21 مايو,2019

قاعدة تفسير القرآن بالعقل

اطبع المقالة اطبع المقالة

لا شك أن القرآن الكريم دعا لامعان النظر في آياته، والتدبر في كلماته، وجعل ذلك أفضل سبيل للتأكد من صحة المفاهيم القرآنية، وصدورها عن الله تبارك وتعالى.

قال تعالى:- ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً). ثم شدد النكير على أولئك القوم الذين لا يعون حقائق القرآن، ولا يستمعون لنداءاته، فقال سبحانه:- ( فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً). ثم أثنى على أولئك القوم الذين يتفاعلون مع الآيات القرآنية، ويتحركون في ضوء دلالاتها وتوجيهاتها ومعانيها، فقال عز من قائل:- ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايماناً).

كل هذه النصوص تؤكد أن القرآن الكريم أراد منا التعامل معه على أساس وحي العقل وتأملاته واستنـتاجاته المنطقية.
هذا الأمر هو الذي فتح باباً للسؤال عن ما هو المدى الذي يسمح فيه لعقولنا وأنظارنا أن تؤثر وتـتأثر بمداليل الآيات القرآنية؟…
وإذا جاز للعقل أن يتدبر في الآيات القرآنية، فهل يجوز له أن يفسرها في ضوء استنـتاجاته النظرية؟…
من أجل الإجابة على هذا السؤال، لابد أن نوضح الفرق بين عدة مستويات من الاستنـتاجات النظرية.

1-الدليل العقلي:

ويقصد به كل النـتائج اليقينية التي ينتهي إليها الاستدلال العقلي، معتمداً على مقدماته البديهية وعبر المناهج الصحيحة للاستدلال. مثلاً حينما ينـتهي الاستدلال العقلي إلى استحالة أن يكون الله تعالى جسماً، أو عاجزاً، أو نادماً أو نادماً أو جاهلاً، أو ظالماً، وما أشبه ذلك من النـتائج اليقينية.

هذا المستوى من الاستنـتاجات النظرية وحده هو الذي يسمح له أن يتصرف في تفسير بعض الآيات القرآنية التي يُرى أنها تصطدم مع تلك النـتائج اليقينية، فيقوم المفسر بتأويلها والتصرف بظواهرها، كما في كل الآيات التي قد يظهر منها التجسيم، أو نسبة الجهل أو الإضلال إلى الله تبارك وتعالى. كما في قوله تعالى:- ( يد الله فوق أيديهم) الظاهرة في التجسيم، أو في قوله تبارك وتعالى:- ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين) وقوله:- ( وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا) الظاهرتين في عدم العلم الإلهي بأحوال الناس إلا بعد اختبارهم.

أو في قوله تعالى:- ( يهدي من يشاء ويضل من يشاء) التي قد تظهر في نسبة الإضلال إلى الله سبحانه وتعالى.
ففي مثل هذه الموارد نجد المفسرين يسرعون إلى حمل الآيات على خلاف ظاهرها، وبالنحو الذي ينسجم مع المعتقد الديني الصحيح الثابت بالبراهين العقلية والنصوص الشريفة.

إلا أن الجدير بالذكر هو أن الدليل العقلي لا يتصرف بأصل الفكرة القرآنية، وإنما يتصرف في صورتها وكيفيتها الظاهرية, فالعقل مثلاً لا ينفي العرش، واللوح، والميـزان وباقي الثوابت القرآنية، وإنما يعالج مدى توافق كيفية تلك الثوابت القرآنية مع الثوابت العقلية.

2-الثوابت الفلسفية الظنية:

ويقصد بها كل النـتائج الفلسفية التي لم يتوصل إليها الفيلسوف بشكل قطعي، ولم تكن نتائج حتمية لمقدمات وبراهين عقلية أكيدة الصحة. وإنما هي اجتهادات قابلة للخطأ والصواب. كما هو الحال بالنسبة لموضوع فلسفة الخلقة، وفلسفة المعاد، وأمثالها، فإن الفيلسوف قد يصل إلى نتائج اجتهادية، وآراء فرضية إلا أنها تبقى بحدود الاجتهاد والرؤية الافتراضية.

3-النـتائج العلمية الظنية:

ومع ذلك في مجال العلوم الطبيعية حينما يصل الباحث إلى نتائج تمثل اجتهادات مؤقتة ورؤى قابلة للنقض والإبرام.
كما هو بالنسبة إلى أصل الحياة، وعمر الأرض، وقوانين السرعة والحركة، وكيفية الإدراك الإنساني، ومستوى الإدراك الحيواني، وعالم النبات وعالم الجماد وكل ما يتعلق بعالم الطبيعة. فإن كل هذه النـتائج لا تخرج عن أحد حالتين:

الأولى: أنها مجرد فرضيات لم تصل بعد إلى مستوى الحقيقة العلمية، كما هو مثلاً في نظرية دارون عن أصل الأنواع وتكوّن الإنسان، وهنا لا نستطيع أن نـتجاوز الظهور القرآني الذي يقول أن الإنسان خلق من تراب وليس من نوع حيواني آخر كان قبله، من أجل التوافق مع تلك الفرضية، حيث يقول تعالى:- ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب).

الثانية: أن تبلغ تلك النـتائج مستوى(الحقيقة العلمية)، وهنا أيضاً لا نستطيع أن نـتجاوز النص القرآني ونتصرف فيه لأن تلك الحقيقة العلمية إنما ثبتت في حدود دائرة القدرة البشرية، لا فيما هو فوقها وهو قدرة الله تبارك وتعالى.

فإذا كانت الحقائق العلمية لا تقبل بتكون وليد من دون أب فإن تلك الحقائق العلمية إنما تـتحدث عن المجال البشري وطبيعة حركته، وهي غير قادرة على أن تنفي إمكانية ذلك حينما يكون الحديث عن مجال آخر، هو وراء القدرة البشرية كما يؤكده القرآن الكريم في قصة خلق عيسى(ع) من دون أب..

إننا لا نستطيع مثلاً أن ننفي الإسراء والمعراج، وقصة عرش بلقيس لمجرد أن قوانين حركة الأجسام لا تسمح بذلك.
كما لا نستطيع أن ننفي حديث النملة مع سليمان، وتسخير حركة الرياح بين يديه لمجرد أن ذلك لم يثبت علمياً.
وهكذا لا نستطيع أن نفسر القرآن الكريم بحيث نتصرف في دلالاته في ضوء معلوماتنا عن حركة الأرض، والشمس والنجوم، وعمر الكون، وعمر الحياة فوق، وما شاكل ذلك.

4-نتائج العلوم الإنسانية:

وفي مجال العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والأخلاق وما شاكل ذلك، لا نستطيع أن نتصرف في أحكام الشريعة الإسلامية الثابتة بالنص القرآني من أجل التوفيق بينه وبين نتائج العلوم الإنسانية، والمذاهب المتعددة فيها، وذلك باعتبار أن جميع تلك المذاهب إنما تمثل اجتهادات للإنسان بينما تمثل الشريعة الإسلامية حكماً إلهياً (ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون).
نحن لا نستطيع أن نتصرف بقوله تعالى:- ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) لمجرد أن ذلك لا ينسجم مع مذاهب العصر الحديث.

كما لا نستطيع أن نتصرف بقوله تعالى:- ( للذكر مثل حظ الأنثيـين) أو قوله تعالى:- ( الرجال قوامون على النساء)، أو قوله تعالى:- ( فرجل وامرأتان) لمجرد أن ذلك لا يتفق مع المساواة الديمقراطية المزعومة.
إن كلام الله تعالى فوق كلام البشر، وحكمه فوق حكم البشر:- ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).

5-الأهواء الأمزجة:

وإذا كنا نرفض إخضاع النص القرآني لنـتائج العلوم الإنسانية فمن الطبيعي أن نرفض إخضاعه للأهواء والأمزجة البشرية، فإنها لا تعبر عن نتائج عقلية يقينية لا يمكن تجاوزها. بل اللازم هو إخضاع الأهواء والأمزجة للحكم الإلهي لأنها لا تمثل إلا جاهلية وقد قال تعالى:- ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً).

إن النـتيجة التي نريد الوصول إليها من هذا البحث هي عدم جواز الترف بالنص القرآني سواءاً على مستوى الصراحة أو الظهور، إلا حينما نواجه حكماً عقلياً قاطعاً يؤكده البرهان، وحينئذٍ سوف يمكن التصرف بالنص القرآني على مستوى التعديل بالشكل والصورة دون مساس بجوهر الفكرة القرآنية كما قدمنا. وفيما عدى ذلك، فإن المسألة سوف تدخل في دائرة التفسير بالرأي التي ورد النهي عنها في الشريعة الإسلامية، وحرمته أشد ما تكون الحرمة.