات لا يليق وسمه بها، خصوصاً وأن هذه التشريعات تعود في النهاية للشارع المقدس، فتارة تراهم يسمونه بكونه ذكوري المنهجية، وأخرى بعدم موافقته للقوانين الاقتصادية الحديثة، وغير ذلك.

وتختلف الاعتراضات والانتقادات الموجهة للشريعة والدين حسب اختلاف الموضوع المعروض، فلو كان الموضوع مرتبطاً بالمرأة مثلاً، مثل مسألة تعدد الزوجات، وأن الطلاق بيد الرجل، لأنه من أخذ بالساق، ومسألة الحجاب، وأنه لا يجوز لها تولي القضاء، ولا التصدي لإمامة الرجال، وسموا الدين بالذكورية.

أما لو كان الموضوع مرتبطاً بالمعاملات، كالبيع والشراء، والقرض، بحيث يكون الموضوع مرتبطاً بالبعد المالي مثلاً، كان الدين بعيداً عن النظريات الاقتصادية، وهكذا تتعدد الادعاءات منهم حسب ما يعمدون للنظر فيه من تشريعات ولا يقدرون على استيعابها بعقولهم.

ولا يتصور حصر موارد اعتراضهم على خصوص هذين البعدين اللذين ذكرنا، بل هناك موارد متعددة يجدها القارئ في كلماتهم.

وقد كان منشأ هذه الاعتراض عدم قدرتهم على معرفة فلسفة تلك التشريعات السماوية، والإحاطة بملاكاتها التي دعت إلى جعلها.

ومن الواضح أنه متى تم الإحاطة بالغايات التي من أجلها جعلت التشريعات الإلهية، والتكاليف السماوية، ولو في الجملة، كان ذلك سبيلاً للوقوف أما هذه الأمور، فضلاً عن أنه يبرز مدى اهتمام الله سبحانه وتعالى بعباده.

ولا تنحصر فائدة هذا البحث في خصوص الإجابة عن تلك الاستفسارات الموجودة عند هؤلاء، بل إنه يجيب على تساؤلات الكثيرين عن الدوافع التي من أجلها جعل الله سبحانه وتعالى هذه النظم والقوانين والتشريعات.

عجز العقل البشري عن معرفة فلسفة التشريع:

إن مقتضى توقيفية الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات، مانع من قابلية العقل البشري على الإحاطة بفلسفة التشريع للأحكام الشرعية وملاكاتها، فإنه لا يمكنه معرفة سبب اختلاف عدد ركعات الصلاة، كما لا يمكنه أن يقف على السرّ في كون الغسل لابد وأن يكون بكيفية خاصة، ولا يكفي مجرد غمر البدن تحت الماء بأي كيفية كانت، كما أنه يصعب عليه معرفة السبب في اختلاف أنواع الكفارات، مع أنها تكون لواجب واحد، كالحج مثلاً، أو صوم شهر رمضان، ومثل ذلك الكلام يأتي في مناسك الحج، فلماذا لا يجوز الطواف داخل حجر إسماعيل، وما هو السبب في أن تكون الكعبة الشريفة حال الطواف، على يسار الطائف، وليس على يمينه. وأيضاً الكلام يجري في أنواع الحدود.

ومن الواضح أن جملة من الأمور التي ذكرناها تعتبر من ضروريات الدين، ومع ذلك لا يملك العقل البشري القدرة على معرفة السر وراء تشريعها بهذه الكيفية.

ولا يعني قولنا عجز العقل البشري عن إدراك فلسفة التشريعات الإلهية، أنها غير معلومة مطلقاً، لأن هناك بعض الموارد قد كشف الشارع المقدس فيها عن الملاكات التي تؤثر في التشريع، وهذه الموارد نوعان:

الأول: ما يكون الملاك المكشوف عنه مأخوذاً بصورة جزئية للتأثير، وليس بصورة كلية، وهذا الذي يعبر عنه بالحكم والمصالح.

الثاني: ما يكون مأخوذاً بنحو التأثير الكلي التام، وهذا ما يعبر عنه بالعلة المنصوصة.

ومع عجز العقل البشري عن الوقوف على فلسفة التشريع، إلا أن ذلك لا ينفي قدرته على إدراك ملاكات بعض الأحكام التي يستقل بإدراكها، مثل: وجوب شكر المنعم، وحرمة الظلم، وقبح الكذب، وحسن العدل، وحسن الصدق، وغير ذلك من الموارد.

إلا أن هذه الموارد من القلة بمكان بلحاظ التشريعات الصادرة عن الشارع المقدس، فلا تقاس بها. ويؤيد ما ذكرناه، من عجز العقل البشري عن الوقوف على ذلك، رواية القتيبي مع الفضل بن شاذان فيما نطق به من علل الشرائع والأحكام، حيث قال له: أخبرني عن هذه العلل أذكرتها من الاستنباط والاستخراج وهي من نتائج العقل، أو هي مما سمعته ورويته. فأجابه: ما كنت لأعلم مراد الله تعالى بما فرض، ومراد رسول الله(ص) بما شرع وسن، ولا أعلل ذلك من ذات نفسي، بل سمعتها من مولاي أبي الحسن علي بن موسى الرضا(ع) المرة بعد المرة، والشيء بعد الشيء فجمعتها[1].

ويساعد على ما ذكرنا، أمور ترتبط بالعقل البشري:

أحدها: تأثر العقل البشري بالجانب الانفعالي والحيواني من النفس كالغرائز النفسية والدوافع الحيوانية التي تستقر في النفس البشرية، وتحتاج جهداً طويلاً حتى يمكنها التخلص منها.

ثانيها: يتأثر العقل البشري بالرواسب اللاشعورية والأعراف والتقاليد التي يرثها الإنسان من البيئة الاجتماعية، والتي تنتقل في المجتمع مع الأجيال من دون أن تفقد تأثيرها الخاص واطارها الاجتماعي الذي يتخذ صفة القدسية في المجتمع.

ثالثها: قصور العقل البشري عن الإحاطة بمسائل الكون والنفس والاجتماع وضعف المدارك الحسية التي تربط الانسان بالواقع الاجتماعي والنفسي والكون الذي يعيشه[2].

دوافع التشريع:

وبعد الوقوف على عجز العقل البشري عن القدرة على معرفة العلل والدوافع التي جعلت التشريعات السماوية من أجلها، يبقى التساؤل باقياً، لماذا جعل الله عز وجل هذه التكاليف على رقاب العباد، وهو سبحانه وتعالى الغني المطلق عنهم، وعن عباداتهم، فليس محتاجاً لا لصلاتهم، ولا لصومهم، ولا لحجهم، أو زكاتهم، أو خمسهم، وهكذا؟

توجد في كلمات علماء الإسلام أجوبة متعددة، نشير إليها:

الأول: ما عليه جمهور المسلمين، وحاصله: يعتقد المسلمون جميعاً أن التشريعات الالهية قد صدرت عن الشارع المقدس بناء على وجود مصلحة فيها أو مفسدة، ومن هنا اشتهر القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، بمعنى أنه لا يوجد تشريع إلزامي في جانب الفعل إلا وفيه مصلحة، ولا يوجد تكليف إلزامي في جانب الترك إلا وفيه مفسدة، فلا يأمر الله تعالى إلا لوجود مصلحة، ولا ينهى سبحانه وتعالى إلا لوجود مفسدة، ويدل على ذلك نصوص:

منها: ما رواه الصدوق(ره) بسنده في العلل عن جميل، عن أبي عبد الله(ع) أنه سأله عن شيء من الحلال والحرام، فقال(ع): إنه لم يجعل الله شيئاً إلا لشيء[3].

وجاء في كتاب الفقه الرضوي[4]: إن الله تبارك وتعالى لم يـبح أكلاً ولا شرباً إلا لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلا ما فيه الضرر والتلف والفساد[5].

كما تضمن بعض النصوص ذكر بعض المفاسد المترتبة على فعل المحرمات، فقد ورد عن الإمام الباقر(ع) قوله: إن مدمن الخمر كعابد وثن، ويورثه الارتعاش، ويهدم مروته، ويحمله على التجسر على المحارم من سفك الدماء، وركوب الزنا[6].

وعن مولانا أبي الحسن الرضا(ع) أنه قال في الدم: إنه يسيء الخلق ويورث القسوة للقلب، وقلة الرأفة والرحمة ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده[7].

كما يمكن استفادة ذلك من بعض الآيات القرآنية مثل قوله تعالى:- (وأقم الصلاة إن الصلاة تـنهى عن الفحشاء والمنكر)[8]، وقوله تعالى:- (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة)[9].

بل يكفينا للبناء على كون التشريعات السماوية ملحوظ فيها وجود المصلحة والمفسدة في التشريع أن ذلك مقتضى الحكمة الإلهية، فإن كونه سبحانه وتعالى حكيماً يمنع من أن يصدر منه شيء جزافاً، ومن دون غاية يسعى للحصول عليها.

ومقتضى أن التشريعات السماوية صادرة وفق مصالح ومفاسد أمرية، يستدعي السعي من المكلفين لتحصيل المصالح، والحذر من الوقوع في المفاسد. لأن جميع ما جعل منه سبحانه وتعالى لأجل مصلحتهم، ولرشدهم وكمالهم.

نعم وقع القائلون بثبوت المصالح والمفاسد في اختلاف أن المصالح ثابتة في الأشياء قبل أن يصدر الأمر الإلهي بها، وكذا المفاسد قبل حصول النهي عنها، أم أن ذلك يكون بعدما صدر الأمر والنهي، فهنا قولان:

أحدهما: ما عليه الأشاعرة، وحاصله: البناء على عدم وجود مصلحة أو مفسدة في الشيء نفسه بما هو هو، نعم إذا صدر الأمر من الشارع المقدس بالشيء صار ذا مصلحة، وإذا نهى الشارع المقدس عن شيء صار ذا مفسدة، فالصلاة مثلاً ليس فيها مصلحة في نفسها بما هي هي، إلا أنه لما أمر الشارع المقدس بها صارت ذات مصلحة، والكذب بما هو هو ليس فيه مفسدة، إلا أنه لما جاء النهي عنه من قبل الشارع صار ذا مفسدة، وهكذا.

والحاصل، إن الشيء إنما يكون ذا مصلحة أو ذا مفسدة بعد حصول التكليف الإلهي به لا قبله.

وطبقاً لهذا الرأي يتضح أن كافة التكاليف الصادرة عنه سبحانه وتعالى لابد وأن تكون متضمنة للمصلحة ما دام ذلك في جانب الأمر، ومتضمنة لمفسدة ما دام ذلك في جانب النهي.

ثانيهما: ما عليه العدلية، وهو الالتـزام بثبوت المصالح والمفاسد قبل صدور الأوامر والنواهي الإلهية بها، وهي موجودة في متعلقات الأحكام، وتجري هذه المصالح والمفاسد في عالم التشريع مجرى العلل التكوينية من استتباعها للأحكام وأنها لازمة الاستيفاء[10].

وهذا الرأي وإن كان يتفق مع سابقه في وجود المصلحة والمفسدة، إلا أنه يختلف عنه أن وجودها سابق على صدور الأمر أو النهي الإلهي، بمعنى أن ذات الفعل بما هو هو يتضمن مصلحة، دعت للأمر به، قبل صدور الأمر، وذات الفعل يتضمن مفسدة قبل صدور الأمر به.

الثاني: ما أختاره بعض الأكابر(قده)[11]، وحاصله التفصيل بين العبادات والمعاملات، حيث ذكر خلو الأوامر والنواهي المتعلقة بالعبادات من المصالح والمفاسد قبل أن تتعلق بها الأوامر والنواهي الإلهية. إلا أنه بعدما صدر الأمر من الباري سبحانه وتعالى، أو صدر النهي منه سبحانه، فإنها تتحقق المصلحة لأنها تحقق الامتثال والعبودية له تعالى، فالمصلحة في باب العبادات هي ترويض على الامتثال والعبودية، والطاعة له سبحانه وتعالى.

وهذا يتجلى بصورة واضحة في موردين:

الأول: بعض الواجبات الحقيقية والمرادة جداً لله سبحانه وتعالى، كالحج مثلاً، فإن التأمل في واجباته، وكيفية أداء المكلف لتلك التكاليف، يقف على أن المصالح ليست فيها بما هي هي، وإنما بما هي محققة لعنوان الطاعة والامتثال لأمر الله تعالى والاعتراف له سبحانه وتعالى بالعبودية، فأي فرق بين أن يكون الإنسان مبتدأ لطوافه باليمين أو اليسار، وما هو السر في كون الطواف خارج حجر إسماعيل، وليس داخله، ومثل ذلك يكون في السعي، فلماذا يكون الابتداء بالصفا، وليس بالمروة، وكذلك يأتي هذا في الجمرات أيضاً. بل هذا يجري في الدم المعفو عنه، مع أن أنواع الدم واحدة لا تختلف في كون الجميع دماً، فلماذا يكون بعضه معفواً عنه، والآخر ليس كذلك، وهكذا.

الثاني: الواجبات الامتحانية، والتي تصدر عنه تعالى امتحاناً لبعض عباده، كقضية أمر خليل الرحمن إبراهيم(ع) بذبح ولده إسماعيل(ع)، فإنه لا يختلف اثنان في أن الذبح المذكور ينطوي على مفسدة، بل مفسدة عظيمة، إلا أن أمر الله تعالى يكون حاكماً على تلك المفسدة، لتكون المصلحة في الامتثال والانقياد والإقرار بالعبودية له سبحانه وتعالى.

ومقتضى كلامه(ره) أنه لن يكون في متعلق الأمر بالعبادة مصلحة ثابتة، وهذا بخلاف ما عليه العدلية، من المعتزلة ومشهور علماء الطائفة، من أن المصلحة أو المفسدة في متعلق الأوامر، والنواهي وليس فيها.

وقد كان سبب لجوء العدلية للقول بأن المصلحة والمفسدة في المتعلق، وليس في الأمر والنهي، الحذر من إشكال يرد على تعلق المصلحة والمفسدة بهما، وحاصله: أنه لو كانت المصلحة والمفسدة متعلقة بنفس الأمر والنهي، فإنهما يتحققان بمجرد صدور الأمر والنهي، ولن يكون هناك ما يدعو للإتيان بمتعلق الأمر والنهي، فعالجوا ذلك بأن المصلحة والمفسدة في نفس المتعلق.

ولعل ما ألجأ بعض الأكابر(ره) للقول بتعلقهما بنفس الأمر الصادر، وليس بالمتعلق هو أنه لو تحققت المصلحة أو المفسدة، بأن وقف العقل على المصلحة أو المفسدة، أو صادفهما اتفاقاً، فإنه يتحقق الامتثال، ولم يعد للأمر والنهي حاجة داعية لصدورهما. وهذا يجعل الأوامر والنواهي إرشادية وليست مولوية، لأن العقل يحكم بوجوب الطاعة والامتثال على وجود المصلحة أو الاجتناب والانزجار لوجود المفسدة، ولا علاقة له بأن الأمر والنهي قد صدرا ممن له حق المولوية.

ويظهر معنى هذا واضحاً في الأوامر الامتحانية، فلو أن العقل أدرك أن المصلحة ليست في الإقدام على ذبح اسماعيل، بل المفسدة فيه، فإنه سوف يحكم بعدم وجوب المتابعة والموافقة للعمل المذكور.

وهذا لا يرد على مختاره(ره)، وإن بنى على أن المصلحة والمفسدة متعلقة بالأمر والنهي، لأنه يرى أنها لن تتحقق المصلحة أو المفسدة بمجرد الاتيان بالفعل، بل لابد من إظهار عنصر العبودية والتذلل والخضوع.

ولا يتوهم أحد أن مختاره(ره) متوافق وما عليه الأشاعرة، ضرورة أنه(رض) قائل بثبوت الحسن والقبح العقليـين وهم منكرون لذلك، مضافاً إلى أنه يقرر وجود المصلحة في نفس الأمر، فلا يصدر أمر عنه سبحانه وتعالى إلا لمصلحة تقرر حصول الامتثال والعبودية من العبد له، وهذا الأمر بحاجة إلى متعلق يمتثل من خلاله، ليكون موجوداً في الخارج.

الثالث: ما أختاره بعض الأساتذة(وفقه الله)، وهو يقوم على مقدمات ثلاث:

الأولى: إن الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان لغاية، ولم يخلقه عبثاً، قال تعالى:- (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون)[12]، والغاية التي خلق الإنسان من أجلها أن يكون قريباً من الله تعالى، ويقصد من القرب في المقام القرب المعنوي، وهذا يكون بالتخلق بأخلاق الله سبحانه وتعالى علماً وعملاً.

ولا يحصل قربه من الله عز وجل إلا إذا دخل الإنسان في حصن الولاية الإلهية الخاصة، قال تعالى:- (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)[13]. والمقصود من الولاية هي الولاية الخاصة التي ينص عليها تعالى في العديد من آياته، مثل قوله سبحانه:- (والله ولي المؤمنين)[14]، وليست الولاية العامة الموجودة لجميع الموجودات.

الثانية: يمكن للإنسان أن يدخل في ولاية الله سبحانه وتعالى الخاصة من خلال اظهار عنصر العبودية للباري سبحانه وتعالى، وهذا موضع اتفاق بين المحققين. ويكون هذا بامتثال جميع ما صدر منه سبحانه وتعالى من أوامر، واجتناب ما صدر منه عز وجل من نواهي. ويشير إليه قوله تعالى:- (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك)[15]، فالتسليم والانقياد يكونان طريقين للوصول إلى الكمال الحقيقي، ونيل القرب الإلهي الذي هو غاية خلق الانسان، وهذا هو منشأ تركيز القرآن الكريم على مسألة الانقياد والعبودية والتسليم التام له سبحانه وتعالى، قال سبحانه:- (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين).

ومن المعلوم أنه ليس المقصود من الاسلام في الآية التشهد بشهادة التوحيد، فإنه كان نبياً عند صدور هذا منه، كما أن تسليمه لم يكن من أجل المصلحة الموجودة، بل كان تسليمه انقياداً وامتثالاً لأمر الله تعالى، ولهذا جاء في ذيل الآية الشريفة:- (واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة)، ولهذا فسرت الأمة المسلمة في الآية الشريفة بالنبي الأكرم محمد(ص) والأئمة الأطهار(ع). وهذا ينسجم كثيراً مع قول أمير المؤمنين(ع): ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك. لأنه لو كانت المصالح هي الأساس ما كان لعبادة أمير المؤمنين(ع) معنى.

وقد أشار لهذا المعنى السيد الطباطبائي(ره) حيث ذكر أن المدار في الثواب والعقاب هو الإطاعة والانقياد والتمرد والعناد[16].

الثالثة: إن امتثال الأوامر الإلهية يحتاج إلى طريق معين ووسيلة خاصة، لأنه يصعب على الإنسان الوصول إلى ذلك من خلال عقله البشري، فإنه عاجز عن الوقوف على ذلك ومعرفته، لأن الله تعالى لم يخلق الإنسان من أجل أن يعيش ويخلد في عالم الدنيا، بل ليخلد في عالم الآخرة، والدنيا مجرد ممر يحقق من خلاله الهدف الذي قد خلق من أجله.

ولما كان عالم الآخرة لا يقع تحت قدرة الإنسان وسلطانه، لذا قلنا بأنه لا يمكنه معرفة ما يوجب له نفعاً أو ضرراً في ذلك العالم. فإنه مهما بلغ وجوده في هذه الدنيا، لن يتمكن من الوصول إلى أن صلة الرحم تطيل العمر، وأن دفع الصدقة يدفع عنه ميتة السوء.

والطريق الذي يمكن للإنسان معرفة ما يلزمه امتثاله، واجتناب ما عليه تركه من خلال الوحي، الذي يصله عن طريق الأنبياء(ع)، وهذا يشير إلى واحد من أهداف بعثة الأنبياء، وإرسال المرسلين(ع).

ومن خلال ما تقدم، يتضح أن الهدف الإلهي ليس مجرد ترويض الإنسان على العبودية والامتثال، كما ذكر ذلك بعض الأكابر(ره)، وإنما هما غاية متوسطة ينتقل من خلالهما الإنسان إلى حصن الولاية الإلهية.

ومع ملاحظة المقدمات المذكورة، يتضح أن الأوامر والنواهي الإلهية عبارة عن مقدمات موصلة للحصول على القرب الإلهي، وهذه المقدمات لا يستغنى عنها، حتى مع تحقق ذيها، لأن مطلوبيتها تكون متوسطة دائماً، فلا يستغنى عن العبادة حتى مع تحقق الغاية المذكورة، بل الحاجة إليها ثابتة ابتداء وبقاءً.

وبالجملة، إن جميع العبادات التي صدرت الأوامر بها من الله سبحانه وتعالى متضمنة لمصلحة سواء في الأوامر، أم في المتعلقات، وذلك لأنها بمثابة المقدمات الموصلة إلى القرب من الله تعالى[17].

خاتمة:

إن المصالح والمفاسد الموجودة في التشريعات الإلهية المجعولة للبشر نوعان:

الأول: ما يكون منها راجعاً إلى آحاد المكلفين، بحيث تكون المصالح أو المفاسد المترتبة عليها مختصة بالفرد الواحد دون غيره، كالواجبات العبادية، كالصوم والصلاة والحج، وغالب المحرمات، كالزنا وشرب الخمر، وغيرهما.

الثاني: ما يكون منها نوعياً، فيرجع للمجتمع جميعاً، وليس لفرد بخصوصه، كالواجبات النظامية، كالطبابة، أو المحرمات الاجتماعية، كالغيبة، والنميمة، وما شابه ذلك[18].

 

[1] علل الشرائع ج 2 ص 274.

[2] مفاهيم القرآن ج 3 ص 265.

[3] بحار الأنوار ج 6 ح 3 ص 110.

[4] وقع الخلاف بين الأعلام في كون الكتاب المذكور نصوصاً مروية عن الإمام الرضا(ع)، أو لا، ومع البناء على كونها نصوصاً عنه(ع)، كيف يتم التعامل معها، وتفصيل ذلك يطلب من محله.

[5] مستدرك الوسائل ج 16 ح 5 ص 165.

[6] بحار الأنوار ج 62 ح 3 ص 165.

[7] المصدر السابق ح 3.

[8] سورة العنكبوت الآية رقم 45.

[9] سورة المائدة الآية رقم 91.

[10] فوائد الأصول ج 3 ص 59.

[11] مباحث الدليل اللفظي ج 4 ص 194(بتصرف).

[12] سورة المؤمنون الآية رقم 15.

[13] سورة البقرة الآية رقم 257.

[14] سورة آل عمران الآية رقم 68.

[15] سورة البقرة الآية رقم 128.

[16] رسالة الولاية ص 34.

[17] الظن دراسة في حجيته وأقسامه واحكامه ص 57-66(بتصرف).

[18] فوائد الأصول ج 3 ص 219.