20 أغسطس,2019

المضطر المجاب

اطبع المقالة اطبع المقالة

 

 

فُسرت مجموعة من الآيات القرآنية بالناحية المقدسة(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، وأن المقصود بما جاء فيها هو ولي النعمة(عج)، وليس شيئاً آخر.

ومن تلك الآيات قوله تعالى:- (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)[1]، فقد ذكر في تفسيرها أنه بعدُ لم يتحقق إظهار الدين كله على الجميع، وأن ذلك لن يكون إلا عند قيام دولة العدل الإلهي، بظهور ولي النعمة(روحي فداه)، وإقامته لدولته المباركة[2].

ومنها: قوله تعالى:- (بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ما انا عليكم بحفيظ)[3]، فقد روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر(ع)-في حديث-فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة، واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وأول ما ينطق به هذه الآية:- (بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين)، ثم يقول: أنا بقية الله في أرضه وخليفته وحجته عليكم، فلا يسلم عليه مسلم إلا قال: السلام عليك يا بقية الله في أرضه[4].

ومنها: قوله عز من قائل:- (فلا أقسم بالخنس* الجوار الكنس)[5]، حيث اعتمد في تأويلها فيه(بأبي وأمي) على نصوص تعود كلها إلى أم هاني حيث قالت: لقيت أبا جعفر محمد بن علي الباقر(ع) فسألته عن هذه الآية:- (فلا أقسم بالخنس* الجوار الكنس)، قال(ع): الخنس إمام يخنس في زمانه عند انقطاع من علمه عند الناس سنة ستين ومائتين، ثم يبدو كالشهاب الثاقب(الواقد)في ظلمة الليل، فإن أدركتِ ذلك قرت عينك[6].

وقد روي الخبر أيضاً في كمال الدين بسند ينتهي إلى أم هاني، مع شيء من الاختلاف في الجواب، حيث جاء فيه: سألتيني يا أم هاني، هذا مولود في آخر الزمان هو المهدي من هذه العترة يكون له حيرة وغيبة، يضل فيها أقوام ويهتدي فيها أقوام، فيا طوبى لك إن أدركتيه، ويا طوبى لمن أدركه[7].

 

وقد تضمن النص تفسير الخنس في الآية بالإمام الغائب الذي يعود بعد غيبة، فيكون هو المقصود بذلك.

ولا ينحصر الأمر في خصوص هذه الآيات، بل هناك آيات أخرى يجدها القارئ في المصادر المعدة للحديث عن ذلك، سيما ما يتعرض للحديث حول القضية المهدوية.

ومن تلك الآيات التي أشير لكون المقصود بها ولي النعمة(عجل الله تعالى فرجه)، قوله تعالى:- (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)[8]، فإن الوارد في كلمات المفسرين حولها رأيان:

الأول: ما أختاره السيد العلامة(ره)، من عدم اختصاص الآية الشريفة بالناحية المقدسة(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، وإنما هي بصدد عرض عنوان عام، مفاده: أن المقصود بالمضطر هو الإنسان المنقطع إلى الله سبحانه وتعالى حال الدعاء، وهو الذي يكون في دعائه لله عز وجل منقطعاً انقطاعاً خاصاً، لينال منه الاجابة. ولعل السر في كون دعاء المضطر مورداً للإجابة منه سبحانه يعود للحالة التي يكون عليها، فإن المفروض فيه أن يكون قد انقطعت به جميع السبل المادية التي يتصور قابليتها لتلبية حاجته وإجابة دعوته، فالمريض، لم يعدّ لديه إيمان بأدوية ولا بطب، ولا بعلاج، وأنه لا طريق إلى علاجه الا بالله سبحانه ومنه تعالى[9].

 

ولا ينحصر هذا الرأي في السيد الطباطبائي(قده)، بل عليه كثير من المفسرين، لو لم يكن هو قول المشهور بينهم.

 

الثاني: أن يكون المقصود به هو خصوص ولي النعمة(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، وأنه هو المضطر في الآية الشريفة، وليس أحد سواه.

وعمدة الدليل الذي تمسك به أصحاب هذا القول هو النصوص، فقد ورد في بعضها تفسير المضطر في الآية الشريفة به(روحي فداه)، ففي التفسير المنسوب إلى علي بن إبراهيم القمي، بسند ينتهي إلى صالح بن عقبة، عن أبي عبد الله(ع) قال: نزلت في القائم من آل محمد(ع)، هو والله المضطر إذا صلى في المقام ركعتين ودعا إلى الله عز وجل فأجابه، ويكشف السوء ويجعله خليفة في الأرض[10].

وعن أبي خالد الكابلي، قال: قال أبو جعفر(ع) والله لكأني أنظر إلى القائم وقد أسند ظهره إلى الحجر ثم ينشد الله حقه إلى أن قال(ع): هو والله المضطر في كتاب الله في قوله:-(أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض)، فيكون أول من يبايعه جبرائيل(ع) ثم الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلاً، فمن كان ابتلي بالمسير وافى ومن لم يبتل بالمسير فقد عن فراشه، وهو قول أمير المؤمنين(ع): هم المفقودون عن فرشهم، وذلك قول الله:- (فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً)، قال الخيرات: الولاية[11].

 

وربما استند بعضهم إلى قرينة داخلية موجودة في الآية الشريفة، وهو ذيلها، حيث قال تعالى:- (ويجعلكم خلفاء الأرض)، ولم يقل ويجعلكم خلفاء في الأرض، والفرق بين التعبيرين واضح، على أساس أن التعبير بالخلافة في الارض يعود للاستخلاف فيها، وهو كما قد يكون بحق، يمكن أن يكون بدونه، لأنه قد يتجبر الإنسان ليسيطر على الأرض بالقوة، وهذا بخلافه في خلافة الأرض، فإن المقصود به هو السيطرة عليها، وهذا لا يكون إلا بتمكين من الله سبحانه لعبده، ليكون مسيطراً على جميع خيراتها وكنوزها وتخضع كلها له، ومن الواضح أن ذلك لم يتحقق بعد، وإنما يكون تحققه يوم قيام دولة العدل والحق على يدي ولي النعمة(عج).

وبالجملة، إن التعبير الوارد في الآية الشريفة، يساعد على أن المقصود بالمضطر المذكور فيها ليس مجرد المنقطع لله تعالى في الدعاء، وإنما هو مضطر خاص، وهو الإمام صاحب الزمان(عج).

ولا يخفى أن البناء على التفسير الثاني، يستدعي الالتـزام أن النصوص التي وردت في تفسير الآية الشريفة، بل وكذا النصوص التي وردت في الآيات الأخرى المفسرة لها بالإمام صاحب الزمان(عج)، محمولة على قاعدة الجري والتطبيق بالمعنى الخاص، وهذا يستدعي أن يكون المفهوم المراد بيانه من خلال النصوص، من المفاهيم المتشابهة. توضيح ذلك:

 

إن للجري والتطبيق معنيين:

الأول: الجري والتطبيق بالمعنى العام:

والمقصود من هذا المعنى هو انطباق المعاني العامة أو المطلقة الواردة في الآيات الشريفة على مصاديقها الخارجية، من دون اختصاص لذلك بزمان نزول الوحي، أو بفترة زمنية خاصة. فوجود سبب نزول للآية القرآنية لا يوجب الاختصاص به، بل يكون مجرد مصداق من المصاديق التي أريد بيانه من المفهوم العام الكلي الذي تضمنته الآية الشريفة.

ولا يخفى أن هذا يعود إلى تطبيق قاعدة الظهور القرآني، وهي إحدى القواعد العقلائية المعتمدة في مقام المحاورة.

وهذا المعنى كثير الوجود في كلمات المفسرين، فإن المراجع لتفسير السيد العلامة(ره) على سبيل المثال في بحثه الروائي يجد هذا المعنى كثيراً في كلماته، فإنه عندما يعبر عن مورد بأنه من صغريات الجري، يقصد منه الإشارة إلى هذا المعنى، وأن النص الذي تضمن ذكراً ليست غايته الحصر في ما تضمنه، وإنما ذكر أحد المصاديق والأفراد المرتبطة به.

 

الثاني: الجري والتطبيق بالمعنى الخاص:

وهو الذي يكون بياناً لبطون القرآن الكريم، وغايته بيان الآيات القرآنية المتشابهة من خلال ما يصدر عن المعصومين(ع) في النصوص المفسرة لتلك الآيات، ويعبر عنه بالتأويل، وبيان بطن القرآن.

ومقتضى ما ذكر أن المعنى الخاص للجري والتطبيق، يختص بالمتشابه من الآيات الشريفة، وينحصر في الصادر من المعصوم(ع)، وعليه، لا يجري هذا المعنى في الآيات المحكمة كما لا يخفى.

وبالجملة، إن قاعدة الجري والتطبيق بالمعنى الخاص، تعني حصول التأويل للآيات المتشابهة من قبل الأئمة المعصومين(ع).

ووفقاً لما ذكرنا يتضح الفرق بين المعنيـين، ومنه أيضاً يتضح المسامحة الموجودة في تعبيرات المفسرين، فإن تعبيرهم بقاعدة الجري والتطبيق في العديد من الموارد، في حقيقته ليس تطبيقاً للقاعدة بمعناها الخاص، وإنما هو استعمال لها بمعناها العام، والذي عرفت أنه ليس جرياً وتطبيقاً حقيقة.

 

ثم إنه بعد تحرير الكبرى، يتضح ما ذكرناه، من أن البناء على التفسير الثاني للآية الشريفة، وكذا غيرها من الآيات المباركة بحملها على أن المقصود فيها هو مولاي ولي النعمة(روحي لتراب حافر جواد الفداء)، يستوجب الالتزام بأن الآيات المذكورة من الآيات المتشابهة، حتى يستدعي ذلك بيانها وتأويلها من قبل المعصوم(ع)، أما لو كانت المفاهيم التي تضمنتها من المفاهيم المبينة، فلا يمكن جعل المورد من صغريات التأويل، وإنما سوف يكون المورد تفسيراً بذكر أحد المصاديق الموجودة في المقام.

ومنه يتضح، أن مجرد وجود نصوص تضمنت تطبيق الآية الشريفة على معنى من المعاني، لا يوجب الاختصاص بها، لأنه لابد من توفر شرطية المتشابه كما سمعت، فوجود النصوص المتضمنة لتحديد المقصود بالمضطر وأنه ولي النعمة(عج)، ليس بالضرورة أن يكون حصراً للمفهوم المذكور فيه(ع)، بل ربما كان ذكره من باب أنه أوضح وأجلى المصاديق المرتبطة بهذا المعنى.

 

والإنصاف، أنه لا يوجد ما يوجب التشابه في مفهوم المضطر، فإنه ليس كمفهوم اليد التي ورد الأمر بقطعها في قوله تعالى:- (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)[12]، فإن لليد إطلاقات متعددة في المتفاهم العرفي، وهذا مدعاة إلى وجود تشابه في المقصود منها، فيلزم تحديد ذلك وتأويله من قبل الشارع المقدس، فيأتي دور النص المعصومي، وهكذا.

ومن ذلك أيضاً تحديد المقصود بـ(أهل البيت) في قوله تعالى:- (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)[13]، فإنه من المفاهيم المتشابهة التي تحتاج بياناً.

وكذا قوله تعالى:- (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)[14]، فإن المقصود بالمؤمنين المتضمنين للشرطين المذكورين قد يحتاج بياناً، فتتدخل السنة لتحديده، وهكذا.

ومنه يتضح عدم صلوح المستند الذي اعتمده أصحاب القول الثاني، وجعلوه المناط في ما اختاروه.

 

وأما القرينة الداخلية، والتي أريد الاستفادة منها، على أساس أنه بعدُ لم يحصل استخلاف الأرض بالتمكين المطلق فيها، وإخراج خيراتها وعطاياها، فإن هذا مبني على كون المقصود من استخلاف الأرض هو هذا المعنى، وليس واضحاً ذلك، فتأمل جيداً.

وقد يساعد على القبول بالقرينة المذكورة، التعبير عنها بالفعل المضارع، وهو يساعد على الحصول والتحقق في المستقبل. وهو ممنوع، إذ أن غاية التعبير المذكور الإشارة إلى حصول الاستمرار، فتأمل.

 

الإجماع دور لولي النعمة:

ولا يلزم القبول بالرأي الثاني من الرأيـين في الآية الشريفة توهم أن لا يكون للإمام ولي النعمة(روحي لحافر جواده الفداء) دور في الأمة خلال فترة الغيبة المظلمة، وأنه ما دام لم يدعو الله سبحانه وتعالى، فلن يحصل أي شيء، بل الصحيح أن له عدة أدوار يقوم بها في زمان الغيبة المظلمة، حتى لو كان بعدُ لم يسأل الله سبحانه وتعالى أن ينهي فترة الظلام الذي تعيشه الأمة نتيجة غيبته(بأبي وأمي). وأحد تلك الأدوار مسألة الإجماع الذي يكون أحد أفرادها، بيان ذلك:

المعروف في كلمات فقهاء الإمامية أن مصادر الاستنباط للحكم الشرعي أربعة، الكتاب العزيز، والسنة الشريفة، وحكم العقل والإجماع[15].

وقد أدى هذا التنويع للمصادر أن يتصور بعضهم أن الإجماع واحد من المصادر المستند إليها في الاستنباط، وليس الأمر كذلك، فإن ذكر الإجماع في كلمات أعلامنا، غايته المجاراة في التقسيم مع ما عليه الجمهور، لغاية ليس هذا مورد ذكرها، وإلا فليس الإجماع عند علمائنا مصدراً مستقلاً يعتمد عليه في ذلك، بل هو يعود إلى أحد أمرين:

 

الأول: أن يكون كاشفاً عن قول المعصوم(ع)، وهذا يجعله راجعاً إلى السنة المباركة، لأنه يكشف عن ذلك.

الثاني: أن يكون كاشفاً عن ارتكاز متشرعي، أو عن دليل من الأدلة الشرعية التي لو وصلتنا لكان هو المستند في النتيجة المذكورة، وعليه، لن يكون الإجماع دليلاً مستقلاً، بل سوف يعود للدليل الذي يكشف عنه، فلو كان كاشفاً عن آية قرآنية، كان الدليل هو القرآن، أما لو كشف عن نص معصومي، أو عن ارتكاز متشرعي، فهو يؤول للسنة الشريفة، كما لا يخفى.

والحاصل، ليس الإجماع دليلاً مستقلاً قسيماً لبقية الأدلة الأخرى، بل هو منطوٍ فيها وليس مستقلاً عنها.

وقد ذكروا للإجماع أقساماً، بحسب مباني حجيته، فقالوا أنه ينقسم إلى اجماع حسي، وإجماع لطفي، واجماع حدسي، و كالإجماع التقريري. وهذه في الحقيقة ليست تقسيمات للإجماع، إنما هي بيان لمنشأ حجيته، حتى يصح الاستناد إليه للدلالة على الحكم الشرعي.

 

وكيف ما كان، فإن الإجماع اللطفي، يعتمد على قاعدة اللطف، فكما أن العقل يستقل بوجوب بعثة الأنبياء، وإرسال الرسل(ع)، وإنزال الكتب معهم، لهداية العباد لطفاً من الله سبحانه وتعالى على عباده، فإنه يحكم أيضاً بوجوب نصب الإمام وإظهاره، حذراً من أن تضل الأمة بعد نبيها(ص)، عن الشريعة الإسلامية السمحاء التي جاء لهم بها.

ومن المعلوم أن العقل لا يجوّز ترك الشارع الأمة تتفق على حكم مخالف لحكمه، ما يوجب وقوعهم في الخطأ، بل يحكم العقل بلزوم إظهار الحق، ويكون ذلك من جانب الإمام(ع)، فبمقتضى لطف الله تعالى القاضي بنصب الإمام(ع) بعد بعثة النبي(ص)، يلزم دخول الإمام(ع) مع المجمعين، ولو لم يكن داخلاً بينهم لبين لهم الخطأ بمقتضى اللطف.

وأما الإجماع الحدسي، والذي أسس له الشيخ الأعظم الأنصاري(ره)، فيقصد منه أن يتفق علماء جميع الأعصار على حكم ما، ويكون اتفاقهم سبباً لتولد الاطمئنان، بموافقة الإمام(ع) إياهم في ما اتفقوا عليه، فإن مقتضى اختلافهم عادة في أكثر الأحكام، يجعل اتفاقهم في حكم ما كاشف عن كونه الحكم الموافق للواقع، والمطابق لقول الإمام المعصوم(ع). لأنه من المستبعد جداً أن يكون الحكم المذكور صادراً منهم وعن أنفسهم، بل هو قد وصل إليهم يداً بيدٍ عن رئيسهم وإمامهم.

وأما الإجماع التقريري، فقد ذكره المحقق الحلي(ره) في كتابه المعارج، والظاهر أن مقصوده من التقرير معناه اللغوي، وليس المعنى الاصطلاحي، ونعني بذلك ليس مجرد السكوت، بل التصديق والموافقة في مقابل التصريح بالحكم باللفظ، والقول[16].

 

وما يهمنا من الأنواع السابقة، هو الإجماع الدخولي، ويقصد منه اتفاق الأصحاب المعاصرين للمعصوم(ع)، أو الموجودين في عصر الغيبة المظلمة، على أن يكون بينهم شخص مجهول النسب، يحتمل قوياً أنه ولي النعمة(روحي له الفداء).

ويحرز هذا الطريق من خلال الوقوف على الاتفاق الحاصل بين علماء الطائفة كفقهاء عصر الغيبة الصغرى مثلاً، كالمفيد والمرتضى والشيخ، وسلار وابن البراج، والحلبي(ره)، وأضرابهم على حكم معين، وقد وافقهم من جاء بعدهم على ذلك أيضاً، ومن البعيد أن يكون الحكم المذكور ناشئاً منهم من عند أنفسهم، فيساعد هذا على تلقيهم إياه من قبل رئيسهم، وهو الإمام المعصوم(ع)، أو لا أقل من أنه موافق لقوله(ع)، وإلا لكان أشار إلى الخلاف في الأمر.

ولا يذهب عليك أن هذا الكشف من الأمور الوجدانية المتبعة عند العقلاء، لأنهم يقررون أن كل جماعة متى ما اتفقوا على رأي ما كان ذلك كاشفاً عن رأي زعيمهم، كما أن اتفاق التلاميذ على أمر يشير إلى كونه رأي استاذهم، وهكذا[17].

ومقتضى هذا الإجماع، أن أحد الأدوار المناطة بالإمام ولي النعمة(بأبي هو وأمي)، قيامه بعملية تسديد الفقهاء في زمان الغيبة، وذلك من خلال تأيـيده لما يصدر منهم من أحكام، بدخوله بينهم حال اتفاقهم على حكم معين، ليكون الحكم الصادر منهم موافقاً لما هو الثابت واقعاً، كما أن عدم دخوله بينهم، مانع من  الجزم بموافقة ما صدر منهم لما هو الثابت واقعاً، وعليه، لا يحكم بتحقق إجماع في المسألة.

 

وبالجملة، إن الإجماع يمثل أحد الأدوار التي يتصدى(عج) من خلالها لإدارة شأن الأمة والقيام بمسؤولياتها، من خلال إلقائه الخلاف بين الأعلام متى كان في اجتماعهم خطأ أو مجانبة للصواب في الشريعة.

نعم هل يختص هذا الإجماع بزمان الغيبة الصغرى، وهي التي لم يقع فيها الغيبة التامة، أو أنه يمكن جريانه في عصر الغيبة الكبرى أيضاً؟ احتمالان، بل قولان:

ربما منع من جريانه في زمان الغيبة الكبرى المظلمة، بتعليل أنه قد وقعت الغيبة التامة، وبالتالي لا مجال للبناء على وجوده(بأبي وأمي) بين المجمعين، وإلا كان ذلك ناقضاً لحصول الغبية المظلمة التامة.

ولا يخفى ما فيه، لأن الغيبة لا يقصد منها خفاء الشخص، وإنما يقصد بها خفاء العنوان، وهذا لا يمنع من دخوله بين المجمعين، خصوصاً وأنه شخص مجهول النسب يحتمل أنه الإمام(ع). نعم لو بني على أن حقيقة الغيبة هي خفاء الشخص، وليس خفاء العنوان، كان ذلك مانعاً من تحقق الإجماع الدخولي في الغيبة الكبرى.

 

وبالجملة، لا يوجد ما يمنع من تحقق الإجماع الدخولي في زمان الغيبة الكبرى كتحققه في زمان الغيبة الصغرى، نعم يبقى الجزم بحصول ذلك من الصعوبة بمكان، أعني تحققه خارجاً، وإلا فإنه لا يوجد ما يمنع منه ثبوتاً.

وقد يكون المانع من القبول بحصول الإجماع الدخولي في زمان الغيبة الكبرى، البناء على المنع من رؤية ولي النعمة(روحي لتراب حافر جواده الفداء)، وقد عرفت جواب هذا مفصلاً في بحث مستقل، وأنه لا يوجد ما يمنع من اللقاء به في زمان الغيبة الكبرى، عمدة ما كان أنه لا يكون معروفاً بصورة جلية واضحة للملتقي به حال اللقاء.

وأضعف من ذلك التمسك بالتوقيع الصادر للسفير الرابع(رض)، والمتضمن تكذيب مدعي المشاهدة، وقد عرفت الحديث عن ذلك مفصلاً، في بحث مستقل فراجع.

وبالجملة، ليس في البين ما يوجب اختصاص تحقق الإجماع الدخولي بخصوص زمان الغيبة الصغرى، بل إن ذلك ممكن التحقق خارجاً في زمان الغيبة الكبرى، نعم قد يكون حصوله نادراً جداً، إلا أنه لا يوجد ما يمنع من تحققه.

 

[1]سورة الصف الآية رقم 9.

[2]يمكن مراجعة ما ذكره السيد العلامة الطبطبائي(ره) في تفسيره القيم الميزان حول تفسير الآية المباركة ج 19 ص 255.

[3]سورة هود الآية رقم 86.

[4]كمال الدين ص 330.

[5]سورة التكوير الآيتان رقم 15-16.

[6]الكافي ج 1 ص 341.

[7]كمال الدين ص 330.

[8] سورة النمل الآية رقم 62.

[9]الميزان في تفسير القرآن ج 15 ص 381.

[10]تفسير نور الثقلين ج 5 ص 293 ح 93.

[11]المصدر السابق ح 94.

[12] سورة المائدة الآية رقم 38.

[13] سورة الأحزاب الآية رقم 33.

[14] سورة المائدة الآية رقم 55.

[15] عدّ مصادر الاستنباط أربعة موضع خلاف بين الأعلام، ذلك أن أعلامنا لا يعتبرون الإجماع دليلاً مستقلاً، كما أن دليلية العقل موضع كلام بينهم، لتوقفها على الالتزام بكون العقل حاكماً، ليقرر أن كل ما حكم به العقل حكم الشرع، وهي المعروفة بقاعدة الملازمة، والأكثر من الأعلام على كون العقل مدركاً، وليس حاكماً، فلا تتم القاعدة المذكورة.

[16] بدايع البحوث ج 9 ص 155-171(بتصرف).

[17] أصول الفقه وقواعد الاستنباط ج 1 ص 216.