20 يوليو,2019

مخالفة الكتاب

اطبع المقالة اطبع المقالة

مخالفة الكتاب

 

اعتبر أعلام الإمامية في حجية الخبر عدم مخالفته للكتاب، فلا يحكم بحجيته حال كونه مخالفاً، وقد استندوا في ذلك لما يعرف بروايات العرض.

وقد أوجب اعتبار هذا الشرط شبهة عند غير المختصين، فصاروا يردون العديد من النصوص في موضوعات مختلفة، سواء ما كان منها عقدياً، كرفض قتل المرتد، لأن النصوص الدالة على ذلك مخالفة للقرآن الكريم، أو عدم ثبوت الإمامة لأمير المؤمنين(ع)، لأنه لم يصرح باسمه في شيء من الآيات المباركة، أو انكار ثبوت عذاب القبر، والبرزخ، لأن نصوصه مخالفة للقرآن، أم ما كان منها فقهياً، كرفض الحكم بنجاسة الكافر، ونجاسة الخمر، لمخالفة النصوص الدالة على ذلك للآيات القرآنية، فإنها لم تتضمن الحكم بنجاستهما.

 

روايات العرض:

ويعتبر الشرط المذكور من مختصات الإمامية، دون بقية المسلمين، فإنه مع وجود نصوص تتضمن هذا المعنى في مصادرهم الحديثية، إلا أنهم يردوها بضعف الأسناد، مع أن كثرة النصوص الواردة في كتب الفريقين، مانعة من ذلك، لأنه مع كثرتها، لو لم يحكم معها بالتواتر، فلا أقل من الاستفاضة الموجبة لوثوق الفقيه بالصدور.

وعلى أي حال، سوف نقصر الأمر على عرض بعض النصوص الواردة في مصادر الإمامية، ويمكن للقارئ ملاحظة ما تضمنته كتب الجمهور.

ويمكن تقسيم النصوص لطائفتين:

الأولى: ما تضمنت الحكم على كل رواية مخالفة للكتاب، بأنها غير صادرة عن المعصوم(ع):

منها: صحيح أيوب بن راشد، عن أبي عبد الله(ع)، قال: ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف[1].

ومنها: صحيح أيوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف[2]. فإن التعبير فيهما بالزخرف، كناية عن عدم صدور الكلام عن المعصوم(ع).

ومنها: خبر هشام بن الحكم، وغيره، عن أبي عبد الله(ع) قال: خطب النبي(ص) بمنى، فقال: أيها الناس، ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله[3]. وهو صريح في الدلالة على المطلوب، لأنه قد تضمن إنكاره(ص)، لصدور ذلك منه.

 

الثانية: ما تضمنت تأسيس قاعدة كلية، مفادها الأخذ بما كان موافقاً للكتاب من الأخبار، ورد ما كان مخالفاً منها له:

منها: ما رواه السكوني، عن أبي عبد الله(ع) قال: قال رسول الله(ص): إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه[4].

ومنها: صحيح جميل، عن أبي عبد الله(ع) قال: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه[5].

ويمكن الاستناد أيضاً لحديث الثقلين، وهو المروي عن رسول الله(ص)، وأنه قال: أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي: الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض[6].

لظهوره في عدم حصول المخالفة بينهما، وإلا لزم من ذلك تحقق الافتراق، وهو خلاف صريح الحديث.

وقد يتمسك أيضاً بالنصوص العلاجية الواردة في الخبرين المتعارضة، فقد تضمنت ترجيح ما كان منها موافقاً للكتاب، فإن ذلك يكشف عن أن كل ما يكون مخالفاً للكتاب، ليس بحجة[7].

 

مدلول روايات العرض:

ثم إنه بعد الوقوف على جملة من النصوص الدالة على اعتبار الشرط المذكور، يلزم ملاحظة دلالتها، لمعرفة أن المستفاد منها هو عدم المخالفة للكتاب، أم أنه يعتبر في الحجية الموافقة له.

والصحيح، أن المعتبر هو عدم المخالفة له، وليس الموافقة التامة، ونعني بها المخالفة بنحو التباين والتناقض والممانعة، بحيث يكون المضمون الوارد في الخبر مغايراً تماماً للمضمون الوارد في القرآن الكريم، كما لو بني على أن المقصود من كلمة(نجس) الواردة في قوله تعالى:- (إنما المشركون نجس)[8]،دلالتها على النجاسة، ليكون مفادها البناء على نجاسة الكافر، وورد نص عن المعصوم(ع)، يفيد طهارة الكافر، كان ذلك موجباً لتحقق المعارضة والمخالفة.

أما لو كانت المخالفة بين الآية القرآنية، وبين النص المعصوم بالعموم والخصوص المطلق، فلن يكون الخبر مخالفاً للكتاب، لأنه يمكن الجمع بينهما، مثل صحيح عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله(ع): الرجل يسافر في شهر رمضان يصوم أو يفطر؟ قال: إن خرج قبل الزوال فليفطر، وأن خرج بعد الزوال فليصم[9]. فإنه لا يخالف قوله تعالى:- (ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)[10]، وإن كان الظاهر من الآية الشريفة أن مجرد السفر ولو قبل غروب الشمس بدقيقة موجب للقضاء، لكنه يمكن التوفيق بينهما ليكون الصحيح مقيداً للإطلاق المستفاد من الآية الشريفة، فيحمل ذلك على ما إذا كان قبل الزوال، لا ما إذا كان بعد الزوال.

وهذا يعني أنه ليس المعتبر في الحجية الموافقة التامة بين النص الوارد عن المعصوم(ع)، وبين الآيات القرآنية، لأنه قد لا يشتمل القرآن الكريم على ما يكون موافقاً للنص الروائي، إلا أن ذلك لا يجعله مخالفاً له، فالنصوص التي تضمنت تفاصيل العبادات من الصلاة والصوم والحج، وغيرها، فذكرت ركعات كل صلاة، وذكرت مفطرات الصوم، ومحظورات الإحرام، لا تعدّ مخالفة له، لعدم ذكر هذه الأمور فيه.

وزيادة في إيضاح معنى المخالفة المانعة من الحجية والتي تعدّ شرطاً في ذلك، نذكر المثالين التاليـين:

 

الأول: ميراث السيدة الزهراء(ع):

فقد نسب الرجل عندما طالبته السيدة الزهراء(ع) بميراثها من أبيها رسول الله(ص) حديثاً للنبي الأكرم محمد(ص)، من أنه قال: نحن الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة. وأن مفاده عدم انتقال شيء مما يتركه الأنبياء(ع) بعد خروجهم من الدنيا لذويهم، بل يكون جميع ما تركه حقاً عاماً. وهذا الاستدلال يتم لو كان الموجود في القرآن الكريم في شأن الميراث هو خصوص الآيات العامة التي تضمنت التوارث بين الأقارب، مثل قوله تعالى:- (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيـين)[11]، فإن الخبر المذكور سوف يكون مخصصاً لها، ليخرج النبي الأكرم محمد(ص) من تحتها.

إلا أن المانع من قبوله، وجود آيات أخرى خاصة تضمنت وراثة الأنبياء(ع)، وهو ما استشهدت به السيدة الطاهرة الزهراء(ع)، وهو قوله تعالى:- (وورث سليمان داود)[12]، وقوله سبحانه:- (فهب لي من لدنك ولياً* يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً)[13].

الثاني: عدم الوصية لوارث:

من المعروف عند علماء الجمهور الافتاء بعدم صحة الوصية لوارث، وقد استندوا في ذلك لرواية أبي أمامة، أو عمر بن خارجة، أنه سمع رسول الله(ص) يقول في خطبته في حجة الوداع: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث[14]. وهذا المعنى يخالف قوله تعالى:- (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين)[15]، لصراحتها في جواز الوصية للوالدين، مع أنهما وارثان، فتكون الرواية السابقة معارضة ومباينة للكتاب العزيز.

وبالجملة، إن المقصود من المخالفة المانعة من الحجية، هي المخالفة التامة بين النصوص وبين الآيات القرآنية. لأن المفروض أن السنة شارحة ومبينة لكل ما جاء في القرآن الكريم بنحو الإيجاز.

 

دليل العقل يحدد نوع المخالفة في روايات العرض:

على أن دليل العقل يحكم بالمنع من كون المطلوب هو الموافقة التامة بين الآيات القرآنية، والنصوص الصادرة عن المعصومين(ع)، لأنه لو بني على اعتبار ذلك، فإنه يلزم انتفاء وظيفة السنة الأساسية، بسلب حجيتها، وعدم كونها مصدراً ثانياً إلى جانب القرآن في مجال التشريع، وحصر وظيفتها في خصوص التأكيد لما ورد في القرآن الكريم، وهو ينافي قوله تعالى:- (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)[16]، وكذا النصوص التي تضمنت أن الله تعالى قد فوض لرسوله(ص) أمر الدين، ففي معتبرة الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله(ع)، قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب، قال:- (إنك لعلى خلق عظيم)، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل:- (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وإن رسول الله(ص) كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله ثم إن الله عز وجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات، فأضاف رسول الله(ص) إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلي الفريضة فأجاز الله عز وجل له ذلك، والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان وسنّ رسول الله(ص) صوم شعبان وثلاثة أيام في كل شهر مثلي الفريضة فأجاز الله عز وجل له ذلك، وحرّم الله عز وجل الخمر بعينها وحرّم رسول الله(ص) المسكر من كل شراب فأجاز الله له ذلك كله وعاف رسول الله(ص) أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام، إنما نهى عنها نهي إعافة وكراهة، ثم رخص فيها فصار الأخذ برخصه واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه ولم يرخص لهم رسول الله(ص) فيما نهاهم عنه نهي حرام ولا فيما أمر به أمر فرض لازم، فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام لم يرخص فيه لأحد ولم يرخص رسول الله(ص) لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض الله عز وجل، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً، لم يرخص لأحد في شيء من ذلك إلا للمسافر وليس لأحد أن يرخص شيئاً ما لم يرخصه رسول الله(ص)، فوافق أمر رسول الله(ص) أمر الله عز وجل ونهيه نهي الله عز وجل ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى[17].

ووفقاً لما تقدم، متى وجد خبر منسوب لأحد المعصومين(ع) يعارض في معناه معنى آية من آيات القرآن، كان ذلك مانعاً من حجيته، بل يكشف ذلك عن عدم صدوره وكذبه على المعصوم(ع)، لاستحالة حصول المنافاة والتكاذب بين ما جاء في القرآن الكريم، وما جاء في السنة الشريفة. أما لو لم يكن الخبر المنقول معارضاً ومنافياً للقرآن، فإنه لا يعد مخالفاً، بل يعدّ موافقاً له، ويلزم العمل على وفقه[18].

ومن خلال ما تقدم، يمكن القول أن موافقة النص المعصومي للآية القرآنية، تكون على أنحاء ثلاثة:

 

الأول: الموفقة التامة:

وهي التي يشتمل القرآن الكريم على شاهد صريح يعزز مضمون الخبر، مثل حرمة الربا، فإن قوله تعالى:- (وأحل الله البيع وحرم الربا)[19]، يجعل الخبر الدال على حرمة الربا موافقاً بالموافقة التامة للقرآن الكريم، لأنه ينسجم مع الآية الشريفة تماماً.

 

الثاني: الموافقة المضمونية:

ويقصد منها أن يكون المضمون القرآني موافقاً له ولو لم يوجد عليه شاهد خاص، نظير ما يستفاد من مجموع آيات القرآن الكريم في احترام الإنسان، وأن مقياس التفاضل بين البشر هو التقوى والعمل الصالح، فقد قال تعالى:- (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البحر والبر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً)[20]، وقال سبحانه:- (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)[21]، فإن هذا المعنى يوجب رد كل خبر تضمن ذماً لبعض الأقوام، كالنص الذي يقول أن الأكراد قوم من الجن، أو النص الذي يحوي تفضيلاً لآخرين على بقية الناس.

 

الثالث: عدم المخالفة:

وهي الذي لا يكون في القرآن الكريم نص صريح يخالف مضمون الخبر، فإن هذا يعتبر موافقاً وليس مخالفاً، لأن العرف يطلق لفظ الموافق على كل ما لا يكون مخالفاً بنحو التنافي والمعارضة، ويساعد على ذلك أن كل ما لم ينفه القرآن الكريم، يكون صادراً عنهم(ع)، مع توفر الشروط الأخرى المعتبرة في الحجية. ويمكن تقريب ذلك بالرواية الواردة في التفسير المنسوب لعلي بن إبراهيم القمي، فعن أبي الجارود، عن أبي جعفر(ع)-في حديث- قوله تعالى:- (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا)، قال(ع): من كان في يده مال بعض اليتامى فلا يجوز له أن يؤتيه حتى يبلغ النكاح ويحتلم، فإذا احتلم وجب عليه الحدود وإقامة الفرائض، ولا يكون مضيعاً ولا شارب خمر ولا زانياً، فإذا آنس منه الرشد دفع إليه المال وأشهد عليه، وإن كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ فإنه يمتحن بريح إبطه أو نبت عانته، فإذا كان ذلك فقد بلغ فيدفع إليه ماله إذا كان رشيداً، ولا يجوز أن يحبس عنه ماله ويعتل عليه أنه لم يكبر بعد قوله:- (ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا)، فإن كان في يده مال يتيم وهو غني فلا يحل له أن يأكل من مال اليتيم، ومن كان فقيراً فقد حبس نفسه على ماله فله أن يأكل بالمعروف[22]. فإن ما تضمنته الرواية من تفصيل وبيان لم يرد شيء منه في الآية القرآنية، ومع ذلك لا يتصور من العرف قوله أن الرواية مخالفة للكتاب العزيز، بل نجدهم يبنون على موافقتها، وما هذا إلا لما ذكرناه من أن عدم المخالفة بنحو التباين والمعارضة، يدخل الخبر في حيز الموافقة[23].

والحاصل، إن الخبر الذي لا يكون معارضاً ومنافياً للقرآن الكريم، بنحو المخالفة التامة، فإنه لا يعدّ مخالفاً ليمنع من حجيته، بل يعدّ موافقاً، ويدخل دائرة الحجية مع توفر شروطها البقية، ويلزم العمل على وفقه، ويساعد على ما ذكرنا من تحديد دائرة المخالفة في خصوص ما كان بنحو المباينة والمعارضة التامة، ما روي عن الإمام الرضا(ع)، عندما تنازع عنده قوم من أصحابه في الحديثين المختلفين، عن رسول الله(ص)، في الشيء الواحد، فقال(ع):  إن الله عز وجل حرّم حراماً وأحلّ حلالاً، وفرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرّم الله، أو تحريم ما أحلّ الله، أو رفع فريضة في كتاب الله رسمها بيّن قائم بلا ناسخ نسخ ذلك، فذلك ما لا يسع الأخذ به، لأن رسول الله(ص) لم يكن ليحرم ما أحل الله ولا ليحلل ما حرّم الله، ولا ليغيّر فرائض الله وأحكامه[24].

 

نفي نسخ الكتاب بالسنة:

وينتج من البناء على روايات العرض عدم جواز نسخ الكتاب العزيز بشيء من السنة الشريفة، لأن المفروض أن الرواية الناسخة سوف تكون مخالفة لمدلول الآية القرآنية، ما يكشف عن أن المخالفة بينهما بنحو التباين المانع من حجية الخبر حينئذٍ.

خبر الثقة وغيره:

ولا فرق في سلب الحجية عن كل خبر خالف كتاب الله، بين أن يكون الراوي له ثقة، أو لا، فإن المدار على ملاحظة المضمون والمحتوى الذي ورد في الخبر أيضاً، وليس ملاحظة سنده فقط.

أنحاء العرض على الكتاب:

 

وقد ذكر بعض الأساتذة(وفقه الله)، أن عرض الخبر على الكتاب، يكون على أنحاء ثلاثة:

النحو الأول: العرض التجزيئي:

ويقصد منه العرض على آية معينة من الآيات القرآنية، أو آيات من القرآن الكريم محددة ظاهرة في معانيها غير خفية على أحد، كالعرض على آيات التوحيد.

النحو الثاني: العرض الموضوعي:

وهو العرض على نتيجة مستلة من مجموعة آيات شكلت موضوعاً معيناً وحكماً واضحاً، أو قل: العرض على رؤية قرآنية مستنبطة من مجموع آيات ذات صلة وثيقة بموضوع جاء الحديث على طبقه. ويمكن التمثيل لذلك بالمرأة في القرآن الكريم، وما لها من حقوق، فإن الآيات القرآنية وإن كانت ذات مواضيع مختلفة، فبعضها يتحدث عن ثبوت حقها في التعليم، وآخر يتحدث عن مساواتها للرجل في الكرامة، وثالث، موضوعه ثبوت الأجر والثواب لها على ما تقوم به من عمل وطاعة، إلا أننا نجد أن موضوعها من حيث النتيجة واحد، وهو المرأة، ومساواتها للرجل، إلا في ما استثني.

وبعبارة ثانية، إن النتيجة المستلة من مجموعة آيات ذات صلة، تشكل نظرية أو قانوناً حاكماً على جميع الروايات ذات الصلة بالموضوع، فتكون فائدتها كبيرة وعظيمة، وهنا يكمن الفضل الحقيقي للعرض الموضوعي على العرض التجزيئي، فضلاً عن كون العرض الموضوعي يوفر حلولاً حقيقية، ويوفر اطمئناناً كبيراً في رفع المشكل، فضلاً عن النتائج الثانوية الأخرى التي تتعلق بالكشف عن خلفيات مباني الفرق والمذاهب، ولهذا الأمر نتائج جمة على المستويـين النظري والعملي، لا سيما في مجال العرض على الأمة والإقناع[25].

 

النحو الثالث: العرض المجموعي:

وهو العرض على المعاني الكلية للقرآن الكريم برمته، دون لحاظ آية معينة، أو سورة خاصة بعينها، وهو ما يسمى أيضاً بالعرض على روح القرآن الكريم، ويمكن التمثيل بهدف نزول القرآن الكريم، وأنه جاء من أجل التغيـير وتحرير الإنسان من عبودية الشهوة واتباع الغريزة.

ومن الواضح، أن القدرة على العرض بهذا النحو يحتاج أن يكون المتصدي لذلك متخصصاً في فهم القرآن، تفسيراً وتأويلاً من خلال ممارسة عمليتي التفسير والتأويل.

ولا يملك القدرة على إعمال هذا النحو إلا من يكون ممتلكاً أدوات قراءة النص الديني، وعارفاً بالمناهج والأساليب والاتجاهات التفسيرية-كقدر متيقن-ومطلع على أقوال المفسرين ومبانيهم ومدارسهم[26].

وقد ذكر(وفقه الله)، أن النحو الثاني وإن كان أفضل من النحو الأول من حيث النتيجة، بل هو الذي ينبغي التمسك به كقدر متيقن للخروج من طائلة النتائج التجزيئية التي تشكلت في ضوئها المذاهب والفرق، إلا أنه يبقى كالنحو الأول لا يحقق الغرض في العرض على القرآن الكريم، لأنه يغطي مساحات محدودة، ولا يصار إليه مع التمكن من الوصول للعرض المجموعي.

وعليه، فقد قرر بأن الذي ينبغي أن يتبع في عملية العرض على القرآن الكريم هو خصوص النحو الثالث، وقد عرفت ما يعتبر في إعماله من شرط لابد من توفره[27].

والسبب في عدم صلاحية العرض التجزيئي للعرض، يعود لتعدد المحتملات في الآية الشريفة، أو الآيات التي يعرض عليها، لأن كل آية تشتمل على نصية في المعنى، أو ظهور فيه، أو إشارات إلى أكثر من معنى، هذه الاحتمالات تحتاج إلى تقنين.

وأما المانع من القبول بالعرض الموضوعي يعود لكونه محدود المساحة، ولا يمكنه أن يغطي كافة المساحات، فتبقى بعضها دون شمول مهما اتسعت دائرته، ولا تغطى هذه المساحات إلا من خلال العرض المجموعي[28].

والإنصاف، أن ما أفاده(زيد في توفيقه)، دقيق في الجملة، لكنه لا يمكن البناء عليه في كافة الموارد، فإن أبرز موارد العرض على الكتاب العزيز يكون للنصوص المرتبطة بالأحكام الشرعية، وهذا لا ينسجم مع البناء على العرض المجموعي، فلو وجدنا خبراً يدل على عدم مفطرية الأكل والشرب مثلاً، فإنه سوف يكون معارضاً لآية الصوم الدالة على مفطريتهما، ما يعني كفاية العرض بنحو العرض التجزيئي، وهكذا.

نعم في الأمور العامة الكاشفة عن رؤية حول الدين، أو حول الشريعة، فإنه يصعب استخدام النحو الأول، بل حتى النحو الثاني لا يخلو عن شيء كما أفاد، ولذا لو جاء نص يشير إلى شيء يتنافى وعنصر الإنسانية، أو يتنافى ومبدأ التحرير للإنسان من شهواته وغرائزه، كالنصوص التي تعرض المرأة بصورة سلبية، فإن الصالح لها هو العرض بالنحو الثالث.

وبالجملة، يمكن الالتـزام بالتفصيل، فيقرر أنه في بعض الموارد، لا يكتفى بالعرض التجزيئي، بل الموضوعي، ولا يبنى إلا على خصوص العرض المجموعي، وفي موارد أخرى يكفي أحدد النحوين الآخرين، وهذا يعتمد على التطبيق الخارجي كما لا يخفى على الممارس.

 

حرمة رد الأحاديث:

ولا بأس أن يشار في الختام، إلى ما تضمنته بعض النصوص من حرمة رد النصوص التي يحتمل صدورها عنهم(ع)، سواء كان ذلك من خلال الانكار لمضمونها، والبناء على عدم صحته، والحكم ببطلان ما جاء فيها، أم كان ذلك بعدم الاكتراث بها، والإعراض عن مضمونها، ففي صحيح أبي عبيدة الحذاء، قال: سمعت أبا جعفر(ع) يقول: والله إن أحب أصحابي إليّ أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالاً وأمقتهم إذا سمع الحديث ينسب إلينا، ويروى عنا فلم يقبله، اشمأز منه وجحده، وكفّر من دان به، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج، وإلينا أسند، فيكون بذلك خارجاً من ولايتنا[29].

وهذا يدعو غير المختص للإلتفات إلى الحذر الشديد جداً، والمانع له من الخوض في مثل هذه الأمور، حذراً من أن يقع في ما لا يحمد عقباه، بل ربما أوجب ذلك خروجه من المذهب، ونفي الولاية عنه، وهذا لا يعني حكر العلم والمعرفة على فئة معينة، وإنما هو تأكيد على ضرورة التخصص، واحترام الاختصاص والذي لا يتسنى لكل أحد.

 

 

[1] وسائل الشيعة ج 27 ب 9 من أبواب صفات القاضي ح 12 ص 110.

[2] المصدر السابق ح 14 ص 111.

[3] المصدر السابق ح 15 ص 111.

[4] المصدر السابق ح 10 ص 109-110.

[5] المصدر السابق ح 35 ص 119.

[6] الكافي ج 2 ح 1 ص 415.

[7] لقائل أن يقول، أن الاستدلال بالنصوص المذكورة على المطلوب يتم بناء على مسلك صاحب الكفاية القائل بأن مفاد النصوص، هو تميـيز الحجة عن اللاحجة، ولا يجري بناء على مختارا لمشهور، من الترجيح بين الخبرين، لأن المفروض أن رفع اليد عن الخبر المخالف، سالب لحجيته، ومانع من صدوره عن المعصوم(ع).

[8] سورة التوبة الآية رقم 28.

[9] وسائل الشيعة ج 10 ب 5 من أبواب من يصح منه الصوم ح 3 ص 186.

[10] سورة البقرة الآية رقم 185.

[11] سورة النساء الآية رقم 11.

[12] سورة النمل الآية رقم 16.

[13] سورة مريم الآيتان رقم 5-6.

[14] سنن أبي داود ج 3 باب ما جاء في الوصية للوارث ح 2870 ص 114.

[15] سورة البقرة الآية رقم 180.

[16] سورة الحشر الآية رقم 7.

[17] الكافي ج 1 كتاب الحجة باب التفويض إلى رسول الله(ص) وإلى الأئمة(ع) في أمر الدين ح 4 ص 266.

[18] إثبات صدور الحديث بين منهجي نقد السند ونقد المتن ص 291(بتصرف)

[19] سورة البقرة الآية رقم 285.

[20] سورة الإسراء الآية رقم 70.

[21] سورة الحجرات الآية رقم 13.

[22] بحار الأنوار ج 100 كتاب العقود والإيقاعات ح 10 ص 163-164.

[23] فقه الحديث قواعده مناهجه ج 4 ص 262-269(بتصرف).

[24] عيون أخبار الرضا ج 1 ص 22-23.

[25] ميزان تصحيح الموروث الروائي ص 173.

[26] ميزان تصحيح الموروث الروائي ص 173.

[27] ميزان تصحيح الموروث الروائي ص 73-74(بتصرف يسير).

[28] المصدر السابق ص 172(بتصرف).

[29] وسائل الشيعة ج 27 ب 8 من أبواب صفات القاضي ح 39 ص 87.