18 يونيو,2019

فائدة اتخاذ رأس السنة وكيفيته

اطبع المقالة اطبع المقالة

فائدة اتخاذ رأس السنة وكيفيته:

تكرر منا في مطاوي حديثنا السابق التعبير بـ(رأس السنة) أو(مرور السنة) أكثر من مرة، وهذا يستدعي بيان معنى ذلك وفائدته في عملية الخمس، فنقول:

إن المراد من هذا المصطلح (رأس السنة) هو مرور سنة منذ بداية ظهور الربح من إنتاج المكلف وكسبه، وهو أمر مهم من الناحية العملية في حصر وضبط المداخيل والنفقات، سواء ما كان منه للمؤنة أم للتجارة، من أجل معرفة مدى استكمال عملية الخمس لعناصرها وشروطها، وخاصة في خمس فاضل المؤنة الذي نحن بصدد الحديث عنه.

هذا رغم أن الخمس في الأساس يتعلق بالربح بمجرد ظهوره، ولكنه لما كانت مؤنة السنة مستـثناة من هذا الربح فإنه لن يظهر مقدار هذا المال المستـثنى إلا بعد استهلاك الإنسان لمؤنته على مدار العام لينكشف بعده الربح الباقي ومقدار الخمس الواجب دفعه فيه، فلو فرضنا أن إنساناً علم بأنه لن يصرف شيئاً من هذا الربح في مؤنته فلا يبقى لانتظار نهاية السنة أهمية، وحينئذٍ فإن الأحوط استحباباً له دفع الخمس فوراً وترك تأجيله إلى آخر السنة، كما أنه لو فرض أنه ربح مالاً كثيراً في أول السنة، فإن له أن يعزل منه مقدار مؤنة سنـته إذا كانت معروفة عنده تفصيلاً أو إجمالاً ويخمس الباقي.

ثم إن لرأس السنة بداية طبيعية غير متوقفة على نية المكلف وإرادته له وتحديده من قبله، وهي ظهور الربح عند أول عمل إنتاجي يشرع فيه المكلف، فيلحظ نهاية السنة عند حلول ذلك التاريخ من السنة التالية.

وللمكلف أن يتدخل بذلك ويحدد يوماً خاصاً لرأس سنـته يجعله في الوقت المناسب له، ولكنه لابد له حينئذٍ من تخميس أرباحه التي اكتسبها ما بين بداية سنـته الطبيعية وما بين التاريخ الجديد الذي حدده، ونفس الحكم يثبت فيما لو رغب بعد ذلك في تغيـيره مرة ثانية.

التقويم الهجري والميلادي:

هذا ولا فرق بين أن يعتمد المكلف على التقويم الهجري، أو على التقويم الميلادي، بل المكلف مخير بينهما.

حكم الموظف وأمثاله في الخمس:

من كان له نوع واحد من الاكتساب، كالموظف الذي يقبض راتبه شهراً بعد شهر، فإنه إذا اتخذ رأس سنة له لم يلحظ في كل جزء من أرباحه أن تدور عليه السنة، فلو قبض مرتب الشهر الثاني عشر قبل شهر من حلول آخر سنـته اعتبر هذا الراتب داخلاً في سنـته وخمس ما يفضل منه رغم أنه لم يمر عليه بذاته سنة كاملة، وكذا لو أهدي له شيء قبيل آخر سنـته وبقي عنده من دون استهلاك أو استعمال إلى آخر السنة فإنه يلزمه تخميسه، وعليه فإنه ليس له أن يجعل لكل جزء من الربح رأس سنة مستقل.

نعم إذا كانت عنده مصادر إنتاج متعددة، كما لو أضاف إلى وظيفته عملاً تجارياً مثلاً، تخير حينئذٍ بين أن يجعل لكل عمل رأس سنة مستقلاً وبين أن يجعل للجميع رأس سنة واحدة.

حكم الديون التي لمن وجب عليه الخمس:

إذا كان لشخص على شخص آخر أو على جماعة مبلغاً معيناً من المال، وهو المعبر عنه بالدين، فإذا حال عليه الحول وجب عليه أن يخرج خمسه إذا كان زائداً على مؤنة سنـته، لأن هذا الدين يعدّ مالاً مملوكاً له، ومجرد كونه غائباً عن ملكه، هذا إذا كان يعطاه متى طلبه، حتى لو كان ذلك قبل حلول الأجل.

أما إذا لم يحل وقت سداده، أو أنه لو طلبه لم يعطاه، فإنه بالخيار بين تخميسه الآن عند حلول رأس سنـته الخمسية، وبين انتظار الوقت الذي يدفع فيه إليه فيخمسه حينئذٍ.

نعم بناءاً على أنه سوف يأخر السداد لحين الأداء، لابد من الالتفات إلى أنه يعدّ هذا المال من أرباح سنة الإقراض، لا من أرباح سنة الوفاء.

كيفية تقدير الخمس:

إذا توفرت الشروط التي سبق وذكرناها لوجوب الخمس، وجب على المكلف المبادرة إلى تقديره وإخراجه ودفعه إلى أهله.

هذا ولا يخفى أن المال الذي يجب تخميسه على نوعين:

الأول: أن يكون المال الذي يجب تخميسه نقداً.

الثاني: أن يكون المال الذي يجب تخميسه عيناً.

وهذه العين مرة يشتريها بمال مجمدٍ قد مرّ عليه سنة عنده، وأخرى يشتريها من أرباح السنة، كذلك فإنه مرة يشتريها ديناً وأخرى يشتريها نقداً، وجميع ذلك مرة يكون للمؤنة وأخرى يكون للتجارة.

وفي جميع هذه الحالات يجري الحكم الذي سبق وذكرناه من أنه يتخير المكلف بين أن يخرج الخمس من العين، أو يخرجه من مال آخر بقيمته.

ثم إن تقدير الخمس يخـتلف أمره بسبب هذه الوجوه، وسوف نشير لما هو داخل في دائرة الابتلاء من هذه الوجوه، فنقول:

1-إذا كان المال الذي يراد تخميسه من النقد، ريالاً مثلاً، أو كان من الأعيان التي عنده، كالملابس أو الأحذية أو السيارات أو الأراضي أو نحو ذلك، وأراد المكلف إخراج الخمس من نفس النقد أو العين التي عنده لا من مال آخر مغاير للمال الذي تعلق به الخمس، فإنه لا مشكلة حينئذٍ في التقدير، بل يخرج خمس المال الموجود عنده ويقوم بدفعه لأهله، ولا فرق بين أن يكون هذا المال للمؤنة أو للتجارة.

2-إذا لم يرد المكلف إخراج الخمس من نفس العين، وذلك لرغبته في الاحتفاظ بالعين كاملة مثلاً، أو لأن العين لا يمكن تجزأتها بحسب طبيعتها، كالثوب المخيط أو الكتاب ونحوها، فالقاعدة في ذلك هي:

إن كل ما كان قد اشتراه من أرباح السنة لمؤنته وفضل عنه في آخر السنة فلم يستهلكه أو يستعمله في مؤنته، فإنه يجب تقدير هذه الأعيان بقيمتها الحالية وإخراج خمسها حتى لو كانت قيمتها أقل من ثمن الشراء، وإن كان الأحوط استحباباً إخراج خمس قيمتها حسب ثمن الشراء.

هذا بالنسبة لما كان معداً للمؤنة، وأما ما كان معداً للتجارة فلخروجه عن محل ابتلائنا لا نتعرض له.

3-إذا كانت الأعيان التي عنده قد اشتراها بمال هو من أرباح السنة السابقة التي استحق فيها الخمس ولم يخمسها، وذلك كما لو كان له رصيد مالي مجمد قد مرت عليه سنة ولم يخمسه، فاشترى به منـزلاً، فإن الذي يجب تخميسه هنا هو ذلك المال المجمد لا هذا المنـزل بشخصه، بل لا فرق في ذلك بين ما لو كان قد اشتراه لسكنه فسكنه، أو لم يسكنه، وبين ما لو كان قد اشتراه من أجل الانتفاع به بإنتاجه من خلال إجارته أو من خلال التجارة به، فيُغض الطرف عن نفس المنـزل وعن قيمته الحالية أو السابقة، ويتجه وجوب التخميس إلى نفس الثمن الذي اشتري به.

نعم لو كان هدفه بيع المنـزل من أجل الإسترباح بثمنه، فإن عليه:

أولاً: أن يخمس ثمن المنـزل الذي اشتراه به حتى لو كانت قيمته الحالية عند تخميسه أقل من ثمن الشراء.

ثانياً: عليه أن يخمس زيادة القيمة إذا كانت قد حدثت فيه بعد شرائه وقبل بيعه، ويعامل من هذه الجهة معاملة أي رأس مال تجاري يراد الإسترباح بـبيعه.

أحكام عامة:

س: إذا شك المكلف في أن هذه العين هل اشتراها بمال مجمدٍ قد مضت عليه سنة عنده حتى يقدّر خمسها على أساس ثمن الشراء، أو أنه قد اشتراها من أرباح سنة الشراء حتى يقدّر خمسها على أساس قيمتها الحالية، فماذا يجب عليه لإخراج خمسها؟…

ج: في مثل هذه الحالة، يلزمه أن يقدّر خمسها بسعرها الحالي.

س: إذا اشتبه الأمر على المكلف فلم يدر ما صرف وما بقي عنده، وأيضاً لم يدر ما وجب عليه الخمس فيه مما لم يجب عليه، أو أنه لم يكن قد اتخذ رأس سنة في السنوات الماضية مع توفر شروط وجوب الخمس فيه، بحيث أنه أنتج وصرف ولم يحفظ الأرقام بصورة دقيقة لما أنتجه ولما صرفه، فماذا يفعل لإخراج الخمس من ماله؟…

ج: في مثل هذه الحالة، لابد أن يكون تقدير الخمس بمراجعة المرجع الذي يقلده، أو أحد وكلائه، ليتم الاتفاق معه على تسوية تُبرئ ذمته، وهي ما تسمى بـ(المصالحة)، فيصالحه المرجع أو وكيله على ما في ذمته بمبلغ معين.

دفع وهم:

ثم إن كثيرين يتوهمون أن هذه المصالحة نوع من أنواع التساهل مع الذي عليه مقدار كبير من الخمس، فيسامحه المرجع أو وكيله ببعضه تخفيفاً عنه، ويأخذ منه البعض الآخر.

لكن هذا التوهم غير صحيح، بل إن هذا عمل غير جائز إذا كان من عليه الخمس غنياً أو ليس مورداً لأن يعطى من الحق الشرعي، فكيف يخفف عنه، فإن الخمس حق للفقراء، والمرجع أو وكيله فقط مؤتمن عليه، ولذا إذا عرف مقدار ما على المكلف من الخمس أخذه جميعه، ولم يخفف عنه منه شيء، بل لا يجوز التخفيف.

أما لو جهل ما عليه صالحه المرجع أو وكيله على مقدار يظن براءة الذمة به، وهو في الواقع قد يكون أكثر مما على المكلف، وهدف المصالحة ليس التخفيف كما ربما يتوهم، وإنما هدفها استنقاذ الحق المجهول بالطريقة الممكنة.

ولذا لو علم المكلف بعد المصالحة معه أن الخمس أزيد من المقدار الذي دفعه وجب عليه دفع ذلك المقدار الزائد المعلوم لتبرأة ذمته.