25 فبراير,2020

مرجعية القرآن والسنة

اطبع المقالة اطبع المقالة

من التهم الموجهة للشيعة من قبل خصومهم عدم اعتنائهم بالقرآن الكريم، وعدم جعله مصدراً أساسياً يعولون عليه في مقام العمل، بينما يولون أهمية وزيادة اعتناء بروايات المعصومين(ع)، وقد أوجب هذا ابتعادهم عنه في الجملة.

وربما تعدى الاتهام الموجه الخصمَ، حتى أضحى يوجه للحوزة العلمية من داخلها، ولعلماء الطائفة وزعمائها بعدم اهتمامهم وعنايتهم به.

ويستند في ذلك إلى خلو الحوزات العلمية عن حلقات دروس التفسير على غرار انتشار دروس الفقه والأصول، مضافاً إلى ندرة المؤلفات في المجال القرآني تفسيراً وعلوماً وما شابه ذلك.

مكانة القرآن الكريم في الحوزة:

يكتسب القرآن الكريم مكانته من خلال كونه كلام الله سبحانه وتعالى، وهو أحد المصادر التي يعتمد عليها في استنباط الأحكام الشرعية لفراغ ذمة المكلف مما اشتغلت به من تكاليف، وهو مقدم على السنة الشريفة، بل إن السنة المباركة تكتسب حجيتها من خلاله، كما سوف نشير إلى ذلك إن شاء الله، إذ أنه يعتبر في حجية الخبر أن لا يكون مخالفاً للقرآن الكريم بنحو لا يمكن التوفيق بينهما، وإلا كان ذلك موجباً لسقوطه عن الحجية.

وقد تناول القرآن الكريم في آياته الحياة الإنسانية من جوانب مختلفة، بحيث يمكن تصنيف الآيات الشريفة من خلال ذلك إلى أصناف:

منها: ما يكون مرتبطاً بالجانب العقدي: مثل الآيات التي تتعرض للحديث عن أصول الدين: التوحيد، والنبوة، والإمامة، والمعاد. وكذا الآيات التي تتحدث عن الملائكة، والآيات التي يكون موضوعها وصفاً للجنة، أو حديثها ينصب على الكلام حول النار وأصحابها، وما شابه ذلك.

ومن آيات هذا الصنف، قوله تعالى:- (آمن الرسول بما أننزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)[1].

ومنها: ما يرتبط بالجوانب والقيم الأخلاقية: وهي الآيات التي تضمنت دعوة الناس إلى التـزام التعامل السليم في سلوكهم الاجتماعي، كآيات البر بالوالدين، قال تعالى:- (ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً)[2]. وآية نبذ الغيبة، قال تعالى:- (ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه)[3]. وآيات ذم الكذب والكذابين، وآية النهي عن التنابز بالألقاب، وغير ذلك.

ومنها: الآيات القانونية: التي تتضمن عرض البعد التنظيمي والقانوني للحياة البشرية، وموضوع هذه الآيات الحكم والسلطة، ومبدأ العدالة، مثل قوله تعالى:- (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)[4]. وحرية المعتقد، ونصرة المظلوم، ووجوب التعاون على البر والتقوى، وحرمة الإعانة على الإثم، قال تعالى:- (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)[5]، والأخذ بمبدأ العفو عند المقدرة، قال سبحانه:- (وأن تعفوا أقرب للتقوى)[6]وأمثال ذلك.

ومنها: الآيات المشتملة على الحديث عن العقوبات: وهي نوعان:

النوع الأول: العقوبات الجنائية، مثل الآيات التي تحرم القتل، وتتضمن عقوبة فاعله، بأنها إما القصاص من القاتل، أو إلزامه دفع الدية، قال تعالى:- (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان)[7].

ومثل الآيات التي تضمنت الدعوة إلى رد العدوان ومقابلته بالمثل، قال عز من قائل:- (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)[8]. ومن هذا الصنف الآيات التي اشتملت على معاقبة المفسدين في الأرض بالقطع والنفي، قال سبحانه وتعالى:- (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم)[9].
النوع الثاني: العقوبات الاجتماعية، ونقصد بها الآيات التي اشتملت على الحديث عن العقوبات الناشئة من ارتكاب المحرمات الاجتماعية، مثل الآيات التي تضمنت معاقبة الزاني والزانية بالجلد، قال تعالى:- (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلد)[10].

وكذا الآيات التي جاء فيها القطع للسارق والسارقة، قال سبحانه:- (والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله)[11]. وحكم قذف المحصنات، قال عز من قائل:- (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة)[12]، وغير ذلك.

ومنها: آيات الأحكام: وهي الآيات التي تضمنت الحديث عن الأحكام الموجهة للمكلف سواء في مجال العبادات، أم في مجال المعاملات، كالآيات التي تضمنت لزوم الطهارة، ووجوب الصلاة، والصوم، والحج، قال تعالى:- (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)[13]، وقال عز من قائل:- (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)[14]، وقوله سبحانه:- (واتموا الحج والعمرة لله)[15]. هذا في جانب العبادات.

وأما في جانب المعاملات، فنعني بذلك الآيات التي تضمنت بيان حلية البيع وحرمة الربا، والآيات التي اشتملت على حلية الدين، والرهن مما يكون مورد رضا للطرفين، وكذا الآيات التي منعت من الغش وأكل أموال الناس بالباطل. قال تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)[16]، وغيرها من الآيات المتضمنة لمثل ذلك[17].

ومن خلال العرض السابق يتضح مدى تناول القرآن الكريم لكافة الجوانب المرتبطة بحياة الإنسان، واشتماله على الأمور الأساسية والكبروية لما يحتاج إليه في تنظيم شأنه الحياتي، وهذا يجعل منه مصدراً أساسياً وأولياً يرجع إليه في موارد الحاجة، ولا يستغنى عنه من خلال الركون إلى غيره.

ومنه يتضح أن دور الفقيه في التعامل مع القرآن الكريم لن يكون منحصراً في استنباطه للأحكام الفرعية من آياته، بل إن تعاطيه معه يشمل نظره في الآيات العقدية، وبالتالي استخراج أحكام عقدية منها، وكذا استخراج أحكام أخلاقية من الآيات الأخلاقية، وأحكام اقتصادية من الآيات الاقتصادية، وحتى القوانين والآداب الاجتماعية، وهكذا.

نعم يتبلور دوره بصور أساسية في تحديد ما يوجب فراغ ذمة المكلفين مما وجه إليهم من تكاليف بعد الفراغ عن تحقق البعد العقدي اللازم والضروري، وبعد وضوح القيم والجوانب الأخلاقية والآداب الاجتماعية.

من هنا وجد ما يعرف بالبحث عن آيات الأحكام، ويقصد بها الآيات القرآنية التي يستنبط منها أحكام فرعية، وقد وقع الخلاف بين الأعلام في عددها قلة وكثرة، إذ حصرها بعضهم في عدد معين، وأضاف إليها آخرون عدداً آخر، ومنشأ الخلاف فهم كل فقيه للآية الشريفة، وهل أنها تشير إلى حكم شرعي أو لا، وتفصيل ذلك يوكل إلى محله.

ولعل هذا التركيز من البحث القرآني للنكتة التي ذكرنا من الأعلام على آيات الأحكام، أوجب وهم بعضهم في تصور عدم مرجعية القرآن الكريم عند الشيعة، وعدم اعتباره مصدراً أصلياً أو أساسياً في الحوزة العلمية، مع أنك قد عرفت مرجعيته بصورة أساس في كل ما يرتبط بحياة الإنسان وشؤونه.

التفسير من مبادئ الاجتهاد:

ومما يؤكد على ما قلناه من عدم حصر دور القرآن الكريم في الحوزة العلمية في خصوص استنباط الأحكام الفرعية الشرعية منه، وحصر ذلك في ما يعرف بآيات الأحكام، ما تضمنته كلمات غير واحد من أعلامنا من عدّ التفسير أحد مبادئ الاجتهاد التي يتوقف حصوله عليها، قال بعض الأعلام(ره): لابد للفقيه من معرفة تفسير القرآن، وخصوص آيات الأحكام منه، وقد قالوا: إنها نحو من خمسمائة آية، ولكننا نرى أنها تزيد على ذلك كثيراً، ولبيان وجه هذا الرأي والآيات الزائدة على العدد المذكور مكان آخر[18]. وعبارته صريحة في حاجة المجتهد إلى علم التفسير، وهذا يكشف عن مرجعية مطلقة للقرآن الكريم، وأساسية، وعدم حصر دوره في خصوص آيات الأحكام. نعم هل يعتبر أن يكون الفقيه مفسراً، أجاب عن ذلك بقوله: ولا يعتبر أن يتبحر الفقيه في هذا الشأن بحيث يكون مفسراً، بل يكفي أن يكون قادراً على معرفة المعنى بالرجوع إلى كتب التفسير الموثوقة، ويعتبر في هذا الشأن أن يعرف مسائل النسخ والناسخ والمنسوخ[19].

القواعد المستنبطة من القرآن الكريم:

وحذرا من أن يكون ما ذكرناه من عدم حصر مرجعية القرآن الكريم في الحوزة العلمية وعند الأعلام في خصوص آيات الأحكام كما أشير إليه في بعض الكلمات، بل أن دائرة مرجعيته أوسع من ذلك، نشير إلى بعض القواعد الأصولية والفقهية والعقائدية التي استفيدت من خلال الآيات المباركة، وجعلت الآية الشريفة دليلاً عليها.

القواعد الأصولية المستفادة من القرآن:

استند الأعلام في استدلالهم على مجموعة من القواعد الأصولية إلى عدد من الآيات القرآنية الكاشف عن جعله مستنداً إليهم في حجيتها وجواز الاستناد إليها، ووجود خلاف بينهم في تمامية الاستدلال بالآية على المدعى من عدمه، لا يعني عدم مرجعية القرآن الكريم في ذلك، وإنما يشير ذلك إلى اختلافهم في العملية الاجتهادية كما لا يخفى.

وكيف ما كان، فلنشر إلى بعض القواعد الأصولية المستخرجة من القرآن الكريم، مع الإشارة إلى مستندها من آياته:

منها: دلالة مادة الأمر على الوجوب، فقد استفادها جملة من الأعلام من قوله تعالى:- (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك)[20].
ومنها: وجوب مقدمة الواجب بالوجوب الشرعي، استناداً لقوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)[21]
ومنها: حجية خبر الواحد، فقد استدل عليها بغير واحدة من الآيات الشريفة، ومنها قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)[22].
ومنها: عدم حجية خبر الثقة، استناداً إلى قوله تعالى:- (ولا تقف ما ليس لك به علم)[23]، وبقوله تعالى:- (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً)[24].

ومنها: قاعدة النسخ، وقد استفيدت من قوله تعالى:– (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)[25].
ومنها: قاعدة التخيـير الشرعي، فقد يقال باستفادتها من مثل قوله تعالى:- (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم)[26].

ومنها: قاعدة البراءة الشرعية، فقد استدل عليها بقوله تعالى:- (لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها)[27]، وبقوله تعالى:- (ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)[28]، وبقوله عز من قائل:- (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنـزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فإن ربك غفور رحيم)[29].

القواعد الفقهية المستفادة من القرآن:

كما استفاد الأعلام مجموعة من القواعد الأصولية من القرآن الكريم، استفادوا أيضاً جملة من القواعد الفقهية منه، نشير لبعضها:

منها: قاعدة نفي العسر والحرج، فقد استفيدت من قوله تعالى:- (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)[30].
ومنها: قاعدة نفي السبيل للكافرين على المؤمنين، فإنها تستفاد من قوله تعالى:- (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)[31].
ومنها: قاعدة القرعة، فقد استفادها غير واحد من الأعلام من خلال قوله تعالى:- (فساهم فكان من المدحضين)[32]، وكذا من قوله تعالى:- (وإذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم)[33].
ومنها: قاعدة حرمة إهانات المحترمات، حيث دل عليها قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله)[34].

ولا ينحصر الأمر في خصوص ما ذكرنا من القواعد، بل يجد القارئ قواعد أخرى استفادها الأعلام من خلال الآيات الشريفة، وجعل الدليل عليها ومستندها هو القرآن الكريم، ما يعني مرجعيته في تلك القواعد، فلاحظ مثلاً قاعدة العدل والإنصاف، وكذا قاعدة الإحسان، وقاعدة أصالة اللزوم، وغيرها.

القواعد العقائدية المستفادة من القرآن:

وسوف أشير إلى قاعدة واحدة، وهي قاعدة اللطف، وقد استفيدت من غير واحدة من الآيات الشريفة، مثل قوله تعالى: -(إنا أوحينا إلى نوح والنبيـين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وءاتينا داود زبوراً* ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً* ورسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً)[35]. وقوله سبحانه:- (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون)[36]. وقد استند لهذه القاعدة أيضاً في جملة من المباحث الأصولية وجعلت دليلاً على جملة من قواعده.

ويمكن للقارئ أن يجد استدلال الأعلام على موضوع الرجعة من القرآن الكريم، وكذا استدلالهم على مسألة الصراط، ومسألة البرزخ، والبحث عن الملائكة والشيطان، فإن هذه من المسائل العقدية التي يركن في الاستدلال عليها إلى القرآن الكريم، ويعتبر مصدراً أساساً في إثبات والالتـزام بها، فضلاً عن مسائل أصول الدين.

وقد اتضح من خلال ما تقدم كيف أن القرآن الكريم يعتبر مصدراً أساسياً في المجال العلمي والعملي للشيعة، وليس دوره هامشياً، أو أنه مغيب كما توهم بعضهم، بل قد عرفت أنه المصدر الأساس الذي يعتمد عليه وفي مجالات مختلفة، فكيف بعد هذا كله يتهم الشيعة بأنهم بعيدون عن القرآن، أو أنه مبعدون له؟!

حجية السنة مصدرها القرآن:

ولا تنحصر مرجعية القرآن في كونه مصدراً لاستخراج القواعد العلمية بكافة أنواعها منه كما عرفت، بل إنه يعدّ المصدر الأساس الذي يعرض عليه الدليل الذي يراد الركون إليه، فإن كان موافقاً له وليس مخالفاً بنحو المباينة قُبِلَ وبني على حجيته، وإلا ضُرِبَ به عرض الجدار، فالسنة الشريفة وهي النصوص الصادرة عن المعصومين(ع) لا تدخل دائرة الحجية إلا بعد عرضها عليه، فإن ثبت عدم مخالفتها إياه بنحو التباين المانع من الجمع والتوفيق بينهما كان ذلك موجباً لحجيتها، وكان هذا أول موجبات حجية الخبر، وإلا سقط عن الاعتبار.

وهذا المعنى يستفاد من خلال النصوص الصادرة عن المعصومين(ع)، والتي تعرف بروايات العرض، أي العرض على الكتاب، المدعى تواترها. فقد جاء عن صادق آل محمد(ع) أنه قال: يا أيها الناس، ما جاءكم عني يوافق القرآن، فأنا قلته، وما جاءكم عني لا يوافق القرآن، فلم أقله[37]. ومن الواضح أن الطريق لإحراز الموافقة وعدمه سوف تتم من خلال عرض الخبر المنقول عنه(ع)، على الكتاب العزيز، وهذا ما يدل على جعل المرجعية للقرآن الكريم، وليس لغيره.

وإن شئت قلت، إن الدعوى القائلة بكون المصدر الأساس هو السنة الشريفة الموجب للابتعاد عن القرآن الكرم في غير محلها، ذلك لأنه لابد في حجية السنة من الرجوع للقرآن الكريم، لأنه منشأ حجيتها، ما يجعلها متفرعة عليه، وليست مقدمة عليه.

وجاء عنه(ع) في حديثه مع محمد بن مسلم أنه قال: يا محمد، ما جاءك في رواية من بر أو فاجر يوافق القرآن، فخذ به، وما جاءك في رواية من بر أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به[38].
وأوضح منهما ما رواه أيوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله، فهو زخرف[39].

ومن الواضح أن الموجب لجعل المرجعية للقرآن الكريم، لاحتمال حصول الكذب على المعصومين(ع)، بل قد تضمنت النصوص وجود مجموعة من الكذابين عليهم(ع)، فضلاً عن وقوع عملية الدس والوضع، ما يجعل الحاجة ضرورية لوجود ميزان يحتكم إليه في تميـيز السليم من السقيم، والصادر من الموضوع، والطريق لذلك هو القرآن الكريم، بعد ما هو الثابت عندنا نحن الشيعة الإمامية، من أنه محفوظ لم تنله يد التحريف لا نقيصة و لا زيادة، وأن الموجود بين الدفتين هو ما نزل على النبي الكريم محمد(ص)، ولم يخرج من الدنيا حتى جمعه كما هو بأيدينا اليوم.

ترجيح الخبر على الآخر:

وكما كان القرآن الكريم ميزاناً لبيان حجية الخبر، وقبوله أو رفضه، فإنه المحكم أيضاً عند حصول معارضة بين خبرين ليرجح أحدهما على الآخر فيعمل به، وترفع اليد عن الآخر، فقد سأل عمر بن حنظلة الإمام الصادق(ع) عن الخبرين المتعارضين المشهورين، قال: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال(ع): ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة وافق العامة[40]. ومثله صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله الصادق(ع) قال: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه[41].

التفسير في الحوزة العلمية:

ولنختم الحديث بالإشارة إلى الوهم الذي ورد على لسان بعضهم من خلو الحوزة من الدروس التفسيرية، وعدم تضمنها لمثل هذا العلم.

والإنصاف، إن صدور مثل هذا الكلام ممن ينتمي للحوزة من الغرابة بمكان، ذلك أن المقصود من درس التفسير لن يخرج عن احتمالين:

أحدهما: أن يكون مطلوب القائل أن يعقد درس تفسير مستقل لتفسير القرآن، ويكون مبدأه إلى منتهاه فقط التعرض لتفسير القرآن الكريم، وليس استعراض شيء آخر غيره.
ثانيهما: أن يكون المطلوب هو العمد إلى تفسير الآيات القرآنية وبيان دقائق النكات التي تضمنتها، والإشارة لما تحويه من معارف ومضامين عالية، وإن كان ذلك بنحو الاستطراد أثناء البحوث والدروس الأخرى، لأن الغاية سوف تكون متحققة.

ولا يخفى أنه لا ميزة للاحتمال الأول على الثاني، ما دام الاحتمال الثاني يحقق الغرض المطلوب، وهذا يعني أن وجود الاحتمال الثاني في الوسط الحوزي كاشف عن عدم صحة دعوى المدعي، لوجود درس التفسير في الحوزة.
والصحيح عدم خلو الحوزة العلمية من دروس التفسير، وذلك للإلتزام بوجود المحتمل الثاني المتصور في المقصود من درس التفسير فيها، وهذا يلمسه كل من راجع الموسوعات الفقهية لفقهاء الطائفة(رض)، فهذا الشيخ الأعظم(ره) قد امتلأت موسوعته الفقهية تحقيقات تفسيرية في العديد من الآيات المباركة، وقد طبع أخيراً كتاب يتضمن النظرات التفسيرية للشيخ الأعظم(ره)، وكذا نجد ذلك في موسوعة الإمام الخوئي(ره)، فإنها تضمنت تحقيقات رشيقة وأنيقة حول العديد من الآيات الشريفة، وبيان تفسيرها بأسلوب دقيق وجزل، وليس الإمام الخميني(رض) ببعيد عنهما في هذا المجال.

ولهذا يمكن لمن أراد معرفة آراء الأعلام التفسيرية، الرجوع للموسوعات الفقهية مثلاً الصادرة عنهم. كما صنع ذلك في موسوعة الشيخ الأعظم(ره) كما سمعت.
لا يقال: إن ذلك لن يخرج عن استعراض لخصوص آيات الأحكام، وهذا لا يمانع القائل من وجوده ولو في الجملة في الحوزة؟

فإنه يقال: أولاً: إن الغاية الأساسية من درس التفسير هو وضع الأدوات التي يمكن للطالب أن يطبقها في مقام التعامل مع الآيات الشريفة وشرحها وبيانها، وليس المطلوب أن يقوم الطالب بحضور دورة تفسيرية كاملة تحت منبر الأستاذ، شأنه في ذلك شأن بقية العلوم الأخرى، ولا ريب في تحقق هذا الغرض وإن كان بالتعرض لآيات الأحكام فقط، كما لا يخفى.

ثانياً: إن منشأ ما ذكر يعود لحصر مؤلفات الأعلام في خصوص الجانب الفقهي، مع أن الكثير منهم تتسع دائرة مؤلفاته لتشمل غير ذلك، فهذا الإمام الخوئي(ره) مثلاً له موسوعة في العقائد، ومن الطبيعي أن تتضمن العديد من الآيات الشريفة المرتبطة مثلاً بمسألة الإمامة، وبالتالي بيان كيفية دلالة الآيات الشريفة وتفسيرها، بل إن جملة من المباحث الفقهية في موسوعته قد تضمنت التطرق لبعض المباحث القرآنية غير الفقهية كما يلحظ ذلك من رجع إليها، وهكذا يجري الكلام في شأن الإمام الخميني(قده)، وغيرهما من الأعلام.

[1] سورة البقرة الآية رقم 285.
[2] سورة الأحقاف الآية رقم 15.
[3] سورة الحجرات الآية رقم
[4] سورة النساء الآية رقم 58.
[5] سورة المائدة الآية رقم 2.
[6] سورة البقرة الآية رقم 237.
[7] سورة البقرة الآية رقم 178.
[8] سورة البقرة الآية رقم 194.
[9] سورة المائدة الآية رقم 33.
[10] سورة النور الآية رقم 2.
[11] سورة المائدة الآية رقم 38.
[12] سورة النور الآية رقم 4.
[13] سورة المجادلة الآية رقم 13.
[14] سورة البقرة الآية رقم 196.
[15] سورة البقرة الآية رقم 196.
[16] سرة النساء الآية رقم 29.
[17] أصول الفقه وقواعد الاستنباط ج 1 ص 79-82(بتصرف)
[18] الاجتهاد والتقليد بحث فقهي استدلالي مقارن
[19] المصدر السابق.
[20] سورة الأعراف الآية رقم 12.
[21] سورة المائدة الآية رقم 6.
[22] سورة الحجرات الآية رقم 6.
[23] سورة الإسراء الآية رقم 36.
[24] سورة يونس الآية رقم 36.
[25] سورة البقرة الآية رقم 106.
[26] سورة المائدة الآية رقم 89.
[27] سورة الطلاق الآية رقم 7.
[28] سورة الإسراء الآية رقم 15.
[29] سرة الأنعام الآية رقم 145.
[30] سورة البقرة الآية رقم 185.
[31] سورة النساء الآية رقم 141.
[32] سورة الصافات الآية رقم 147.
[33] سورة آل عمران الآية رقم 44.
[34] سورة المائدة الآية رقم 2.
[35] سورة النساء الآيات رقم 163-165.
[36] سورة الأنعام الآية رقم 91.
[37] الكافي ج 1 ص 69 ح 5.
[38] بحار الأنوار ج 1 ص 145.
[39] الكافي ج 1 ص 69 ح 3.
[40] وسائل الشيعة ج 27 ب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1 ص 106.
[41] المصدر السابق ح 29 ص 118.