20 يوليو,2019

خلق المرأة

اطبع المقالة اطبع المقالة

خلق المرأة

 

مثلّ موضوع المرأة في الفكر الإسلامي مادة خصبة للباحثين والكتاب، خصوصاً وأن المستشرقين، وأصحاب الفكر الغربي، والحداثويـين، اليوم استغلوا ذلك على اختلاف الأغراض، من تشويه لصورة الإسلام، وإبراز أنه قد ظلم المرأة فلم يعطها حقها وغير ذلك. وقد اتخذ هؤلاء من بعض المفردات عناصر لهكذا أطروحة.

ومن تلك المفردات مسألة خلق المرأة، فقد تضمنت بعض النصوص أنها قد خلقت من ضلع آدم(ع) الأعوج، وقد وردت هذه النصوص في مصادر الفريقين، وقبل الحديث عن مدى دلالة هذه النصوص، وقبولها، وكيفية التعاطي معها، يحسن أن نشير لمقدمة:

 

فتح باب الاجتهاد:

إن مقتضى فتح باب الاجتهاد عند الشيعة يقتضي إمكانية إعادة النظر في كثير من الأمور ودراسة الأدلة للوصول إلى الحقيقة، غير أصول الدين، وضرورياته، وأصول المذهب، وضرورياته، فإنها ثابتة لا مجال للحديث فيها.

ولا يمنع من ذلك التـزام بعض أعيان الطائفة وأعلامها من الفقهاء العظام بأمر من الأمور، فقد يتوصل الباحث المختص لنتائج مغايرة لما توصل له هؤلاء، إما لوقوفه على شيء لم يقفوا عليه، كرواية أو نكتة فنية في الرواية، وإما لاستظهاره من الدليل شيئاً آخر غير ما تم استظهاره. نعم لابد وأن يكون ذلك وفق المعايـير العلمية والفنية عند ذوي الاختصاص.

 

ومن الموارد التي يمكن إعادة النظر فيها بقراءة الأدلة ما نحن بصدده، فإن القارئ لكلمات جملة من أعلام الإمامية[1]، كصاحب الجواهر، وبعض الأعاظم وبعض الأعيان(ره)، يجدهم يلتـزمون بأن حواء(ع) مخلوقة من ضلع آدم(ع) الأيسر، ويظهر هذا منهم في مسألة توريث الخنثى المشكل، وأنه يعمد إلى عدّ أضلاعها، فإن كانت الأضلاع متفاوتة، ألحقت بالرجال، وإن كانت الأضلاع متساوية ألحقت بالنساء، معتمدين على النصوص التي تضمنت تعليل ذلك بأن حواء(ع) قد خلقت من ضلع آدم(ع).

وليست المسألة المذكورة إجماعية، فإن الباحث يجد جملة أخرى من الأعلام، لم تعمل بهذه النصوص ولم تستند إليها، ما يوحي بتوقفها فيها، لأي سبب من الأسباب، كالمنع من صدروها، لخلل في السند، أو المتن، فهذا بعض أساطين العصر من المحققين (أطال الله في عمره الشريف)، يذكر أنه لو لم يمكن تميـيز الخنثى، فإن مقتضى الاحتياط أن يكون توريثها من خلال التراضي مع الورثة، وقد بنى قسم آخر من الفقهاء، على اللجوء للقرعة في أمرها، لأنها لكل أمر مشكل.

وبالجملة، إن الاختلاف الحاصل بين الأعلام، في الموضوع، يفسح المجال للباحث المختص في إعادة النظر في الأدلة المذكورة للإثبات، وإمكانية الخروج بنتيجة أخرى مغايرة، أو الموافقة لبعض الأطراف.

 

ويساعد على ما ذكرناه، ما نجده في كلام الفيض الكاشاني(ره)، وما استظهره من النصوص المذكورة، حيث ذكر عللاً وأسباباً لخلقها من ضلعه الأيسر، فقد قال(قده): فما ورد أنها خلقت من ضلعه الأيسر إشارة إلى أن الجهة الجسمانية الحيوانية في النساء أقوى منها في الرجال، والجهة الروحانية الملكية بالعكس من ذلك، وذلك لأن اليمين مما يكنى به عن عالم الملكوت الروحاني، والشمال مما يكنى به عن عالم الملك الجسماني، فالطين عبارة عن مادة الجسم، واليمين عبارة عن مادة الروح، ولا ملك إلا بملكوت، وهذا هو المعني بقوله(ع): وكلتا يديه يمين، فالضلع الأيسر المنقوص من آدم كناية عن بعض الشهوات التي تنشأ من غلبة الجسمية التي هي من عالم الخلق، وهي فضلة طينة المستنبط من باطنه التي صارت مادة لخلق حواء، فنبه في الحديث على أن جهة الملكوت والأمر في الرجال أقوى من جهة الملك والخلق، وبالعكس منهما في النساء، فإن الظاهر عنوان الباطن، وهذا هو السر في هذا النقص في أبدان الرجال بالإضافة إلى النساء، وأسرار الله لا ينالها إلا أهل السر، فالتكذيب في كلام المعصومين صلوات الله عليهم إنما يرجع إلى ما فهمه العامة من حمله على الظاهر دون أصل الحديث[2].

 

ومن الواضح، أن ما أفاده(قده) نحو من أنحاء الاجتهاد الذي قد يصل الباحث المختص إلى خلافه وفق معطيات البحث العلمي، ذلك أن شيئاً من النصوص الواردة في خلق حواء(ع) من ضلع آدم(ع)، لم تشتمل على شيء مما ذكر، وهذا يكشف عن أن كلامه(قده)، نحو استظهار منها بلحاظ أمور أخرى، ما يكشف عن إعماله للنظر والاجتهاد، فيعطي المجال لأن يخالفه غيره في ما ذكر، فضلاً عن النتيجة التي توصل إليها.

 

الأصل القرآني في خلق المرأة:

نص غير واحد من مفسري المسلمين، على أن الآية الأولى من آيات سورة النساء، وهي قوله تعالى:- (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً)[3]، تتضمن عرض موضوعين:

الأول: كيفية خلق حواء(ع)، وهي المرأة في الوجود الإنساني.

الثاني: كيفية بدء التناسل البشري، من خلال حصول التزاوج لأبناء آدم(ع)[4].

والذي يرتبط بمحل البحث هو خصوص الموضوع الأول دون الثاني، وهو الذي يعنى ببيان بدء خلق المرأة.

وقد بنوا ما ذكروه على تفسير كلمة النفس الواردة في الآية الشريفة بالوحدة الشخصية، ليكون المقصود منها هو آدم أبو البشر(ع)، وفسروا كلمة زوجها بحواء(ع)[5].

 

معنى خلق حواء من آدم:

وقد ذكرت توجيهات في معنى خلق حواء(ع) من آدم(ع):

منها: أن يكون خلق الزوج بعد تمامية خلق آدم(ع)، وتعلق الروح به، بأن يكون قد انفصل جزء من الحي فصار إنساناً آخر.

وبعبارة ثانية، أن يكون الخلق من جثمان النفس الواحدة بعد اكتمالها، ولما تنفخ فيها الروح، وهو غير بعيد، وصدق النفس عليها باعتبار المشارفة.

ومنها: أن يكون الخلق بمعنى التقدير، بأن يكون المعنى: خلق من نوعها وعلى طبعها زوجها، ولو بعد حين، فلا يكون انفصالاً.

ومنها: أنها خلقت من الطينة الزائدة التي خلق منها آدم(ع)، قبل تعلق الروح بهما، فيكون آدم(ع) وحواء(ع) موجودين مختلفين، ولكنهما متحدان في أصل الطينة.

وبتعبير آخر، أنها قد خلقت من التراب، ولما تخلق هذا النفس الواحدة إنساناً بجسمه أو روحه، ومهما كان بالهيكل الترابي. والتراب المخلوق منه الإنسان ليس نفساً ولا إنساناً

ومنها: أنها خلقت من هيكل النفس الإنساني الترابي سوياً قبل تحولها جثمان إنسان فضلاً عن الحياة[6].

ولا يذهب عليك، أنه لو بني على المعنيـين الثاني والثالث، فلن تكون حواء مخلوقة من آدم(ع)، بخلاف ما لو نبي على المعنى الأول.

وقد أختار بعض الأعيان(ره) في تفسيره منها المعنى الثالث، وجعل دليله على ذلك أموراً ثلاثة:

أحدها: تكرار كلمة الخلق في الآية الشريفة، فقد وردت في مطلع الآية في قوله تعالى:- (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم)، ومرة ثانية في قوله سبحانه:- (خلق منها زوجها)، وهذا يدل على تفاوت في الخلقين.

ثانيها: التراخي في خلق حواء(ع)، كما يظهر ذلك من قوله تعالى في سورة الزمر:- (خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها)، فإن الجعل يشير إلى تأخر في الرتبة، وهذا يكشف عن وجود فاصل زمني بينهما.

ثالثها: الأحاديث الكثيرة المعتبرة التي تنص على أن حواء(ع) قد خلقت من فاضل طينة آدم(ع)[7]. ولا يخفى عدم صلاحية الأمرين الأولين للدلالة على ذلك، فإن أقصى ما يظهر منهما تأخر خلق حواء(ع) عن خلق آدم(ع)، ولا دلالة فيهما على أن خلقها كان من آدم(ع)، أو كان من فاضل طينته. وأما الأمر الثالث، فسوف نترك الحديث عنه لحين الحديث عن النصوص المتضمنة لكيفية خلق المرأة الأولى وهي حواء(ع).

وكيف ما كان، فإن تمامية ما تضمنته كلمات المفسرين، تقوم على التسليم بكون المقصود من النفس الوارد ذكرها في الآية الشريفة هي الوحدة الشخصية، وهي النفس الواحدة، ليكون المقصود منها هو نبي الله آدم(ع)، وهذا يعتمد على توفر دليل يدل على ذلك.

 

أدلة الوحدة الشخصية:

وقد تمسك القائلون بذلك بدليلين:

الأول: انعقاد إجماع المفسرين على كون المقصود بالنفس في الآية الشريفة، هي الوحدة الشخصية، وليس الوحدة النوعية[8].

ولم يتضح أن الإجماع المذكور، هو نحو من أنحاء الإجماع المصطلح المذكور في علم الأصول، ليعتبر فيه ما يعتبر فيه هناك، أو أنه مجرد اتفاق في الرأي، ومع البناء على الثاني، فهل هناك ما يصلح دليلاً على حجيته في نفسه، أو لا.

ومن المحتمل جداً، أن يكون المقصود منه في كلماتهم غير الإجماع الاصطلاحي، وبالتالي يكون مشيراً إلى وجود توافق وشهرة علمائية في تعين المراد في هذا المعنى، وهذا لو تم، فليس في البين ما يصلح للبناء على حجيته، ومانعيته عن المعنى الآخر، لأنه لا يشكل قرينة مانعة من انعقاد ظهور في معنى آخر كما لا يخفى.

الثاني: ما ذكره العلامة الطباطبائي(ره)، من التمسك بظاهر السياق القرآني، ولعله يقصد بذلك ملاحظة ما جاء في ذيل الآية الشريفة، وهو الموضوع الثاني الذي تتضمنه الآية الشريفة، والحديث عن كيفية ابتداء التناسل البشري، قال تعالى:- (وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً)، فيستكشف منه أن المقصود بها هو الوحدة الشخصية، وأن النفس تعني آدم(ع)، وزوجها هي حواء(ع)[9].

وهو غير ظاهر، لأنه كما يصلح أن يكون قرينة لكون المقصود من النفس الوحدة الشخصية، يصلح أن يكون قرينة لظهورها في الوحدة النوعية، ذلك أنه لا خلاف في أن بث الرجال والنساء من الرجل والمرأة، المتفقان في ما خلقا منه، كما سيتضح إن شاء الله تعالى.

وبعبارة أخرى، إن السياق القرآني، كما يحتمل نظره لآدم الشخصي، يحتمل نظره أيضاً لآدم النوعي، وهو جنس الإنسان.

 

حقيقة النفس في الآية:

وحتى يتضح مدلول الآية الشريفة، لابد من تحديد المقصود من مفردة النفس الواردة فيها، بعد وضوح أن الخطاب فيها عام شامل للذكر والأنثى، لظهور لفظ الناس في ذلك، وعدم اختصاصه بالذكور كما هو واضح.

والمستفاد من كلمات أهل اللغة، أن النفس تستعمل ويقصد منها الذات، وقد أشار لهذا السيد صاحب الميزان(ره)، فذكر أن المستفاد من كلماتهم في حقيقة النفس أنها عين الشيء، فيقال: جاءني فلان نفسه، وعينه[10].

وأما في الاصطلاح، فقد ذكر (ره)، أنها ما يكون به الانسان إنساناً، وهو مجموع روح الإنسان وجسمه في هذه الحياة الدنيا، والروح وحدها في الحياة البرزخية[11].

ووفقاً لما أفاده(قده)، يكون المقصود من النفس عبارة عن الحقيقة التي يمتاز بها الإنسان عن غيره، والتي جعلت الإنسان إنساناً، وهو الذي تعلق به الخلق[12].

وعليه، يكون مفاد الآية الشريفة، هو الإشارة إلى المادة الأولى التي خلق منها جميع الناس، وهي عبارة عن الحقيقة الانسانية التي يتحد فيها جميع الأفراد وكل السلالات والأقوام والمجتمعات من دون تفاوت بينهم، فهم متفقون في الفطرة، ومشتركون في القيم والسير التكاملي. ومن آثار هذه النتيجة، نفي نظرية تطور الأنواع[13].

ومقتضى ما تقدم ذكره، يلزم أن تكون الآية الشريفة بصدد الحديث عن الوحدة النوعية، وليس الوحدة الشخصية، وهذا ما لم يقبله المفسرون، مع أنه قد أشير له في كلماتهم، اعتماداً على الأمرين الذين تقدم ذكرهما للبناء على الوحدة الشخصية، ليكون موضوعها هو آدم الشخصي(ع)، وقد عرفت ما فيهما[14].

 

ولم يقبل العلامة الطباطبائي(قده)، حمل الآية الشريفة على الوحدة النوعية، لوجود الفرق بين آية سورة النساء وهي قوله تعالى:- (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً)، وآية سورة الحجرات وهي قوله تعالى:- (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، فإن آية سورة الحجرات في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة الإنسانية، ونفي الفرق بينهم من جهة انتهاء تكوّن كل واحد منهم إلى أب وأم إنسانين فلا ينبغي أن يتكبر أحدهم على الآخرين، ولا يتكرم إلا بالتقوى. وأما آية النساء فهي في مقام بيان اتحاد أفراد الإنسان من حيث الحقيقة، وأنهم على كثرتهم رجالاً ونساءاً إنما اشتقوا من أصل واحد، وتشعبوا من منشأ واحد فصاروا كثيراً على ما ظاهر قوله:- (وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءاً)، وهذا المعنى كما ترى لا يناسب كون المارد من النفس الواحدة وزوجها مطلق الذكر والأنثى الناسلين من الإنسان على أنه لا يناسب غرض السورة[15].

 

والإنصاف، أن وجود الفرق بين الآيتين غير واضح، ضرورة أن كلتيهما تشيران إلى وحدة الحقيقة الإنسانية التي وجد الإنسان منها، نعم ما لا ينكر أن موضوع كل منهما مختلف، ذلك أن موضوع سورة الحجرات الحديث عن البعد التربوي القيمي الأخلاقي، الناجم من عدم الفرق في الوجود بين أفراد الإنسان، لأنهم جميعاً يرجعون لأصل واحد متحد في الحقيقة، وموضوع سورة النساء هو الحديث عن ابتداء خلق الإنسان، وأنه موجود مخلوق من حقيقة واحدة.

 

لفظة(زوجها) في الآية:

ثم إنه وفقاً لما تقدم من البناء على كون المقصود من النفس في الآية الشريفة، هي الحقيقة الإنسانية، لتدل على الحقيقة النوعية، يبقى تحديد المقصود من لفظة(زوجها) فيها، إذ ربما جعلها بعضهم قرينة على كون المقصود بالنفس فيها الوحدة الشخصية، وليست النوعية، ليكون موضوعها هو أبو البشر آدم(ع).

وعند الرجوع لكلمات أهل اللغة، كالراغب الأصفهاني في المفردات، في مادة زوج، نجده يذكر:

زوج: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة زوج، ولكل قرينين فيها وفي غيرها زوج كالخف والنعل ولكل ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مضاداً زوج[16].

وعليه، يكون معنى الآية الشريفة، الإشارة إلى اتحاد النوع المخلوق منه النفس الواحدة وجنسها، وأنهما متماثلان في أصل الانسانية وقيمها ومتحدان في العبودية لله سبحانه وتعالى، وجميع الأحكام.

وهذا يستدعي أن لا تكون(من) الواردة في الآية تبعيضية، بل نشوئية كما ذكر ذلك السيد الطباطبائي(قده)[17]، لتكون الآية نظير قوله تعالى:- (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة)، وقوله سبحانه:- (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة).

 

وعليه، متى ضم ما ذكر من دلالة لفظة الناس الواردة في مطلع الآية الشريفة على المعنى العام الشامل للذكر والأنثى، وأن الحديث في الآية المباركة لهما، يكون المعنى جلياً واضحاً، لأن(زوجها)، يكون للذكر والأنثى، وبالتالي لا يكون مدلول الآية خلق حواء(ع)، من آدم(ع)، بل المقصود الإشارة إلى اتحادهما في ما خلقا منه.

 

مختار مشهور المفسرين:

أما لو بني على مختار مشهور المفسرين، وألتـزم بالوحدة الشخصية، وأن المقصود من النفس هو نبي الله آدم(ع)، والمقصود من زوجها هي حواء(ع)، فإنه سوف تختلف النتيجة وفق المختار في(من)، فإن فيها احتمالين:

الأول: أن يبنى على أنها تبعيضية، ومقتضاها البناء على أن حواء(ع)، مخلوقة من آدم(ع)، نعم ربما بني على أن خلقها منه(ع)، لا يعني أنها مخلوقة من جزء من أجزاءه، كما هو مقتضى التوجيه الأول من التوجيهات التي تقدمت في بيان معنى خلقها(ع) منه(ع)، أو أنها مخلوقة من فاضل طينته(ع)، كما هو مقتضى التوجيه الثالث من تلك التوجيهات، وإن كان التوجيه الأول أقرب للظهور عندها، فتأمل.

الثاني: أن يبنى على أنها نشوئية، وعندها سوف يكون مدلول الآية الشريفة هو الإشارة لاتحادهما في نوعية ما خلقا منه، ولن تكون بصدد بيان مخلوقيتها من آدم(ع).

وبالجملة، لا يمكن الاستناد على وجود دلالة قرآنية يعتمد عليها لبيان مبدأ خلق المرأة، فضلاً عن جعل ذلك أصلاً موضوعياً يمكن الركون إليه، حال حصول معارضة بين النصوص، أو طلب حجيتها من خلال عرضها عليها، لترفع اليد عما يكون مخالفاً له.

 

 


 

[1] لا يختص القول بذلك بأعلام الإمامية، بل هو قول يلتـزم به علماء المسلمين، وطلباً للاختصار، نقتصر على ذكر علماء الإمامية.

[2] تفسير الصافي ج 2 ص 178.

[3] سورة النساء الآية رقم 1.

[4] في كلمات المفسرين قولان في كيفية بدء التناسل البشري:

الأول: أن أولاد آدم وحواء(ع) قد تزاوج من بعضهم البعض، لأن حواء(ع) كانت تحمل في كل بطن أثنين، ذكراً وأنثى، فإذا ولدت البطن الثاني، تزوج الذكر في البطن الأول من الأنثى في البطن الثاني، وتزوح الذكر في البطن الثاني، الأنثى في البطن الأول، وهكذا.

الثاني: أن التزاوج قد حصل لهم مع آخرين، فليس التزاوج بينهم من خلال الارتباط بين الأخوة والأخوات، سواء كان ذلك من خلال خلق الله للذكور منهم إناثاً، أم كان ذلك من خلال التزاوج بالخلق الآدمي السابق.

وقد عرضنا لهذا الموضوع بصورة مفصل تحت عنوان بدء التناسل البشري، فيمكن المراجعة.

[5] الميزان في تفسير القرآن ج 4 ص 135، مواهب الرحمن في تفسير القرآن ج 7 ص 230، الفرقان في تفسير القرآن ج 6 ص 11، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج 3 ص 75. ومن تفاسير الجمهور تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 166، روح المعاني ج 2 ص 541.

[6] مواهب الرحمن في تفسير القرآن ج 7 ص 231-232، الفرقان في تفسير القرآن ج 6 ص 15-16. أشار لشيء من هذه الأمور أيضاً الآلوسي في تفسيره روح المعاني ج 2 ص 542.

[7] مواهب الرحمن في تفسير القرآن ج 7 ص 231-232.

[8] تفسير الرازي ج 5 ص 166.

[9] الميزان في تفسير القرآن ج 4 ص 135.

[10] الميزان في تفسير القرآن ج 4 ص 135.

[11] المصدر السابق ج 4 ص 135.

[12] مواهب الرحمن في تفسير القرآن ج 4 ص 230.

[13] المصدر السابق ص 229.

[14] يمكن ملاحظة السيد الطباطبائي(ره) في الميزان في تفسير الآية الأولى من سورة النساء، وكذا السيد السبزواري(ره) في مواهب الرحمن في أول آية من آيات سورة النساء، وكذا الشيخ مكارم الشيرازي، في كتابه الأمثل في تفسير أول آيات سورة النساء، وغيرهم من أعلام التفسير من الفريقين.

[15] الميزان في تفسير القرآن ج 4 ص 135-136.

[16] مفردات ألفاظ القرآن مادة زوج ص 384.

[17] الميزان في تفسير القرآن ج 4 ص 135.