31 مارس,2020

خلافة علي بالنص(1)

اطبع المقالة اطبع المقالة

نعتقد نحن الشيعة الإمامية أن النبي الأكرم محمد(ص) نصب علياً (ع) بأمر من الله سبحانه وتعالى لمنصبي الإمامة الدينية والخلافة الدنيوية، فكما هو هادٍ للأمة دينياً، هو زعيمها وحاكمها السياسي، وخالف في ذلك بعضهم ففرق بين منصبي الإمامة الدينية، وأنه بالنص من الله سبحانه وتعالى، وبين منصب الخلافة الدنيوية، وأن ذلك كان نصباً من النبي(ص)، وترشيحاً منه، وليس نصاً سماوياً.

ووفقاً لما ذكره هذا القائل، سوف تكون هناك نظريتان:

الأولى: النظرية المعروفة عند الشيعة الإمامية، بل حتى عند الجمهور في معتقد الشيعة، وحاصلها أن النبي(ص) قد أقام أمير المؤمنين(ع) وفي مواضع متعددة، آخرها يوم حادثة غدير خم هادياً للأمة وحاكماً عليها، ولم يفصل بين الإمامة الدينية، والخلافة السياسية، بل كان جميع ما يصدر عنه في تلك المواقف يشير إلى قيامه بكلا المنصبين، ومن تلك المواقف، ما جرى يوم حادثة غدير خم، وقد كان(ص) راجعاً من حجة الوداع، فأمر أن يتأخر المتقدم، ويتقدم المتأخر ثم قام في الناس خطيباً وقت الظهيرة، وبعد أن أقرّ المسلمون له بالولاية المطلقة عليهم، نص على أن علياً(ع) له ذلك، فقال(ص): من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم والي من والاه، وعادي من عاداه.

وقد أقر المسلمون لأمير المؤمنين(ع) في ذلك اليوم بهذا المنصب السماوي، وبايعوه، إلا أنهم بعد رحلة النبي(ص) عن عالم الدنيا، اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وحصل الاختلاف بينهم حتى أقاموا الرجل الأول خليفة عليهم، وبقي الإمام علي(ع) منحياً عن منصبه مدة زمنية تبلغ خمسة وعشرين سنة، حتى بايعه المسلمون بعد ذلك ليقوم بأمور الخلافة الظاهرية إلى أن مضى شهيداً(ع) في محراب صلاته.

وبالجملة، إن منصب الخلافة الذي قد دل عليه حديث الغدير، وغيره من الأدلة، كما يدل على زعامة أمير المؤمنين(ع)، الدينية، فإنه يدل أيضاً على زعامته الدنيوية، لعدم وجود ما يوجب الفصل بينهما.
الثانية: وحاصلها أن تقرير المصير يكون بيد الأمة، وليس لله سبحانه وتعالى دخل في تقرير مصيرها، فهي التي تنتخب من تشاء أن تجعله عليها حاكماً سياسياً وسلطاناً عليها، يتولى إدارة شأنها والقيام به.

اللوازم الباطلة للنظرية الثانية:

ولا يذهب عليك أنه يترتب على القول بهذه النظرية مجموعة من اللوازم الباطلة:

منها: شرعية خلافة الثلاثة الأول الذين تصدوا للخلافة الإسلامية بعد النبي(ص)، وتقدموا على أمير المؤمنين(ع)، على أساس أن هذه الخلافة قد نشأت من خلال تقرير الأمة مصيرها، وهذا ما لا يلتـزم به أحد من أبناء الطائفة المحقة.
ومنها: شرعية خلافة يزيد بن معاوية، لأن المفروض أن الأمة قد أقدمت على مبايعته، وإن كان ذلك من خلال إكراهها على ذلك، إلا أنها في نهاية المطاف قد خضعت وسلمت له بالبيعة.

ولا ينحصر رفض هذا الأمر في خصوص المنتمين لمذهب أهل البيت(ع)، بل يلتـزم بعدم شرعية خلافة يزيد المسلمون إلا من شذ منهم.

ومنها: عدم شرعية القيام على أحد ممن يتصدى لخلافة المسلمين، وإن كان ظالماً جائراً، لأنه سيكون خروجاً على قرار الأمة ورغبتها، وعليه سيكون يكون قتل الصحابي الجليل مالك بن نويرة شرعياً، لأنه قد خرج على قرار الأمة عندما منع شيئاً من حقها برفضه دفع الزكاة لمن قد اختارته الأمة حاكماً عليها. وهذا مما لم يتفوه به حتى أبناء الجمهور، فكيف يتصور أن يلتـزم به من ينتمي للمذهب الحق؟!

وكذا لن تكون معارضة أبي ذر(رض) عنه للرجل الثالث في محلها، لأن المفروض أنه خروج على قرار الأمة وعلى تقريرها لمصيرها.
والأشد من ذلك، أنه لن يكون خروج الإمام الحسين(ع) على يزيد بن معاوية شرعياً، لنفس النكتة. وهو كما ترى.

دواعي اختيار النظرية الثانية:

وقد برر القائل بالنظرية الثانية أن داعيه للبناء عليها واختياره مع قبوله بالنظرية الأولى في الجملة، وجود مجموعة من الأسئلة والإثارات التي تدور حول النظرية الأولى، وعدم وفاء الأجوبة التي ذكرت لبعضها، وعدم الإجابة عن الآخر، ولما كانت النظرية الثانية أسلم من الإشكال، وأبعد من الشبهة والإثارة حولها، تعين اختيارها.

وإن شئت قل، إن مقتضى القسمة الحاصرة بين إحدى النظريتين، يستوجب اختيار النظرية الثانية، لأنه بعد عدم التسليم للنظرية الأولى، لوجود المانع، يتعين اختيار النظرية الثانية، بعد تمامية المقتضي وفقدان الممانع.
وقد جعل القائل بالنظرية الثانية الإثارات المحيطة بالنظرية الأولى والأسئلة الموجهة إليها موانع تمنع من القبول بها، كما جعل فقدان الدليل دليل على عدم قبولها.

وبكلمة أخرى، إن الملاحظ أن القائل بالنظرية الأخرى، قد استند في دعواه إلى أمرين:

الأول: وجود المانع، المتمثل في التساؤلات المطروحة حول النظرية المعروفة حول الخلافة الدنيوية.
الثاني: فقدان المقتضي، لأن الأدلة المستند إليها في إثبات أن خلافة أمير المؤمنين(ع) الدنيوية بالنص من الله سبحانه وتعالى غير ناظرة إلى ذلك، بل أقصى ما يستفاد منها دلالتها على النص عليه في الإمامة الدينية.

أدلة النظرية الثانية:

وقد قدم القائل المذكور لدعواه بأمرين:
الأول: إن مقام الإمامة يستبطن مناصب ثلاثة:

أحدها: منصب الولاية العامة: ويتمثل ذلك في هداية الناس إلى طريق الحق، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، لكون الإمام قدوة وأسوة حسنة لهم على طريق الهداية والكمال الإنساني والمعنوي.

ثانيها: منصب الإمامة في الدين والشريعة: بأن يتصدى المنصوص عليه إلى بيان ما خفي على المسلمين من أحكام الدين والشريعة، وتطبيقاتها ومواردها وجزئياتها، سواء على مستوى العقيدة، ببيان مسائل التوحيد، والنبوة والمعاد، أم كان ذلك على مستوى الأحكام الشرعية من دون فرق بين بابي العبادات والمعاملات، فكما يتصدى لبيان ما يتعلق بالأحكام في الصلاة والصوم والزكاة الحج وبقية العبادات، كذلك يكون مرجعاً للأمة في معاملاتها من بيع وشراء وإجارة، وعقد نكاح، وطلاق ما شابه ذلك. أم في مجال تفسير القرآن الكريم ببيان محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه وغير ذلك.

ثالثها: منصب الخلافة الزعامة الدنيوية: بأن يقوم المتصدي بتدبير أمور المجتمع في أبعاده السياسية والعسكرية والاقتصادية وأمثال ذلك، وهو ما يشير إلى منصب الحكومة على الناس.
وقد يجمع المنصبان الأولان فيعبر عنها بعنوان واحد، وهو منصب الإمامة الدينية، ويكون التعبير عن المنصب الثالث بالخلافة الدنيوية.

الثاني: إن لرسول الله(ص) مراتب عدة ومقامات:

أحدها: مرتبة ومقام النبوة: وهي المرتبة التي تشير إلى ارتباطه بالوحي والتشريع وإبلاغ الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض.
ثانيها: مرتبة ومقام الإنسان الكامل: وهو الذي يأخذ على عهدته مسؤولية إيصال الناس إلى الكمال المطلوب، وتزكيتهم من الشهوات والأهواء.
ثالثها: مرتبة ومقام الحكومة وتدبير أمور الدولة والمجتمع على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي.
رابعها: مرتبة ومقام البشرية: وهي السلوكيات التي تصدر عن النبي(ص) لكونه بشراً كالأكل والشرب والنوم والضرب في الأسواق أمثال ذلك.

وقد قرب القائل دعواه بعد ذلك بما حاصله: إن الالتزام بكون خلافة الإمام عليّ(ع) الدنيوية بالنص تتوقف على أن يكون الصادر عن النبي(ص)، قد صدر عنه وفقاً لمرتبته ومقامه الأول، وهو مرتبة ومقام النبوة، حتى يكون أمراً ملزماً للأمة كبقية الأمور التي تصدر عنه وفقاً لهذه المرتبة. أما لو كان ذلك صادراً عنه وفقاً للمرتبة والمقام الرابع، فلن يكون ملزماً لأحد من الناس لأنه لا يلزم اتباع النبي(ص) في ما يصدر عنه في هذه الأمور.
والذي يستفاد من الأدلة بعد التأمل والنظر فيها، كون الصادر عنه بناء على المرتبة والمقام الرابع، وليس المرتبة والمقام الأول، فحديث الغدير لو كان دالاً على نصب أمير المؤمنين(ع) للخلافة الدنيوية لن يخرج عن كونه نصباً له(ع) وفقاً لمرتبة النبي(ص) ومقامه الرابع، بما هو بشر، وهكذا يجري الحال في بقية الأدلة الأخرى.

ويساعد على ذلك جملة من الاستفهامات المثارة حول كون ذلك قد صدر عنه(ص) بناء على المرتبة والمقام الأول، وتلك الإثارات:

منها: قضية السقيفة:

وخلاصة ما يذكر حول هذا الموضوع تاريخياً، أنه بعد رحلة النبي(ص) أجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وقد عزموا على تعيـين سعد بن عبادة خليفة عليهم، وهذا التصرف الصادر من الأنصار وهم الذين تحدث القرآن الكريم عنهم بكل ما هو حسن، ونص التأريخ على مواقفهم البطولية مع النبي(ص)، يكشف عن عدم صدور شيء من النبي(ص) عن الله تعالى بالنص على خلافة علي(ع) الدنيوية، وإلا فكيف يتحول مؤمنو الأمس والذين قد عرفت مدح القرآن لهم، وما بذلوه من أجل النبي(ص)، لمخالفين لأمره(ص) اليوم.

وبكلمة، إن القارئ للتأريخ لا يجد من الأنصار أي مخالفة للنبي(ص)، وصدور هذا التصرف منهم ابتداء يكشف عن عدم وجود ما يدل على نصب أمير المؤمنين(ع) خليفة من قبل الله تعالى في الأمور الدنيوية، وإلا لزم من ذلك مخالفتان من الأنصار، مخالفة لله تعالى، ومخالفة لرسوله(ص)، وهو ما لا يلتـزم به في شأنهم لما عرفت ما لهم من ذكر ومدح وثناء عاطر.

نعم لو كان المبادرون للانقلاب والمخالفة هم القرشيون أمكن قبول ذلك وتصوره، لما عرف عنهم من حقد على علي(ع) وغضاضة عليه لما بينهم وبينه من أحقاد بدرية وحنينية، وغير ذلك.
ولا يكفي لعلاج هذا الإشكال، أن يستند لما روي من أنه قد أرتد الناس بعد رسول الله(ص) إلا ثلاثة أو أربعة، لأن اللازم من ذلك أن يحكم بردة الجميع، وهو لازم باطل لا يمكن المصير إليه.

ومنها: تهاون الإمام علي(ع) في استلام الخلافة:

فقد تعامل الإمام علي(ع) مع الموضوع ببرود شديد، حيث لم يقم بجمع الأنصار والمريدين حوله بعد واقعة الغدير، بل ترك الأمر وكأنه لا يتوقع حدوث أي شيء في الاتجاه المعاكس، وبقي مشتغلاً بتجهيز رسول الله(ص)، مع أن الشواهد تشير إلى وجود مؤامرة لقلب نظام الحكم وخلع الإمام منصب الخلافة للكراهية الشديدة التي كان العرب يحملونها تجاه الإمام علي(ع)، لما قام به من دفاع عن النبي(ص) والإسلام بقتل زمرة الكفر. وقد دخل أكثر القرشيين في الإسلام بعد فتح مكة، ومن المستبعد صفاء نفوسهم من الضغينة تجاه الإمام(ع)، وهو الذي قد قتل أباءهم وأبنائهم، وقد كان رسول الله(ص) متردداً في نصبه(ع) لهذا المنصب، فجاءه الوحي مطمئناً إياه، فقال تعالى:- (والله يعصمك من الناس).
ولو قيل: بأن الإمام(ع) قد عمد إلى تقديم الأهم وهو البقاء عند الجسد المبارك للنبي(ص).

قلنا: بأنه ألم يكن من الأجدر والأحسن منه(ع) أن يقوم بإرسال من ينوب مكانه إلى السقيفة خصوصاً وقد علم أن هناك مؤامرة تحاك ضده، وبذلك يكون قد درأ الفتنة وقضى على المؤامرة، وقد كان معه من الصحابة من له مكانة في نفوس المسلمين كسلمان وعمار وأبي ذر والمقداد، وغيرهم من المخلصين.

ولا يتصور أنه(ع) لم يكن على علم ودراية بذلك، لأنه لو بني على ذلك فإن المشكلة سوف تكون أقوى، إذ كيف يعقل أن يكون خليفة للنبي(ص)، المنصوب من قبله لإدارة شؤون المسلمين غافلاً عن هذه المؤامرة وفي هذه اللحظات الحساسة من تأريخ الإسلام ومسيرة الدين الإسلامي. بل إن بعض النصوص قد تضمنت أن أبا سفيان قام بتنبيهه للخطر قبل وقوع السقيفة وعرض عليه النصرة، فقال له: يا أبا الحسن…هذا محمد قد مضى إلى ربه…وهذا تراثه لم يخرج عنكم، فابسط يدك أبايعك فإنك لها أهل.

وقد أبى الإمام(ع)، ذلك، وأجابه بقوله(ع): يا أبا حنظلة..هذا أمر ليس يخشى عليه مغبة الريث والتمهل.
وقد حدى هذا بأبي سفيان للاستعانة بالعباس بن عبد المطلب، ليبايعاه، وسوف يقبل المسلمون بييعتهما ولن يخالفاهما في شيء.
ولعله يظهر مما سبق أنه(ع)، قد تغاضى متعمداً تولي منصب الخلافة في تلك الفترة الحرجة بحجة البقاء عند الجسد الشريف، ليدفع بهذا الاتجاه.

والإجابات المذكورة في كلمات أصحاب النظرية المعروفة، لا تقنع في علاجها لهذه الإثارة ودفعها.

ومنها: إن نصب الإمام علي(ع) مع العلم بواقع الحال يوجب نقضاً للغرض: وتوضيح ذلك: إن نصب علي بن أبي طالب(ع) لمنصب الخلافة الدنيوية مع علم النبي(ص) بأنه سوف يعزل عنه، بل ربما يكون عرضة للقتل بسبب ذلك، يعد نقضاً للغرض الذي جاء النبي(ص) من أجله والمتمثل في هداية الأمة، والسير بها نحو الجنة، فإن الأمة وإن لم تكن بأكملها سوف تسير إليها، إلا أن قسماً كبيراً منها سوف يكون كذلك، إلا أنه وبعد نصبه(ع) لهذا المنصب، فسوف يبعث بهم إلى نار جهنم، لأن ذلك سوف يكون مصير جميع من مات من الصحابة قبل أن يقوم علي(ع) بمنصب الخلافة الدنيوية، وهي مدة خلافة الثلاث الأول والتي استمرت خمسة وعشرين سنة. لصدق عنوان الردة عليهم، وفقاً لما جاء في بعض النصوص من أنه ارتد الناس إلا ثلاثة نفر أو أربعة.

ولقد كان الأجدر برسول الله(ص) اختيار شخص ولو دون علي(ع) درجة ومرتبة، يناسب الوضع السياسي والاجتماعي ويكون مقبولاً لدى عامة السلمين ليجمع الكلمة ويقود سفينة المجتمع الإسلامي بسلام. ما دام أن نصب علي(ع) سوف يتعرض لمؤامرة يتم فيها الإطاحة به كما تدل على ذلك القرائن القطعية، ويدرك ذلك جميع المسلمين بما فيهم النبي(ص). وليست القضية أمراً غيبياً ليس معروفاً حتى يبرر بأنه مأمور بالعمل على وفق الظاهر. لأن هناك شواهد تكشف عنها، كصغر سنه(ع)، بالنسبة إلى شيوخ المهاجرين والأنصار، وقلة اتباعه واعتناق أغلب المسلمين الاسلام في السنة الأخيرة من حياة النبي(ص)، وكثرة المنافقين، وكراهية العرب له، فإن هذه الأمور تجعل تلويه(ع) لمنصب الخلافة الدنيوية شبيهاً بالأمر المحال. وهذا يعني أن تعيـين النبي(ص) علياً في هذا المنصب، ليرتد أغلب المسلمين، وينكصوا وينقلبوا على أعقابهم نقضاً لغرضه.

لا يقال: إن الفائدة قد ظهرت بعد مضي خمسة وعشرين سنة عندما قتل عثمان، فأقبل المسلمون وقاموا ببيعة أمير المؤمنين(ع).
فإنه يقال: إن هذه البيعة كانت ستقع ولو لم يكن حديث الغدير موجوداً، لما كان يتميز به(ع) من مقومات لم تكن موجودة في غيره عندها، من تقوى، ونزاهة وسابقة في الإسلام، وغير ذلك.

ومنها: رفض الإمام علي(ع) للخلافة: فقد تضمنت المصادر التاريخية أنه لما قتل عثمان وجاء الناس إليه يبايعونه بالخلافة الدنيوية، رفض القبول بذلك، وبقي مصراً على الرفض ثلاثة أيام، فلو كانت الخلافة منصباً له من قبل الله تعالى لم يكن له الحق في رفضها، لمجرد وجود بعض المعوقات التي تحول بينه وبين القيام بمنصبه الإلهي بعدما أختاره الله تعالى لهذا المنصب. ورفضه ينسجم تماماً مع النظرية الثانية والتي عرفت دلالتها على أن الأمر مجرد ترشيح، فيحق له القبول والرفض.

ومنها: رفض الأئمة من ولده(ع) التصدي للخلافة: ولم ينحصر رفض التصدي لمنصب الخلافة الدنيوية في علي(ع) بل جرى ذلك في سيرة بقية أبنائه(ع)، فقد تنازل الحسن(ع) عنها لصالح معاوية بعدما قام بها ستة أشهر، خصوصاً أن التأمل في المصادر التاريخية يفيد أن الصلح لم يكن مفروضاً عليه(ع)، ولم يكن خروج الإمام الحسين(ع) لأجل تشكيل حكومة إسلامية، ولا من أجل إقامة دولة، وكذا من جاء بعده من الأئمة(ع) ابتداء من الإمام زين العابدين(ع) حتى قائم آل محمد(روحي لتراب حافر جواده الفداء). مع أن بعضهم قد جاءته الوفود تطلب منه القيام وتبدي الاستعداد لنصرته ضد الحكومة الجائرة المتصدية للحكم حين ذاك كالإمام الصادق(ع)، كما عرضت الخلافة على الإمام الرضا(ع).
وما يذكر جواباً في البين من أصحاب النظرية الأولى، كقولهم أن المعصوم(ع) كان يعلم بعدم توفر السبل الصالحة له للقيام بالمنصب، أو أن الرسول(ص) قد أخبرهم أن الوضع السياسي في هذه الأزمنة لا يساعد على أن يتحرك الإمام في هذا الإتجاه، أو لأن المعصوم(ع) أعلم من غيره بتوفر الشرائط اللازمة لتسلم الحكم، وإن كان حسناً في نفسه إلا أنه يفتقد إلى الدليل القطعي الذي يدل عليه ويفيده.

مع أن من المحتمل أن يعود ذلك إلى حصر امامتهم في خصوص الإمامة الدينية، وعدم شمولها للإمامة الدنيوية، ولأنه إمام في الدين دون الدنيا، اقتضى ذلك عدم إقدامه على الخلافة الدنيوية رعاية لمصلحة الدين العليا. مضافاً إلى أن العنصر الأساس الموجود للمعصوم في الوسط الاجتماعي هو محبة الناس الناشئة مما يملكه من عناصر عظيمة من تقوى وما شابه، فلو تصدى للقيام بالخلافة، بأن قبل الإمام الرضا(ع) ولاية العهد، فإن ذلك سوف يجعل الناس يرتجون منه الهبات والعطايا، ومن الواضح أن طلبات الناس غير محدودة، وهذا يوجب ذوبان حالة القدسية الموجودة للمعصوم عند الناس من جهة، مضافاً إلى انتفاء حالة المظلومية الثابتة إليه من جهة أخرى، لأن توليه منصب الخلافة موجب لانتفاء وصف المظلومية عنه. كما أن وجود المعصوم على رأس الحكومة لن يعالج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي عند الناس، وهذا يجعل الناس يعيشن حالة من الإزدواجية، لأنهم يعتقدون أن حكومته حكومة الله في الأرض فكيف لا تعالج هذه القضايا.

ومنها: عدم وجود نظرية قرآنية للخلافة: فلم يشتمل القرآن الكريم في شيء من آياته المباركة على الإشارة لشيء من ذلك، مع أن المفروض أن مسألة الخلافة الدنيوية ما دامت مربوطة بالله تعالى أن يتناول القرآن الكريم هذا الموضوع بتفاصيله وتفريعاته المختلفة حتى يهيأ المناخ المناسب ليعيش المسلمون الوعي التام بهذه المسألة المصيرية. بل لم يتطرق القرآن حتى لمسألة الإمامة وهذا قد أوجب وجود اختلاف بين المسلمين فافترقوا إلى عدة فرق، فقال بعضهم بوجوبها من باب اللطف وليس النص، كالشيعة، ومنهم من يرفض مثل هذا الوجوب كالخوارج، ونفت الأشاعرة وجوب النصب على الله تعالى للإمام عقلاً أو شرعاً، وأختار المعتزلة والزيدية أن المسلمين هم من يختار الإمام بعد توفر شروط فيه لحفظ النظام. فلو كان في القرآن الكريم ما يشير إلى ذلك لم يقع هذا الاختلاف بين المسلمين، مع أنه قد تعرض إلى الحديث عن بعض الجزئيات المرتبطة بالمعيشة وصغار الأمور.

ومجرد إشارته في بعض آياته إلى شخص بعينه وهو الإمام علي(ع) وفقاً لأصحاب النظرية الأولى، لا يكفي لرسم الخطوط التفصيلية لمسألة الحكومة في الإسلام وجهاز السلطة، لأنه سوف يبقى المسلمون في حيرة بعد وفاته، ووصيته لولده الحسن(ع) لا تكفي لأنه لن يعلم المسلمون أنه منصوب من قبل الله تعالى، وهكذا.

ومنها: عدم دلالة حديث الغدير على مقام الخلافة الدنيوية: فإن الحديث ليس صريحاً في جعل هذا المنصب لأمير المؤمنين(ع)، بل غاية ما يدل عليه قوله(ص): من كنت مولاه فهذا علي مولاه، هو ثبوت الإمامة في الدين، لأن النبي(ص) أولى بالمؤمنين لمقام النبوة، وليس لمقام الرئاسة الدنيوية. ويشهد لما ذكرنا أن الإمام(ع) لم يستشهد بحديث الغدير في مقام الاحتجاج على القوم عندما طلب منه البيعة للأول. كما لم يفهم المسلمون من الحديث المذكور ذلك[1].

[1] خلافة الإمام علي(ع) بالنص أم بالنصب ص 17-55(بتصرف)